عنب بلدي - 1/18/2026 2:12:16 PM - GMT (+2 )
عنب بلدي – وسيم العدوي
تشهد سوريا منذ بداية العام الحالي واحدة من أكثر الخطوات الاقتصادية حساسية، تمثلت في البدء بعملية استبدال العملة الوطنية القديمة وإصدار طبعات جديدة يفترض أن تكون أكثر أمانًا من حيث التصميم والعلامات المميزة، وأقل عرضة للتزوير.
هذه الخطوة جاءت في إطار محاولة الحكومة السورية الجديدة إعادة ضبط المنظومة المالية، والحد من آثار التضخم الجامح الذي تراكم عبر سنوات الحرب والفساد، إضافة إلى إرسال رسالة سياسية واقتصادية مفادها أن مرحلة جديدة قد بدأت وأن أدوات النظام السابق المالية لم تعد قائمة.
ورغم الطابع الرمزي والسياسي لهذه العملية، فإن العملة الجديدة لم تدخل فعليًا في التداول داخل الأسواق المحلية، وبقيت الأوراق النقدية القديمة هي السائدة في التعاملات اليومية بين المواطنين، سواء في البيع والشراء أو تسديد الالتزامات، وهو ما خلق حالة من الارتباك وعدم اليقين لدى التجار والمستهلكين على حد سواء.
عنب بلدي تبحث في هذا التقرير عن حقيقة الأسباب وراء عدم تداول الليرة الجديدة بشكل فعلي من قبل المواطنين السوريين، مستندة في ذلك إلى آراء الشارع السوري والقطاع المصرفي والمراجع الأكاديمية المختصة بالشأن النقدي، بهدف توضيح التباين بين الإعلان الرسمي من قبل المؤسسات المالية التنفيذية والواقع العملي.
ندرة في المعروض من الليرة الجديدةمراسل عنب بلدي جال في عدد من الأسواق والمحال التجارية السورية خلال الأيام الماضية، ولاحظ أن الليرة السورية الجديدة التي أعلن مصرف سوريا المركزي عن البدء باستبدالها لم تدخل فعليًا في التداول اليومي، إلا ما ندر من حالات يحتفظ فيها أحد الزبائن بأوراق نقدية من الليرة الجديدة، ويقوم بعرضها.
واقتصر التداول في المعاملات التجارية وعمليات البيع والشراء في محال الخضار والغذائيات على الطبعات القديمة أو الدولار الأمريكي، ولوحظ وجود أوراق نقدية قديمة من فئة الـ1000 والـ500، وما زالت في حالة جيدة، وكأنها تخرج للتداول أول مرة.
وقال القصاب “أبو فراس”، صاحب أحد المحال في أشرفية صحنايا، إن الأوراق النقدية الجديدة وصلت إلى يده مرات معدودة فقط منذ بداية كانون الثاني الحالي، لأن ثمن شراء اللحوم (الغنم) بكمية كيلوغرامين مثلا تتجاوز 400 ألف ليرة سورية قديمة، ولكنه يلاحظ أن بقية المحال بالسوق مثل الفوال ومحال الخضار و”السوبرماركت” لم تتعامل مع الليرة الجديدة إطلاقًا.
ورجح “أبو محمد”، صاحب أحد محال الخضار في المنطقة ذاتها، أن يكون قد تم التداول بالليرة السورية الجديدة في الصفقات الخارجية، وأن هذا هو سبب غيابها عن الأسواق وعدم وصولها لأيدي المواطنين.
كما أن غياب العملة الجديدة عن التداول يعكس تحديات أعمق تتعلق بالثقة العامة في المؤسسات المالية، وبالقدرة على ضبط الأسواق التي اعتادت التعامل بطرق غير رسمية، بما في ذلك الاعتماد على العملات الأجنبية أو شبكات الصرافة غير النظامية.
مدير مصرف: رواتب الموظفين بالليرة الجديدةعنب بلدي توجهت بالسؤال لأحد مديري المصارف (تحفظ على نشر اسمه لأسباب إدارية كونه غير مخول بالتصريح) حول سبب عدم ظهور الليرة السورية الجديدة في الأسواق، وكشف أن المركزي تأخر في استبدال الفائض من العملة النقدية القديمة التي تم تسليمها من المصارف العامة للمركزي في نهاية كانون الأول 2025، وكانت العملة الجديدة من نصيب المصارف الخاصة وشركات الصرافة، من بدء عملية الاستبدال حتى تاريخ 4 من كانون الثاني الحالي، معتبرًا أن هذا ربما يفسر إلى حد ما ندرة ظهور العملة الجديدة في الأسواق لأن تعامل المواطنين الأكبر هو مع المصارف العامة.
