لغة الـ تعا تعا روح روح
عنب بلدي -

خطيب بدلة

كان التاريخ، في الماضي، يقسم على ضوء الاكتشافات العلمية الكبرى والأحداث العظيمة، فيقال: قبل اختراع المطبعة، وبعده، قبل الاستقلال وبعده، قبل اختراع التلفزيون وبعده، قبل 11 من أيلول، وبعده، وأما اليوم فيجدر بنا أن نقول: قبل “فيسبوك”، وبعده.

قبل “فيسبوك”، كانت الحسرات تملأ نفوسنا، نحن الكتّاب، لأننا لا نعرف آراء قرائنا بما نكتب، ولا نعرف رأي عامة الناس بأحداث البلاد. بعد “فيسبوك” رحنا نبوس أيدينا وجهًا وقفًا، لأننا صرنا نعرف رأي الناس في كل شاردة وواردة.

سررنا، في وقت سابق، باختراع الفاكس والإيميل، فقبلهما كنا نعتمد على البريد في إرسال مقالاتنا إلى الصحف، والبريد العربي عمومًا، والسوري خصوصًا (شخاخ وبينام في النص)، ينقع رسالتك التي تتضمن المقالة في كل مركز يمر به يومًا، أو يومين، أو ثلاثة، على تيسير الله، وخلال النقع، إذا خطر ببال أحد عناصر الأمن أن يطّلع على الرسالة، فإنه يقشرها، دون وازع من ضمير، ويقرؤها ضمن فرضية واحدة هي أنك متآمر على قيادته الحكيمة حتى يثبت العكس، لذا يجب عليه أن يتأكد من ذلك، ويبدأ بالقراءة، (الله لا يفرجيك هيك قراءة) ويضع الخطوط والإشارات على بعض الكلمات، ثم يرفعها إلى رئيسه المباشر، وهذا بدوره يرفعها إلى “المعلم”… فإذا انتهى الجدل بين هذه الحثالات حولها، وقرروا أنه “ما فيها شي”، تتابع طريقها في البريد، لتصل إلى وجهتها بعدما تنتهي مناسبة الحدث الذي كتبت عنه، ووقتها إما أن تُهمَل مقالتك لأنها بائتة، أو تنشَر وهي بائتة.

ولكن وسائل التواصل الاجتماعي، في الحقيقة، ألغت الأزمان والمسافات، وجعلت الإنسان قادرًا على مناقشة أي حدث، مهما كان اختصاصيًا ومعقدًا، وإعطاء رأيه فيه، خلال دقائق قليلة من وقوعه، ولكن لها مشاكل لا تعد ولا تحصى، أولها ما يسميه أهل معرتمصرين “الجَلَاقَة”، فكل ابن آدم صار عنده حساب “فيسبوك” واحد، أو أكثر، ولأنه عاطل عن العمل داخل البلاد، أو عاطل عن العمل يعيش من راتب الـ”Job centre” في بلاد اللجوء، فلا بد أن “ينجلق” ويقعد أمام اللابتوب أو الموبايل متربصًا بالآخرين، كما لو أنه فيسبوكجي مناوب، كل مَن قال “واء”، يرد عليه، ليس بالاحترام الذي تعودنا عليه أيام زمان، وإنما على مبدأ “لا يوجد كبير سوى الجَمَل”، فإذا خطر بباله أن يسخر منك، يسخر، ولا على بال صرمايته، وإذا وصلت إلى لسانه “تحشوكة” على إحدى محارمك، أمك أختك زوجتك، يُطْلقها في الحال، فإذا حكيت عن وحدة الشعب يعدد لك جرائم الأطراف الأخرى بحقه وحق طائفته، وإن ناقشت موضوع الإنجاب في الداخل يعيرك بأنك تعيش في الخارج، فإذا قلت إن الأطفال القادمين يحتاجون إلى مال وغذاء وتدفئة يفاجئك بالسؤال القاتل: عم ياخدوا مصاري منك؟ وإذا طرحت رأيًا سياسيًا، وليس لديه رد عليه يقول لك بكل بساطة: اخراس تضرب شو إنك علاك، وهكذا يضطرك هذا الكائن “الجلق” لأن تعيد النظر في ارتياحك للتقنية الجديدة، وتتساءل: يا ترى هي نعمة أم نقمة؟



إقرأ المزيد