بين النص والواقع: المادة (18) من الإعلان الدستوري على محكّ التطبيق
زمان الوصل -
نصّت المادة (18) في فقرتها الثانية من الإعلان الدستوري على مبدأ جوهري من مبادئ دولة القانون، حين قرّرت أنه: "باستثناء حالة الجرم المشهود، لا يجوز إيقاف أي شخص أو الاحتفاظ به أو تقييد حريته إلا بقرار قضائي". 
وهذا النص، في جوهره، يعبّر عن أقدس ضمانات الحرية الشخصية، ويجسّد خضوع السلطة التنفيذية للقضاء، وسموّ الشرعية الإجرائية عند أي مساس بحقوق الأفراد.
غير أن الحقيقة الماثلة على الأرض تكشف فجوةً مقلقة بين النص والتطبيق؛ إذ لا يزال هناك عدد غير قليل من الموقوفين —ولا سيما في سجن دمشق المركزي وفي بعض الأفرع الأمنية التي كانت قائمة في عهد النظام البائد— محرومين من حريتهم دون أوامر قضائية صريحة، أو بمقتضى احتجازات أمنية لا تستند إلى أساس قانوني نافذ. 
والأخطر من ذلك أنّ بعض إدارات السجون تمتنع عن تنفيذ قرارات قضائية واجبة النفاذ؛ إذ يرفض مدير سجن دمشق المركزي، في حالات محددة، السماح بتوكيل محامٍ عن موقوفين بحجة أنهم "أمنيون"، رغم صدور إذن صريح من المحامي العام الأول بدمشق بالسماح بالتوكيل.
إن هذا الامتناع لا يمثّل مجرد مخالفة إجرائية، بل يُعدّ انتهاكًا صريحًا لحق الدفاع المكفول دستوريًا، ومساسًا بمبدأ سيادة القانون، وتعدّيًا على حجية القرارات القضائية ووجوب احترامها من جميع السلطات والجهات الإدارية. 
فتصنيف الموقوف على أنه "أمني" لا ينشئ استثناءً خارج القانون، ولا يعلّق سريان الضمانات الدستورية، ولا يجيز تعطيل حق التقاضي أو عرقلة تنفيذ أوامر القضاء.
إن مقتضى المادة (18) لا يتحقق بإيرادها في النصوص فحسب، بل بإعمالها الفعلي: فلا توقيف ولا استمرار في الاحتجاز ولا تقييد للحرية إلا بأمر قضائي معلّل، مع تمكين الموقوف فورًا من حقه في الدفاع والاتصال بمحاميه، وتنفيذ القرارات القضائية دون إبطاء أو انتقاص. 
وأي امتناع إداري عن تنفيذ إذن قضائي يُشكّل مخالفة تستوجب المساءلة التأديبية والجزائية بحسب الأحوال؛ لأن الشرعية لا تتجزأ، وسيادة القانون لا تقوم مع استثناءات أمنية غير منصوص عليها. 
إن حماية الحرية الشخصية تبدأ باحترام القضاء، وتنتهي عند محاسبة كل من يعطّل أحكامه أو يلتفّ عليها؛ فالدولة التي تنشد تكريس مفهوم "دولة القانون" لا بد أن تجعل النص الدستوري قاعدةً مُطبَّقة، لا وعدًا مؤجَّلًا.
المحامي الدكتور محمد عبد الله العبد الله - زمان الوصل


إقرأ المزيد