وأكد المدير أن الامتحان الحقيقي لتداول العملة الجديدة ومدى تقبل المواطنين أو إقبالهم على تداولها سيكون بعد تسلم الموظفين “ذوي الدخل المحدود” رواتبهم بالليرة الجديدة، سواء من العاملين أو المتقاعدين، لأن الموظفين لن يتجهوا لادخار العملة بل إلى صرفها وشراء احتياجاتهم، وأداء معاملاتهم التجارية، وتسديد الأقساط المترتبة عليهم.
وقال مدير المصرف، إن الرواتب، ما بين 25 من كانون الثاني الحالي و5 من شباط المقبل، سواء للعاملين في الدولة القائمين على رأس عملهم بموجب قانون العاملين الأساسي رقم “50” لعام 2004 أو المتقاعدين، ستكون بالليرة السورية الجديدة.
وكشف المدير لعنب بلدي أن تطبيق “شام كاش” حذف صفرين من الأرصدة لديه، وبالتالي فإن مصرف سوريا المركزي وشركات الصرافة والمؤسسة السورية للبريد ستصرف الرواتب وكذلك المعاشات التقاعدية الموطنة على “شام كاش” بالليرة السورية الجديدة.
وأوضح أن رواتب المتقاعدين الموطنة بالمصارف ستكون بالعملة الجديدة أيضًا، لأن الصرافات بُرمجت على العملة الجديدة مع حذف الصفرين.
وأضاف مدير المصرف أن تسليم الرواتب بالليرة السورية القديمة (إن حصل) من قبل أي جهة كانت، له معنى واحد، وهو أن الجهة التي صرفت الراتب خالفت التعليمات التنفيذية للمرسوم رقم “293” لعام 2025، القاضي باستبدال العملة السورية الجديدة بالعملة القديمة بعد حذف صفرين منها، وامتنعت عن حذف صفرين من قواعد البيانات والحسابات المصرفية ومنظومة الدفع الإلكتروني.
“يدخرون العملة ولا يستخدمونها”الدكتور في جامعة “دمشق” والمختص بالاقتصاد المالي والنقدي ياسر المشعل، تحدث لعنب بلدي حول عدم انعكاس إطلاق الليرة الجديدة وحذف الصفرين على التضخم والسيولة النقدية حتى الآن، وقال إن السبب الرئيس هو أن عملية حذف الأصفار لم تكتمل بعد، حتى الآن، وما حدث هو مجرد إعلان عن الإجراء، مع طرح كميات محدودة جدًا من العملة الجديدة.
السوق لا يزال يعمل بالعملة القديمة، والأسعار لا تزال تقيّم بالآلاف والملايين، أضاف المشعل، وطالما أن العملة الجديدة ليست هي العملة السائدة في التداول اليومي، فإن أي تأثير على التضخم أو السيولة سيكون هامشيًا.
لكن هناك سببًا أعمق وأكثر خطورة هو “فخ السيولة” (Liquidity Trap)، فالاقتصاد السوري يعاني من حالة ركود عميق، إذ إن أسعار الفائدة قريبة من الصفر (أو حتى سلبية بالقيمة الحقيقية)، والناس يفضلون الاحتفاظ بالسيولة النقدية بدلًا من استثمارها أو إنفاقها، بحسب المشعل.
وفي هذه الحالة، يرى الأكاديمي السوري أن أي زيادة في الكتلة النقدية (من خلال طباعة عملة جديدة) لا تُترجم إلى زيادة في الطلب الكلي، وبالتالي لا تؤثر على التضخم، الناس ببساطة يضيفون العملة الجديدة إلى مدخراتهم، ولا يستخدمونها في الشراء.
حذف الأصفار لا يبني الثقةيجب أن نتجاوز التحليل التقليدي للتضخم والسيولة، وننظر إلى “تأثير الثقة” (Confidence Effect)، قال المشعل، فالمشكلة الحقيقية في سوريا ليست كمية النقود، بل نوعية الثقة في هذه النقود، حذف الأصفار، في حد ذاته، لا يبني الثقة.
الثقة التي يشير إليها تأتي من إصلاحات اقتصادية حقيقية:
- استقلالية البنك المركزي.
- شفافية الموازنة العامة.
