هل أسهمت حكومة النظام السوري بخلق العشوائيات في دمشق
عنب بلدي -

عنب بلدي – زينب مصري

بعد أن أسس رفعت الأسد، الشقيق الأصغر للرئيس السوري السابق حافظ الأسد، “سرايا الدفاع” ومقره في “مزة جبل 86″، سمح لبعض عناصره ببناء غرف صغيرة من اللبن والصفيح لإيوائهم.

ومع مرور الوقت، أحضر هؤلاء العناصر عائلاتهم من قراهم الساحلية، وأصبحت فيما بعد منطقة سكنية ذات طابع عسكري، بحسب ما نقله موقع “دويتشه فيله” (DW).

كان حي “مزة جبل 86” قبل سبعينيات القرن الماضي عبارة عن أحراش وصخور وأراضٍ زراعية تعود ملكيتها إلى أهالي المزة (سكان دمشق خارج السور)، أما قمة الجبل الممتدة حتى سلسلة جبل قاسيون والأراضي المتاخمة له، فتعود إلى وزارة الدفاع، يحدها جنوبًا المزة أوتوستراد وغربًا مزة فيلات وشمالًا جبل قاسيون وشرقًا الشيخ سعد، وهي إداريًا تتبع لمدينة دمشق.

حي “المزة 86″، واحد من عشرات الأحياء العشوائية في العاصمة دمشق تحديدًا، وفي سوريا بشكل عام، التي سمحت حكومة النظام السوري بنشوئها، ومدتها بالمرافق العامة والخدمات من ماء وكهرباء وشبكة هاتف.

تُعد حركة الهجرة الداخلية من المدن الصغيرة والأرياف إلى المدن الكبرى، من أبرز الأسباب المباشرة لنشوء ظاهرة السكن العشوائي في المدن الكبرى وحولها، وإلى جانب الهجرة الداخلية التي بدأت بسبب تمركز النشاط الاقتصادي والتجاري والصناعي والثقافي والتعليمي في المدن الكبرى، تشمل الأسباب المباشرة لنشوء الظاهرة ارتفاع معدلات النمو الطبيعي للسكان.

وتفاقمت مشكلة السكن العشوائي في سوريا خلال السنوات العشر الأخيرة، نتيجة القصف الممنهج من قوات النظام السوري على مساكن المدنيين، والنزوح والتهجير القسري، وفي الوقت الحالي تعمل حكومة النظام على إعادة تنظيم مناطق السكن العشوائي، خاصة في حي مخيم “اليرموك”، بموجب المرسومين “رقم 23” لعام 2015 و“رقم 10” لعام 2018.

الحكومة شرعنت العشوائيات

حقوقي مطلع تحدث لعنب بلدي عن أسباب نشوء مناطق السكن العشوائي في دمشق على وجه الخصوص.

وعزا تلك الأسباب إلى سوء أنظمة البناء والتنظيم العمراني، وغلاء رخصة البناء والبيروقراطية في الحصول عليها، وعدم وجود مناطق تنظيمية جديدة، وارتفاع أسعار الأراضي، بالإضافة إلى “إخفاق” نظامي الجمعيات والإسكان، اللذين تنظمهما حكومة النظام السوري، في تأمين السكن، وعدم تغطيتهما حاجة الناس.

وقال الحقوقي، إن السماح بنشوء العشوائيات كان “مقصودًا”، إذ إن أغلب سكان الأحياء العشوائية في دمشق مثل حي “عش الورور” و”مزة 86″، هم أشخاص قدموا من الريف إلى المدينة، وتحديدًا من أرياف منطقة الساحل وحمص.

وأضاف أن النظام كان يهدف من ذلك إلى تغيير المنطقة ديموغرافيًا، بعيدًا عن حجة أزمة السكن، لأن السكان هناك يمتلكون منازل في الريف الذي قدموا منه.

ويعتقد أن حكومة النظام سارت في اتجاه بناء حزام حول المدينة، ولذلك خدّمت الأحياء العشوائية بالمرافق العامة، وعبّدت الطرقات فيها، ومدت لها شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي والهاتف على الرغم من كونها مناطق مخالفة على أملاك دولة، وبذلك تكون الحكومة نفسها قد خالفت وشرعنت العشوائيات، بحسب تعبيره.

النظام دعم الظاهرة

القاضي السوري أنور مجني تحدث، في تقرير نشرته عنب بلدي، عن أسباب نشوء العشوائيات، مشيرًا إلى أنها كثيرة ومتراكمة عبر الزمن، بدءًا من الأسباب السياسية، إذ إن الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين والجولان سبّب موجة من التهجير أدت إلى نشوء مخيمات تحولت بعضها لاحقًا إلى تجمعات سكن عشوائي.

وكذلك أشار إلى وجود أسباب سكانية، ومنها الزيادة السكانية الكبيرة في سوريا، وأسباب اقتصادية واجتماعية، ومنها عوامل الطرد الريفي والجذب المدني الناتج عن عدم التنمية المتوازنة، ما أدى إلى حركة سكانية كبيرة من الريف إلى المدينة، إلى جانب أسباب تشريعية وتقنية، وأهمها عدم ملاءمة كثير من القوانين للواقع العقاري، والتي كانت تسبب تفاقم مشكلة السكن العشوائي بدلًا من حلها، وبطء إنجاز معاملات التحديد والتحرير، وأيضًا التأخر في إصدار المخططات التنظيمية والتفصيلية لمناطق التوسع العمراني، ويضاف إلى هذه العوامل مشكلة الملكية على الشيوع، التي عقّدت المشكلة العقارية.

