عنب بلدي - 1/18/2026 1:32:10 PM - GMT (+2 )
عنب بلدي – ركان الخضر
لم تقتصر الأحداث التي شهدها حيّا الأشرفية والشيخ مقصود على الداخل السوري، فقد كان لها صدى وارتدادات على مستوى الإقليم والعالم، تُرجمت في مواقف وتصريحات حول ما جرى في الحيين اللذين كانت تسيطر عليهما “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، قبل أن يدخلهما الجيش السوري، بعد اشتباكات دامت عدة أيام.
الأحداث التي شهدها الحيّان كانت لها ارتدادات في إقليم كردستان العراق، من خلال دعوات شعبية أطلقتها بعض المنصات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي، تطالب بإخراج اللاجئين السوريين من الإقليم، وتبارك خطوات بعض الذين فصلوا عمالًا سوريين من أعمالهم.
الزعيم الكردي مسعود بارزاني، أصدر رسالة انتقد فيها تلك الحملات، مؤكدًا أنها غير لائقة ولا تنسجم مع مبادئ وقيم شعب كردستان، كما تتعارض مع السياسة والرؤية العامة لمؤسسات الإقليم.
وأضاف، “في الحقيقة، لا يجوز إلقاء اللوم في ارتكاب جريمة من قبل فئة ما على عاتق آخرين لا علاقة لهم بتلك الجريمة، بل يجب احترام اللاجئين والمواطنين العرب السوريين الذين لجؤوا إلى الإقليم ويعيشون فيه، ولا بد من وضع حد لهذه الحملات غير المشروعة، وأن تعمل الجهات المعنية على منع تكرار مثل هذه السلوكيات”.
وكان الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، أكد خلال اتصال هاتفي مع الزعيم الكردي، مسعود بارزاني، في 9 من كانون الثاني الحالي، في خضم الأحداث التي شهدتها مدينة حلب، أن الكرد مكوّن أصيل وأساسي من نسيج الشعب السوري.
وشدد على التزام الدولة السورية بضمان جميع حقوق الكرد الوطنية والسياسية والمدنية، على قدم المساواة مع بقية أطياف الشعب السوري دون أي تمييز.
من جانبه، أعرب بارزاني عن تقديره لرؤية الشرع ودعمه لتطلعات السوريين في بناء دولة جامعة لكل أبنائها، مؤكدًا أهمية استمرار التنسيق والتشاور بما يخدم المصالح المشتركة ويعزز السلم الأهلي.
كما أصدر بارزاني بيانًا في ظل الأحداث التي شهدها حيّا الأشرفية والشيخ مقصود، دعا فيه الحكومة السورية إلى “عدم تحويل خلاف سياسي إلى نزاع قومي، وعدم السماح بأن يواجه المواطنون الكرد في حلب الضغوط والقمع والتهجير من أرض الآباء والأجداد”.
وطالب الأطراف الكردية، ولا سيما “قسد”، بـ“بذل كل ما في وسعها من أجل وقف القتال والاشتباكات، ومنع إراقة المزيد من الدماء، وأن يعمل الطرفان بجدّية من أجل اعتماد نهج الحوار والتفاوض لحلّ المشكلات”.
وأشار الزعيم الكردي إلى أن وجود خلاف سياسي “لا يمكن أن يكون سببًا في تعريض حياة المدنيين للخطر أو وقوع تطهير عرقي ضد الشعب الكردي”، محذرًا من أن التطهير العرقي “يعد جريمة ضد الإنسانية وتترتب عليها نتائج خطيرة لا تُحمَد عُقباها”.
وقال بارزاني، إن التغيرات السياسية في سوريا “شكلت فرصة جيدة لإيجاد خارطة حل مناسبة تضمن مراعاة الحقوق المشروعة للشعب الكردي في سوريا ومعالجة جميع القضايا الخلافية”.
وأشار إلى “جهود دؤوبة” بذلها مع جميع الأطراف، “إيمانًا بضرورة حل كل الخلافات والمشكلات عبر الحوار وبالطرق السلمية”.
ونوه بارزاني إلى أن “الأوضاع الخطيرة والقتال والعنف في مدينة حلب، يثير قلقًا بالغًا ويشكل خطرًا على حياة المدنيين والمواطنين الأبرياء، وسط وجود تهديدات بارتكاب تطهير عرقي ضد الكرد في تلك المنطقة”.
من جهته، صرح رئيس إقليم كردستان العراق، نيجيرفان بارزاني، خلال استقباله السفير الفرنسي في العراق، باتريك دوريل، في 14 من كانون الثاني الحالي، أن الإقليم سعى منذ بداية أحداث حلب لوقف القتال والحفاظ على الاستقرار، مشيرًا إلى أن مساعي التهدئة مستمرة.
مؤشرات على توتر العلاقةرغم البيانات السياسية التي دعت إلى الحوار وتغليب الحلول السلمية، فقد شهد إقليم كردستان العراق بعض القرارات التي توحي بتوتر العلاقة مع الجانب السوري، منها إعلان محافظ أربيل، أوميدو خوشناو، إلغاء معرض المنتجات السورية الذي كان من المقرر إقامته بمعرض أربيل الدولي، مرجعًا السبب إلى الأحداث السورية، في إشارة إلى الاشتباكات التي حصلت في الأشرفية والشيخ مقصود بحلب.
وأشار المحافظ إلى أنها ليست المرة الأولى التي تمنع فيها المحافظة إقامة معرض للمنتجات السورية، وقال، “في مرة سابقة منعنا إقامة معرض سوري بسبب عدم رفع علم كردستان قبل أن يقوم السوريون بتصحيح الأمر”.
