حوار كبار الشخصيات.. وإشكالية الامتناع عن البث
عنب بلدي -

علي عيد

وضعت قناة “شمس” التلفزيونية الممولة من حكومة أربيل (كردستان العراق) نفسها أمام مشكلة عويصة، بعد إلغاء مقابلة الرئيس السوري، أحمد الشرع.

واتضح حجم الإرباك بعد روايات متتالية، من الإعلان عن البث، ثم التأجيل لأسباب تقنية، ثم الإعلان عن الامتناع عن البث، ثم خروج مدير القناة بتبريرات لا علاقة لها بالصحافة بل بالسياسة.

تشكل مثل هذه الحالة دليلًا على حساسية موقف الصحافة، وتطرح تساؤلات حول حوارات كبار الشخصيات، كيف تُحضَّر وتُدار، وهنا أحاول التطرق للمسألة المهنية الأخلاقية لا السياسية، وحدود المسؤولية والقانون.

أن تُسجَّل المقابلة مع رئيس أو زعيم، ثم تقرر القناة عدم بثّها، هذه ليست مقاطعة، بل قرار تحريري بعد الاطلاع على المحتوى، أي بعد أن أصبح الكلام “موجودًا”، وهو احتمال له كلفة عالية ويترك أثرًا على وسيلة الإعلام أطول من المقابلة نفسها.

قرار الامتناع عن البث أو النشر يُتخذ بدوافع مختلفة، مثل البعد السياسي أو الدعائي، أو ظروف تضع القناة في موقف محرج، أو ضغوط مباشرة أو غير مباشرة: سياسية، قانونية، إعلانية، أو أمنية، وما حصل مع “شمس” يدخل في إطار البعد السياسي الأمني، وهو أخطر أثر على مستقبل الوسيلة الإعلامية وموقف الجمهور منها.

هناك حالات معروفة أو قريبة من العلن جرى فيها إلغاء مقابلات قبل إجرائها، أو الامتناع عن البث بعد التسجيل، وبصرف النظر عن الأسباب، غالبًا ما وضعت وسائل الإعلام نفسها في مواقف صعبة، وهنا يمكن إيجاد طرق للتعويض أو التصحيح، مثل نشر مقاطع أو نصوص مكتوبة مع تفكيكها نقديًا، إلا إذا كانت المسألة متعلقة بقرار قضائي يغير في المجريات أو يمنع البث.

ويمكن إصدار بيان تحريري يشرح سبب عدم البث دون مواربة، وهو ما لم يحصل في حالة قناة “شمس”، بل خرج مديرها، إيلي ناكوزي، ليقدم رؤية تتحدث أحيانًا عن موقفه الداعم للقضية الكردية، وهذا ليس عيبًا لكنه ليس في المكان المناسب، وهو يشرح محاولته سحب تصريح بالتهدئة من الرئيس أحمد الشرع، وكأن الصحافة تلعب دور الوسيط السياسي، وهذا أبعد مكان عن مهمتها الأساسية.

كما قدم تبريرات لا تشرح سبب تهافت روايات القناة نفسها، ما زاد من مأزق المسؤولية التي لم تتحملها الوسيلة وباتت في يد الفاعل السياسي (الجهة الممولة).

عند الامتناع عن بث المقابلة المسجّلة تُطرح أسئلة مهنية مثل لماذا لم يجرِ تقدير المشكلة قبل التسجيل؟ وهل قرار الامتناع مهني أم سياسي أم دفاعي؟ وهل أُبلغ الجمهور بشفافية أم تُرك في العتمة لأن الإلغاء الصامت يضع الجهة الإعلامية في موقع “الفلتر” الذاتي للحقيقة، وهو ليس من مهمة الصحافة ولا تثق به الجماهير.

يكون الامتناع مبررًا مهنيًا، رغم خطورته، في حال تضمّن التسجيل اعترافات أو تحريضًا قد يعرّض أشخاصًا للخطر، وإذا خالف الضيف اتفاقًا مهنيًا واضحًا (كذب موثّق، معلومات مختلقة، كسر للشروط)، وكذلك إذ تبيّن أن المقابلة جرى الحصول عليها بتضليل أو ضغط غير أخلاقي. وفي هذه الحالات يكون الامتناع أقل ضررًا من بث المادة نفسها.

الامتناع عن بث مقابلة بعد تسجيلها ليس مجرد خطأ، بل فشل تحريري عندما لا يُشرح ويُؤطّر بشكل صادق، وهو لحظة كاشفة لطبيعة العلاقة بين السلطة والإعلام.

يجب على الإعلام تجنب حرمان الجمهور من سماع الطرف الآخر في لحظة مفصلية، حتى لو كان مختلفًا معه. وحوار كبار الشخصيات ليس حدثًا اعتياديًا، وهو أقرب إلى مفاوضة ذكية بين الصحافة والسلطة أو الرمزية أو النفوذ.

وغالبًا ما تُجرى هذه الحوارات في لحظات حساسة، مثل أزمة سياسية، انتقال سلطة، حرب، فضيحة، أو محاولة إعادة تموضع.

الحوار لا يأتي من الفراغ، بل من حالة يجب أن يقدرها المحاور ويكون مستعدًا لها ولعواقبها، لا أن يحجبها بعد أن يتم التسجيل، وهنا يأتي دور التقييم السياسي المسبق، والتحضير، وفهم شبكة المصالح والصراعات، والقدرة على تحمل الكلفة.

السؤال: هل من حق الجهة المقابلة بث الحوار في حال امتناع الوسيلة الإعلامية. نعم، هذا حق أصيل ومشروع وأخلاقي، خصوصًا في القضايا الحساسة، وتبقى التسويات المتعلقة بالحقوق المادية والمعنوية رهنًا لتعاقد مسبق يجري بين الطرفين.

حوار كبار الشخصيات قد يبدو “نجاحًا مهنيًا” ظاهريًا، لكنه يصبح فشلًا إذا خرج بلا معلومة، بلا كشف، وبلا مساءلة، أو بامتناع عن البث بأبعاد سياسية وأمنية، لأن الجمهور في النهاية هو الحكم.. وللحديث بقية.

Related

اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا

إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى



إقرأ المزيد