هل يمكن محاكمة نصف مليون سوري
عنب بلدي -

منصور العمري

نطالب كسوريين بالعدالة منذ سنين، لإنصافنا مما ارتكب بحقنا من جرائم كبرى، وخاصة العدالة التي نحصل عليها من خلال المحاكم، بمحاسبة المجرمين. في الوقت نفسه، حتى اليوم نعتقد أننا نعرف ما هذه العدالة التي نطالب بها، في الحقيقة ليس لدينا تصور حقيقي لها، هناك أسئلة كثيرة يجب أن نبحث عن أجوبة لها، من بينها:

من نحاكم؟.. أي محكمة؟

لا أجيب في هذا المقال عن هذه الأسئلة بل أثيرها فقط، كي نعي أين نحن اليوم، وكي لا نبدد جهودنا وأيامنا في مطالبات حالمة لن نصل إليها يومًا.

يجب أن نعي أولًا أن القانون والأنظمة القضائية الدولية لا تفرق بين المجرمين على أساس انتمائهم. إحدى أهم القواعد التي تبنى عليها القوانين والأنظمة القضائية هي عدم التمييز و”القانون فوق الجميع” وسيادة القانون، وهو أحد الأسس التي حركت الشعب السوري ليثور على نظام الأسد الذي شوّه القانون ومارس الظلم تجاه جميع فئات المجتمع السوري. أي مطالبة بمحاسبة شخص وعدم محاسبة آخر لانتمائه الطائفي أو المناطقي أو السياسي وغيره هي مطالبات لا تأخذها الأنظمة القضائية الدولية أو العدالة الدولية بعين الاعتبار، ولا تنظر إليها مطلقًا، فهذه المطالبات تهدم جوهر العدالة وتخالف أبسط القواعد القانونية. المحاكم في أوروبا مثلًا لم تفرق بين المرتكبين من حيث انتماءاتهم، فحاكمت منتمين لـ”داعش” و”النصرة” و”الجيش الحر” والنظام السوري لارتكابهم جرائم.

أما في سوريا، فأي مطالبات من هذا القبيل في المجتمع السوري وفي آلية المحاسبة القضائية ستهدم فكرة العدالة والقانون برمتها، ولن تؤدي سوى إلى مزيد من التوتر والظلم.

من نحاكم؟

هناك أكثر من 200 ألف عنصر مخابرات في سوريا، وحسب هيكلية ومهام أجهزة المخابرات ومهام عناصرها، جميعهم أو أغلبهم ارتكبوا جرائم أو أسهموا بها أو تغاضوا عنها وهم في موقع مسؤولية. جميع هذه الأفعال يحاسب عليها القانون، باستثناء ربما عاملي الشاي والقهوة وبضعة آخرين. في الجيش السوري التابع للأسد هناك آلاف ربما أو أكثر ممن ارتكبوا جرائم بحق المدنيين. لمحاسبة هؤلاء بعملية قضائية عادلة، يتطلب الأمر عددًا هائلًا من المحاكم والقضاة والمحامين الخبراء والبنى التحتية والتكاليف المادية والوقت.

هل نعلم كمّ الجهود والفترة الزمنية اللازمة لمحاكمة شخص واحد؟ قد لا يمكن تقييم الفترة الزمنية اللازمة لمحاكمة شخص واحد، لكن الإجراءات القانونية للمحاكمات العادلة تقدم صورة عن هذه الفترة.

مثال على مراحل عملية المحاسبة القضائية ومتطلباتها

إن كان المدعي شخصًا، عمومًا تبدأ عملية المحاسبة القضائية كالتالي:

تقديم المدعي الشخصي بلاغًا أو معلومات للشرطة.

تنظر الشرطة المختصة في المعلومات، وتقيّم إن كانت هناك أدلة كافية لإلقاء القبض على المتهم.

تلقي الشرطة القبض على المتهم أو تستدعيه.

تحقق الشرطة معه (دون تعذيب).

تحيل الشرطة القضية إلى القضاء إن استوفت شروط الإحالة.

تبدأ جلسات الاستماع واستجواب القاضي للمدعي والشهود والخبراء، وتصريحات محامي الدفاع والادعاء الأولية والختامية، ثم يصدر القاضي الحكم.

بعد ذلك تبدأ مراحل استنفاد السبل القانونية المتاحة للمتهم أو للمدعي كالاستئناف والطعن أو ربما الإحالة إلى محاكم عليا.

هذه المراحل عمومًا التي تتطلب محاكمة شخص واحد أو قضية واحدة. كل مرحلة تتطلب فترة زمنية تحترم إجراءات القضاء العادل.

