الرقة تحت سلطة قسد و الشبيبة الثورية: حين تتحول المدينة إلى معسكر
زمان الوصل -
في الرقة، لا يوقظك صوت القصف، بل طرقٌ مفاجئ على الباب، أو إشاعة عن مداهمة، أو خبر عن شاب "اختفى" لأن هاتفه لم يعجب أحداً.
هنا، لا يُقاس الأمان بغياب المعارك، بل بقدرتك على العبور من يوم إلى آخر دون أن تصبح اسماً في كيس أسود، أو رقما في مشفى مكتظ، أو هدفاً في حملة ليلية.
الرقة التي خرجت من حرب مدمّرة لم تدخل زمن الاستقرار، بل سُلّمت إلى شكل آخر من الحكم: أكثر هدوءاً، أكثر تنظيماً ، وأشد قسوة. حكم لا يحتاج إلى إعلان طوارئ دائم، لأنه حوّل الخوف نفسه إلى قانون غير مكتوب، يُطبّق على الجميع بلا استثناء.
خلال الأيام الماضية، شهدت برادات المشفى العسكري غرب مركز المدينة تكدسا كبيراً لجثث عناصر ميليشيا قسد، وسط منع ذوي القتلى من فتح أكياس الجثث للتحقق من هويات أبنائهم، كما في حالتي ميار المرعي العلوش وخالد عبد الرحيم السليمان. أبناء خرجوا أحياء، وعادوا إلى عائلاتهم جثثاً مغلقة، بعد أن فُرض عليهم القتال عبر التجنيد الإجباري.
وفي الوقت نفسه، تغص مشافي الرقة والطبقة والمشفى العسكري بأعداد كبيرة من المصابين، ما اضطر إلى نقل مرضى العناية المشددة إلى مشفى الرقة الوطني لتخفيف الضغط، مع تسجيل نقل حالات جديدة يومياً. مشهد صحي منهك، يُخفي خلفه حجم خسائر لا يُراد لها أن تُرى.
لكن الموت في الرقة لا يقتصر على الجبهات. داخل المدينة، تنفذ ميليشيا قسد بالتنسيق مع ما يُعرف بـ"الشبيبة الثورية" حملات مداهمة متزامنة ومستمرة، تستهدف اشخاصاً يُشتبه بامتلاكهم ميولا معارضة أو أي صلة بالحكومة. وخلال هذه الحملات، تُفتش الهواتف بدقة، بما في ذلك سجلات البحث داخل تطبيقات التواصل، في محاولة لتحويل الحياة الخاصة إلى ملف أمني مفتوح.
⛔ الشبيبة الثورية: الذراع التي لا تُسأل
منذ دخول "الشبيبة الثورية" إلى الرقة، بعد إخراجهم من حلب، تحوّل وجودهم إلى مصدر رعب يومي للسكان. هذا التشكيل، المرتبط ايديولوجيا وتنظيمياً بحزب العمال الكردستاني (PKK)، لا يعمل كقوة أمنية، بل كميليشيا قمعية تؤدي وظيفة واضحة: اعتقال السكان تعسفيا، تغييبهم، ومنع ذويهم من معرفة مصيرهم أو حتى السؤال عنهم. هؤلاء المعتقلون قد يُعادون مكسورين، وقد لا يعودون أصلاً، وتبقى الرسالة واضحة لكل من يعيش في المدينة: الصمت أو العقاب.
ولم يقتصر الأمر على الأفراد. فقد استولت الشبيبة على مدارس في المدينة، عطّلت الدوام الدراسي، وحوّلت الأبنية التعليمية إلى مقرات وسكن لعناصرها، كما صادرت منازل مدنيين بذريعة "الغياب" أو الاشتباه، دون أي سند قانوني. هذه الممارسات حولت الحياة المدنية نفسها إلى هدف للقمع، بما في ذلك المدارس، المنازل، والشوارع، وأثبتت أن المدينة بأكملها تحت سيطرة ميليشيا تعمل خارج أي إطار قانوني.
يسمّيهم أبناء الرقة "الشبيبة الن. از. ي. ة"، ليس بدافع الشتيمة، بل توصيفا لسلوك قائم على العنف المجرد، واستعراض القوة، وإذلال المدنيين. اقتحام منازل، تكسير، سرقة أموال وسيارات، اعتداءات ليلية، وتعذيب علني، كل ذلك تحت غطاء حظر التجول الذي تحوّل من إجراء أمني إلى أداة ابتزاز وترهيب.
في الليل، تُفرغ الشوارع من أهلها، وتُترك لعناصر الشبيبة. لا أوامر قضائية، ولا تهم واضحة، ولا حق في الاعتراض. من يُؤخذ قد يعود مكسوراً، وقد لا يعود أصلاً. والرسالة لا تُوجَّه إلى الضحية وحدها، بل إلى المدينة كلها: الصمت هو شرط البقاء.
هذه الممارسات ليست استثناءات أو أخطاء فردية، بل نمطاً متكرراً . تُعامل الرقة كمدينة "غير موثوقة"، ويُعامل أهلها كبيئة يجب ضبطها بالقوة. لذلك يصبح التعذيب وسيلة "تربية" ، والإذلال سياسة، والخوف أداة إدارة.
يعبّر أهالي الرقة عن غضب عميق ورفض واسع لأي حديث عن مفاوضات أو امتيازات لقسد. فسنوات السيطرة، كما يقولون، لم تخلّف سوى نهب لخيرات المدينة وتدمير للنسيج الاجتماعي. ويرى كثيرون أن الحديث عن اتفاقيات بعد كل ما جرى ليس مجرد تجاهل للمعاناة، بل إهانة لها.
إلى جانب القمع، يعيش الناس فقراً خانقًا، وبطالة، وارتفاعاً حاداً في الأسعار. ومع تصاعد التوتر، يزداد القلق من مخاطر شبكة الأنفاق المنتشرة تحت أحياء المدينة، واحتمال انهيار المباني فوق ساكنيها، في ظل غياب القدرة على النزوح أو حتى تخزين المواد الغذائية إذا انفجرت الأوضاع.
ما يحدث في الرقة ليس ملتبسًا، ولا معقداً، ولا قابلاً لإعادة التوصيف.
إنه حكم قائم على القوة، يُدار عبر ميليشيا، ويستمر بالصمت.
لا شرعية تُبنى فوق الجثث، ولا أمن يولد من الإذلال، ولا سلطة يمكن تبرئتها لأنها "أفضل من البديل" . هذه ليست مقارنة صالحة، بل خدعة أخلاقية.
من يحكم مدينة بالخوف، لا يحكمها، بل يحتلها.
ومن يحوّل المجتمع إلى سجن، لا يطالب بالاستقرار، بل يفرضه بالقسر.
الرقة لن تحتاج يوماً إلى من يفسر ما جرى فيها.
ستحتاج فقط إلى لحظة يُكسر فيها هذا الصمت.
وعندها، لن تكون المشكلة في ما قيل،
بل في كل ما لم يُقَل.
ريم الناصر - زمان الوصل


إقرأ المزيد