ومن المؤشرات الأخرى اعتذار قناة “شمس” التي تتبع لـ”الحزب الديمقراطي الكردستاني” الحاكم في إقليم كردستان العراق، عن عدم بث مقابلة مع الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، كانت أعلنت عنها في وقت سابق، معللة السبب بردود الرئيس السوري التي تضمنت هجومًا على “قسد”.
واعتبر مدير القناة، إيلي ناكوزي، أن ردود الشرع جاءت بمثابة إعلان حرب على “قسد” بدلًا من التهدئة، وفقًا لكلامه، في حين أن ذلك يخالف سياسة القناة، التي تدعو إلى السلام.
وأوضح ناكوزي أن الشرع أبدى تعاطفه مع القضية الكردية، لكنه شدد في الوقت ذاته على عدم وجود جماعات مسلحة خارج إطار الدولة.
خطوة القناة استدعت انتقاد وزارة الإعلام السورية، مشيرة إلى إمكانية عرض المقابلة عبر منصاتها الرسمية وفق الأطر القانونية، باعتبارها مادة إعلامية منجزة لا يوجد ما يبرر حجبها مهنيًا أو تحريريًا.
وعللت الوزارة ذلك بما وصفتها بـ”مسؤوليتها بحماية حق الجمهور في المعرفة وحفاظًا على الأصول المهنية والقانونية الناظمة للعمل الإعلامي”.
ضغط شعبي كبيريعتقد الباحث في “المركز الكردي للدراسات” طارق حمو، أن القيادة الكردية تواجه ضغطًا شعبيًا كبيرًا من جميع الأكراد في المنطقة الذين يشكلون كتلة بشرية كبيرة لا تقل عن 50 مليون إنسان، مشيرًا إلى أن إلغاء المشاركة السورية في معرض أربيل تعود للضغط الشعبي، متوقعًا ذهاب الأمور إلى تصعيد أكبر.
وأوضح حمو أن الزعيم الكردي مسعود بارزاني، أرسل رسالة للرئيس السوري عندما بدأ التغيير في سوريا، عبر خلالها عن تقبله للتغييرات في البلاد، وأثنى على موقف الشرع عندما طلب من الكرد ألا يغادروا مناطقهم، وأن “إدارة العمليات” لن تقترب منهم ولن تهددهم.
ونوه إلى أن الشعور في بدايات تسلّم القيادة السورية الجديدة كان جيدًا، ويوحي بوجود تنسيق بين الحكومة السورية وحكومة إقليم كردستان، مشيرًا إلى أن الاجتماع الذي جرى بين الرئيس السوري، أحمد الشرع، ورئيس الإقليم، نيجيرفان بارزاني، على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي بتركيا في نيسان 2025، كان وديًا، موضحًا أهمية هذا التنسيق والمباحثات للحكومة السورية، للدور المؤثر الذي يملكه مسعود بارزاني لدى كل الكرد في جميع أنحاء العالم.
وبيّن حمو أن الأحداث التي شهدها حيّا الأشرفية والشيخ مقصود أعادت الأمور إلى المربع الأول، وأدت إلى ردود فعل غاضبة لدى الكرد في عموم العالم، والزعيم بارزاني حاول شرح هذه الأمور للرئيس الشرع خلال الاتصال الهاتفي بينهما.
هذه الضغوط الشعبية، برأي حمو، دفعت قناة “شمس” إلى عدم بث مقابلة الرئيس السوري، بسبب إصرار الشرع، بحسب وصفها، على استخدام لهجة عسكرية تجاه “قسد”، وابتعاده عن لغة التهدئة، الأمر الذي اعتبره حمو عودة من الحكومة السورية عن اتفاق 10 من آذار بين الطرفين، وإصرارًا على الحل العسكري من خلال الحشود المتواصلة للقوات الحكومية في منطقة دير حافر ومسكنة بريف حلب الشرقي.
الباحث الكردي يرى أن الخطوات الحكومية أدت الى تضرر العلاقات كثيرًا بعدما كان من المأمول ألا يكون الوضع هكذا من خلال التمسك باتفاق 10 من آذار، وهو ما كان سيشكل أرضية لعلاقات أفضل بين أربيل ودمشق، بحسب الباحث الكردي.
التحدي يتمثل بـ”قسد”يرى الباحث في مركز “جسور للدراسات” وائل علوان، أن أحداث الشيخ مقصود لا تؤثر على المدى الطويل على العلاقة بين الحكومة السورية وحكومة إقليم كردستان العراق، لكنها تسبب إشكالًا في الفترة الحالية فقط.
وأضاف أن “أزمة قسد” هي أحد التحديات أمام العلاقة الجيدة بين الطرفين، معتقدًا أن الحكومة السورية حريصة على علاقة متينة مع إدارة مسعود بارزاني، لكنها تحتاج إلى تدخل وضغط أكبر من الزعيم الكردي على “قسد”.
ونوه علوان إلى أهمية البيانات التي صدرت عن بارزاني، التي تدعو إلى التهدئة وعدم تجييش الشارع الكردي، مشيرًا إلى أن بارزاني يملك قدرة أكبر على التأثير في الأوساط الكردية، في إطار السعي إلى عدم انزلاق الأمور كما تريدها “قسد” في تصوير الأحداث على أنها نزاع كردي- عربي، وهو ما تحتاج إليه الحكومة السورية من بارزاني، برأي علوان.
علوان أوضح أن سوء العلاقة بين الطرفين خطرة لأنها تحرم سوريا من هذا الدور الإيجابي المؤثر الذي يمكن أن يقوم به الزعيم الكردي، من خلال تفويت الفرصة على من يريد أن يحرف المسار ويستثمر بالفوضى، مشيرًا إلى أننا نعيش أمام أزمة خطاب إعلامي لن تستمر ولن تطول، لكنها تسبب إشكالية حالية اليوم.
Related
إقرأ المزيد


