الشيخ مقصود والأشرفية.. تنوع يتجاوز تفاصيل الحرب
عنب بلدي -

عنب بلدي – محمد ديب بظت

عند الدوار الأول في حي الأشرفية شمالي مدينة حلب، تبرز لوحة تشير إلى أن الحي سكنه عبر عقود عرب وأرمن وسريان وكرد، وهو ما يعكس تاريخًا طويلًا من العيش المشترك تحت ضغط المدينة وتحولاتها القاسية.

الحي، إلى جانب الشيخ مقصود المجاور، لم يكن مجرد مساحة سكنية متعددة المكونات، بل أصبح خلال سنوات الحرب، وخاصة في فترة سيطرة النظام السابق على المدينة، ملاذًا لعائلات نزحت من الأحياء الشرقية هربًا من القصف والحصار، حيث وجد النازحون أنفسهم يعيشون إلى جانب العائلات الكردية والعربية في ظروف متشابهة من القلق وانعدام الخدمات.

التعايش يصمد رغم الصعوبات

يارا سيدو من سكان حي الأشرفية، قالت لعنب بلدي، إن تجربة النزوح المشترك ساعدت على خلق روابط اجتماعية جديدة بين سكان الحيين، حيث صمد التعايش اليومي رغم الصعوبات، وكان التفاهم والاعتماد المتبادل على الجيران جزءًا من الحياة.

وأضافت أن مشاركة الموارد المحدودة بين العائلات والنشاطات اليومية، مثل تبادل الأطعمة والحفاظ على العادات الثقافية المختلفة، شكّلت أرضية لعلاقات اعتيادية بين المكونات، بعيدًا عن الانقسامات السياسية.

“النساء في الحيين اعتدن تبادل الأكلات التقليدية بين بعضهن، واستخدام كلمات كردية ضمن الحياة اليومية، وهي عادات صارت جزءًا من الروتين اليومي، وليست مجرد تقليد ثقافي عرضي”.

وذكرت يارا أن هذا التداخل جاء نتيجة طبيعية للعيش المشترك تحت ضغط الظروف الاقتصادية والاجتماعية والأمنية.

خالد مصطفى من حي الشيخ مقصود، قال إن التجربة نفسها تعكسها الحياة اليومية، فالأحياء كانت مفتوحة للنازحين، والسكان واجهوا المخاطر نفسها سواء كانوا عربًا أو كردًا، وشعورهم بالمدينة كـ”وحدة واحدة” ساعد في تقليص الفروق بين المكوّنات، بحسب تعبيره.

وأضاف خالد، لعنب بلدي، أن المشاركة في المناسبات الاجتماعية بين السكان وتبادل الأطباق، أضافا بعدًا عمليًا للتعايش، حتى إن لم يكن دائمًا متساويًا أو مثاليًا.

مرحلة استقبال النازحين شكّلت نقطة تحول في العلاقات الاجتماعية، حيث كانت الجيرة والاعتماد المتبادل بين العائلات أساسًا لتقوية روابط التعايش، إذ بدأت الروابط الاجتماعية تتشكل، رغم الإرهاق والظروف الصعبة، بحسب خالد، موضحًا أن هذا التفاعل أسهم في تعزيز الثقة المتبادلة بين السكان على المدى الطويل.

من جهته ذكر مازن حرح من سكان حي الأشرفية، لعنب بلدي، أن ما جرى خلال الأيام الماضية أعاد إلى الأذهان تجارب النزوح السابقة، وأن ما يجمع السكان أكبر من الانقسامات العرقية أو السياسية، مشيرًا إلى أن الحي ظل مساحة مشتركة للعيش اليومي رغم الصعوبات.

مواطنون في الأشرفية بحلب يتفقدون الحي بعد دخول قوات الحكومة السورية – 9 كانون الثاني 2026 (عنب بلدي/ محمد مصطو)

ليس مثاليًا لكنه ضروري

مازن حرح قال، إن الأحداث الأخيرة ذكّرت السكان بأن الطوارئ والمخاطر الأمنية لم تفرق بين عربي وكردي، وأن العمل اليومي على حماية المنازل والمجتمع كان موحدًا بين الجميع.

ومن الشيخ مقصود، قال محمد حسو، لعنب بلدي، إن التعايش القائم منذ سنوات ساعد في مواجهة المواقف الحرجة، وأضاف أن الرغبة في استقرار الحيين كانت دائمًا تتجاوز أي تصنيف عرقي أو سياسي، وأن الجميع يسعى لضمان العيش بأمان.

“تبادل الأطباق والأكلات والاحتفالات الصغيرة بين العائلات المختلفة، ومشاركة الأطفال في الألعاب اليومية، أسهمت في بناء علاقة مستمرة بين السكان”، بحسب محمد، واعتبر أن هذا التعايش العملي، حتى إن كان بعيدًا عن المثالية، كان ضروريًا للحفاظ على الحي واستمراره.

التعايش اليومي لا يعني غياب المشكلات، فهناك أحيانًا خلافات بين السكان حول أمور الحياة اليومية وكذلك السياسية، لكنها تبقى ضمن نطاق طبيعي، ولا تؤثر على العلاقات العامة.

وأضاف أن هذه التجربة اليومية خلقت نوعًا من الاعتياد على التعددية الثقافية، حتى في أوقات الأزمات.