وقال القاضي مجني إن المواطن كان يحتاج إلى السكن وخاصة في مراكز المدن الكبرى، ولم تعد المساكن النظامية كافية لتلبية الاحتياجات، وكانت هناك تعقيدات قانونية وإدارية تمنع البناء بشكل نظامي، وخاصة التأخر في إصدار المخططات التنظيمية والتفصيلية، وهو ما أدى إلى نشوء طبقة “طفيلية” مرتبطة بالنظام سُمّيت بـ”تجار المخالفات”.

واستغل “تجار المخالفات” حاجة الناس إلى السكن، ورغم أن القوانين تمنع وتعاقب على البناء دون ترخيص، فإن هذه الطبقة كانت تتمتع بالعلاقات التي تمنع عنها المساءلة والملاحقة القانونية.

كما كانت التشريعات والقرارات تأتي لحماية هذه الطبقة من خلال إعاقة البناء بشكل نظامي لتكون هي وحدها القادرة على البناء، وبتكلفة أقل نظرًا إلى عدم حاجتها لدفع الضرائب والالتزام بنظام ضابطة البناء.

وأضاف مجني أن ظاهرة السكن العشوائي كانت تتم برعاية النظام وبإرادة منه، لخلق توازنات معينة وتغييرات ديموغرافية يقصدها من خلال السماح لأشخاص مرتبطين به ببناء أطواق حول المدن، والمثال عليها نشوء منطقة كاملة من مناطق السكن العشوائي باسم “مزة 86” وجاء هذا الاسم من اسم لواء “سرايا الدفاع” (اللواء 86)، حيث سُمح لعناصر هذا اللواء بالبناء العشوائي في هذه المنطقة لتتحول لاحقًا إلى حي سكني.

ما هو السكن العشوائي؟

تشكل مناطق السكن العشوائي على المستوى الإجمالي الوسطي 15- 20% من الإجمالي في سوريا (ريف وحضر)، و25 – 30% نسبة لمراكز المدن، وترتفع هذه النسبة إلى ما يزيد على 30 – 40% في مراكز المدن الرئيسة.

ويقدر عدد المساكن في مناطق السكن العشوائي بما يقارب 500 ألف مسكن، تعادل كقيمة عقارية 300 إلى 400 مليار ليرة سورية، ويقدر عدد السكان الإجمالي لهذه المناطق بـ2.5 مليون نسمة، وباعتماد معدل وسطي للكثافة السكانية في هذه المناطق 450 شخصًا على الهكتار، يمكن تقدير المساحات التي تشغلها هذه المناطق بـ5555 هكتارًا.

ومن خلال مؤشر عمر المساكن في العشوائيات، يمكن استنتاج أن 55% من هذه المساكن شُيّدت بالفترة بين عامي 1965 و1990، في مقابل 37% شُيّدت بعد عام 1990، وهذا يدل على التوسع السريع لهذه المناطق في ظل غياب المعالجات الجدية والبدائل، بحسب بحث بعنوان “المشكلة العقارية وتداعياتها على حقوق الملكية في سوريا” صادر عن منظمة “اليوم التالي” في حزيران 2019.

وتُعرف مناطق السكن العشوائي بمساحات واسعة من الأراضي ذات السكن المخالف، التي تشكلت خارج حدود التنظيم العمراني للمدن المركزية في سوريا، نتيجة لحاجة السكن إليها من أجل تأمين سكن سريع الإنشاء وقليل التكاليف.

وتمثل ذلك بالزحف العمراني باتجاه الأراضي الزراعية، وكان ذلك على مراحل امتدت منذ نحو 60 عامًا، ولكنها ازدادت منذ عام 1981، بحسب بحث للدكتور في جامعة “دمشق” قاسم الربداوي، بعنوان “النمو السكاني ومشكلة السكن العشوائي في مدن مراكز المحافظات السورية بين أعوام 1981- 2010”.

والسكن العشوائي هو السكن المخالف لنظام ضابطة البناء الذي ينشأ خارج حدود التنظيم العمراني، ويتكون من مواد بناء بسيطة خفيفة، وغالبًا ما يفتقد لشروط السلامة الإنشائية.

ضمت مناطق السكن العشوائي في مدينة دمشق عدة أحياء، وبلغت مساحة الأراضي المشغولة بالسكن العشوائي 2000 هكتار حتى عام 2010، مقابل 3000 هكتار ذات سكن منظم.

وشكلت تلك الأحياء الشعبية حزامًا عمرانيًا حول مدينة دمشق، ويشكل السكن العشوائي قسمًا منها في مناطق عديدة، مثل حي “86” في المزة، وقسم من أراضي داريا وأطراف صحنايا، والسبينة، وحجيرة، وناحية السيدة زينب، ونهر عيشة، وجرمانا، وأطراف القابون وعش الورور، وأطراف برزة، وقسم من حي ركن الدين على سفوح جبل قاسيون.

وتقدر نسبتها جميعًا، بحسب الربداوي، بقرابة 23.22% من مساحة الأراضي في دمشق، وهي تشكل مناطق حماية للمخطط التنظيمي وتوسعًا سكنيًا عشوائيًا ومنظمًا.

وقُدر عدد السكان الذين يعيشون فيها بـ1.2 مليون نسمة، عام 2010، أما في مدن محافظة ريف دمشق وحول مدينة دوما مركز المحافظة، فيعيش قرابة 245 ألفًا و169 نسمة في مناطق السكن العشوائي، وعلى حساب الأراضي الزراعية التي تبلغ مساحتها 4000 هكتار، وهي ليست داخل المدينة بل خارج حدودها، وهي تمثل منطقة حماية للمخطط التنظيمي، من أجل أن تكون مجالاً للتوسع العمراني المقبل، كما هي الحال في غوطة دمشق الشرقية والغربية، بحسب البرداوي.



إقرأ المزيد