كم من الوقت والإمكانيات يلزمنا لمحاسبة عشرات وربما مئات الآلاف؟ مع العلم أن عمليات التوثيق والمعلومات المكدسة لدى منظمات التوثيق السورية والدولية لا توفر أدلة على الأفراد بل على الجرائم عمومًا، باستثناء الأسماء المعروفة من بشار الأسد رأس النظام والقادة في نظامه، وبعض الأسماء المتفرقة، وقد لا يتجاوز عدد الأفراد الذين تتوفر ضدهم معلومات تدينهم مئات. حتى هؤلاء يجب أن يمروا بعملية قضائية عادلة، ولا تكفي الأدلة والتوثيقات الموجودة حاليًا لدى هذه المنظمات للحكم عليهم.

معوقات هذه العملية القضائية

هناك عدد كبير من العقبات التي ستواجه المحاسبة القضائية في سوريا، منها مثلًا الفساد المنتشر في السلك القضائي، ونقص الخبرات والنصوص القانونية اللازمة لمحاكمة هذا النوع من الجرائم، الذي يتطلب معرفة بشروط المحاكمة العادلة وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وهو ما يلزم تدريب أعداد كبيرة من القضاة والمحامين، وضبط الجهاز القضائي بداية كي يلتزم بإجراءات المحاكمات العادلة.

هناك عقبات عملية أخرى كعدم وجود الأشخاص المتهمين في عناوينهم، أو عدم القدرة على اعتقالهم، بالإضافة إلى الإمكانيات المادية اللازمة للمدعين والمتهمين لتوكيل المحامين والسفر والتردد على المحكمة المختصة. قد يتطلب الأمر إنشاء عدد كبير من المحاكم وهي تتطلب أيضًا تمويلًا ووقتًا، وقضاة ومحامين وغير ذلك.

فوق كل ذلك، هناك أعداد كبيرة أخرى من السوريين في الطرف الآخر المعارض للأسد ممن ارتكبوا جرائم، مثل السوريين المنتمين لـ”داعش” ممن ارتكبوا جرائم. قادة “جيش الإسلام” حين وضعوا مدنيين في أقفاص واستخدموهم كدروع بشرية، وحين خطفوا مدنيين من عدرا وغيرها من الجرائم. “جبهة النصرة” والفصائل الإسلامية وفصائل “الجيش الحر” بأغلبها ارتكبت جرائم. القوات الكردية أيضًا ارتكبت جرائم متعلقة بالتهجير وغيره. القوات السورية المدعومة من تركيا أيضًا ارتكبت جرائم متعلقة بالتهجير والنهب وغيرهما.

لا يمكن أن نفتح المحاسبة القضائية في سوريا ونستثني ضحايا “داعش” و”النصرة” والفصائل والقوى الأخرى. بالتالي قد يصل عدد من يمكن محاسبتهم إلى نصف مليون أو أكثر. أجزم بأن محاسبة هذا العدد مستحيلة اليوم وغدًا، وخاصة أن مرور الوقت يشكل عقبة إضافية أمام المحاكمات.

هناك أيضًا مؤشرات خطيرة على عدم إمكانية تحقيق عملية محاسبة قضائية “ناجحة” حتى في المستقبل. فمثلًا حين بدأت محاكمة أنور رسلان في كوبلنز بألمانيا ظهرت أصوات معارضة لمحاكمته، من بينها من يقول إنه من الطائفة السنية، أو لأنه من حمص أو لأنه منشق و”مع الثورة”. أيضًا حين اعتُقل مجدي نعمة عضو “جيش الإسلام” في فرنسا، عارض اعتقاله شخصيات تمثل المعارضة السورية مثل معاذ الخطيب وغيره، بسبب انتمائهم العقائدي على ما يبدو. كما توسطت بعض القبائل في دير الزور للإفراج عن أفرادها المتهمين بانتمائهم لـ”داعش” بلا محاكمة. هذه المؤشرات هي أمثلة فقط عن دور الطائفية والقبائلية والمذهبية في تشويه المبادئ الأساسية للعدالة والقانون، والمنتشرة بشكل كبير في مجتمعنا السوري، والتي ستكون من أكبر العقبات لتحقيق عدالة جزائية حقيقية.

يجب أن نقف للحظة، ونفكر، ما العدالة التي نريدها؟ ما المحاسبة التي نريدها. هل محاسبة رؤوس الإجرام فقط؟ في محاكم دولية أم وطنية؟



إقرأ المزيد