وقالت مريم يوسف من سكان الأشرفية، لعنب بلدي، إن التبادل اليومي للعادات بين المكونات أسهم في تعزيز الروابط المجتمعية، معتبرة أن مشاركة الأكلات والمصطلحات اللغوية والاحتفالات المحلية جعلت التعايش أمرًا مألوفًا وليس شعارًا يرفع عند الحاجة، بل ممارسة يومية فرضتها الظروف.

المطلوب هو الأمن

أحمد حسن من الشيخ مقصود، قال لعنب بلدي، إن التوترات الأمنية أعادت أحيانًا إنتاج المخاوف القديمة المتعلقة بالانقسام المجتمعي، لكنه أكد أن سكان الحيين يسعون للحياة الطبيعية والاستقرار، بعيدًا عن الشعارات العاطفية عن التعايش، معتبرًا أن المطلوب هو الأمن والخدمات واستعادة الروتين اليومي.

“المجتمع المحلي اكتسب خبرة في التعامل مع الأزمات السابقة، حيث كان الاعتماد على الجيران والتعاون المجتمعي هو الطريقة الوحيدة للتغلب على الصعوبات”، بحسب أحمد.

واعتبر أن إعادة فتح الأسواق والمحال التجارية أعادت ديناميكية اجتماعية كانت مفقودة خلال الأسابيع الماضية، وساعدت في تقليص التوتر بين الجيران.

ويرى الأهالي أن التجربة التي عاشوها خلال النزوح واستقبال النازحين وأحداث الأشهر الأخيرة، تظهر أن التعايش ليس مجرد شعار أو حالة رمزية، بل واقع عملي فرضته الحياة اليومية، وأن المجتمعات الصغيرة داخل الحيين تشكلت عبر سنوات طويلة من التجارب المشتركة، فالبنية الاجتماعية لهذه الأحياء صمدت رغم التوترات، والعوامل الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية أسهمت في تعزيز الروابط المجتمعية بين السكان.

وبحسب الأهالي، فإن ما مروا به خلال السنوات الماضية، من نزوح وأحداث أمنية وتحديات يومية، علمتهم أن التعاون المجتمعي والمصالح المشتركة بين السكان، بعيدًا عن الانقسامات، هو ما حافظ على استقرار الحيين، وأن الحياة اليومية، بكل تفاصيلها، هي المختبر الحقيقي للتعايش بين مختلف المكونات.

ما تاريخ الحيين؟

يشكل حيّا الشيخ مقصود والأشرفية، في شمالي مدينة حلب، منطقتين حساستين ومعقدتين في النسيج السكاني للمدينة منذ عقود، ويعدان من أكثر الأحياء تنوعًا، إذ يسكنهما خليط من الكرد والعرب والتركمان، إلى جانب عدد من العائلات النازحة من أحياء حلب الشرقية، التي أُجبرت على النزوح نتيجة القصف والدمار خلال سنوات الحرب.

وتشير تقديرات سابقة إلى أن عدد السكان في الحيين يبلغ نحو 200 ألف نسمة، ما يجعلهما من أكبر التجمعات السكنية في شمالي المدينة، ويتمتعان بموقع جغرافي استراتيجي داخل النسيج العمراني.

يقع حي الشيخ مقصود على تلة مرتفعة شمالي مدينة حلب، ويعد من أعلى الأحياء السكنية فيها، وتعود نشأته إلى أكثر من قرن، حيث استمد الحي اسمه من شيخ ينتمي إلى إحدى العائلات الكردية المستقرة في المنطقة.

وتشير الروايات المحلية إلى أن الشيخ مقصود أقام على هذه التلة، بينما سكن شقيقه طه تلة مجاورة عُرفت لاحقًا باسم حي الشيخ طه.

ويمتد حي الأشرفية جنوب غربي الشيخ مقصود مباشرة، بوصفه امتدادًا عمرانيًا متصلًا، ويحده من الجنوب حي السريان الجديدة، ومن الشرق يمتد باتجاه الهلك وبستان الباشا، ويصل غربًا إلى محاور الطرق المؤدية إلى دوار شيحان ومحيطه، ما يجعله حلقة وصل مهمة ضمن الحركة اليومية في المدينة.

وبحسب مقال للكاتب عزيز تبسي، فإن تسمية حي الأشرفية في بداياته بالخمسينيات كان باسم “الداوودية”، في إشارة إلى الوالي العثماني الأرمني داوود باشا، وكان من الأماكن التي استقرت فيها أقسام من قوافل المهجرين الأرمن الناجين من إبادة عام 1915.

كما أنه مع أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات، شهد الحي موجات هجرة من قرى الريف الشمالي، العربية والكردية، ومن أحياء حلب القديمة، حيث توفرت فرص عمل في مصانع الغزل والنسيج ومحالج القطن ومصابغ الأقمشة ومقاشر الأرز المنتشرة في منطقة الليرمون الصناعية القريبة، وسمي الحي بالأشرفية نسبة إلى المدرسة الأشرفية القريبة من سوق قديم يسمى “استنابول”، وبدأ العمران فيه فعليًا عام 1935.

هذا التنوع السكاني والموقع الجغرافي يجعل الحيين محورًا اجتماعيًا وسياسيًا متشابكًا، إذ يشكلان نموذجًا للتعايش بين مكونات متعددة، ضمن سياق الحرب والنزوح المتكرر، مع الحفاظ على شبكات اجتماعية وعلاقات يومية بين السكان.

Related



إقرأ المزيد