- مكافحة الفساد.
- الاستقرار السياسي.
وطالما أن هذه الإصلاحات غائبة، فإن أي تغيير في شكل العملة سيبقى مجرد حبر على ورق، وعدم انعكاس حذف الأصفار على التضخم هو في الواقع مؤشر خطير على انعدام الثقة، وليس دليلًا على نجاح السياسة النقدية.
ما وراء حذف الأصفارإن عملية استبدال العملة وحذف الأصفار (Redenomination) التي تشهدها سوريا اليوم ليست مجرد إجراء فني أو تجميلي، بل هي عملية جراحية دقيقة في قلب الاقتصاد السوري، بحسب المشعل، هذه العملية، إذا تمت بشكل صحيح، يمكن أن تكون بمثابة “إعادة ضبط” نفسية واقتصادية، تسهم في استعادة الثقة المفقودة بالعملة الوطنية وتسهيل المعاملات اليومية.
لكن هذه العملية في الوقت نفسه محفوفة بالمخاطر، وقد تتحول إلى كابوس اقتصادي إذا لم تُدر بعناية وحكمة.
وردًا على سؤال حول كيفية انعكاس استبدال الليرة على السيولة والتضخم، خاصة مع عدم تداول العملة الجديدة حتى الآن، أجاب المشعل أن العلاقة بين استبدال العملة والسيولة والتضخم هي علاقة معقدة ومتعددة الأبعاد.
ومن الناحية النظرية البحتة، حذف الأصفار هو عملية محايدة (Neutral) لا تؤثر على القيمة الحقيقية للنقود أو على المستوى العام للأسعار، لكن الواقع أكثر تعقيدًا، وفق ما ذكره المشعل.
وأوضح الدكتور المشعل أن التأثير الفعلي لحذف الأصفار يعتمد على عاملين رئيسين:
1- تأثير القائمة (Menu Cost Effect): يشير هذا المصطلح إلى التكاليف التي يتكبدها التجار والشركات لتغيير قوائم الأسعار، وفي سوريا، قد يستغل بعض التجار هذه الفرصة لـ”تقريب الأسعار إلى الأعلى” (Rounding Up).
على سبيل المثال، سلعة كان سعرها 140 ليرة قديمة (أي 1.4 ليرة جديدة) قد يتم تقريب سعرها إلى 1.5 أو حتى ليرتين من العملة الجديدة، هذا التقريب، إذا حدث على نطاق واسع، يمكن أن يؤدي إلى موجة تضخمية “مصطنعة” لا علاقة لها بالسياسة النقدية.
2- تأثير التوقعات (Expectations Effect): هذا هو العامل الأكثر أهمية، إذا اعتقد الناس أن حذف الأصفار سيؤدي إلى زيادة الأسعار، فإنهم سيسارعون إلى إنفاق مدخراتهم قبل أن تفقد قيمتها، مما يزيد من سرعة دوران النقود ويؤدي إلى تضخم حقيقي.
التأخر في تداول العملة الجديدة يزيد من المخاطر، لأنه يخلق حالة من عدم اليقين والارتباك في السوق، الناس لا يثقون في قيمتها، وهذا يدفعهم إلى التمسك بالعملة القديمة أو التحول إلى الدولار والذهب.
وخسرت الليرة السورية القديمة نحو 4% من قيمتها في مقابل الدولار الأمريكي منذ بداية العام الحالي مع إطلاق العملة الجديدة، حيث سجل سعر صرف الليرة السورية القديمة مقابل الدولار الأمريكي الواحد 12270 ليرة، مع إغلاق السوق في 15 من كانون الثاني الحالي، بعدما كان 11800 بداية كانون الثاني الحالي.
حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر الحصرية، اعتبر في تصريح لصحيفة “الثورة السورية”، في 14 من كانون الثاني الحالي، أن التذبذبات التي شهدتها الأسواق عقب طرح العملة الجديدة تعود في معظمها إلى مخالفات لخطة الاستبدال، إضافة إلى عوامل فنية ونفسية مؤقتة مرتبطة بمرحلة الانتقال، ولا سيما ما يتعلق بقبول العملة القديمة، نافيًا وجود تغيّرات جوهرية في أساسيات العرض والطلب على القطع الأجنبي.
وعزا حاكم المركزي السوري حالة تذبذب سعر صرف الليرة إلى أن بعض المتعاملين استغلوا هذه المرحلة لإثارة حالة من القلق والمضاربة غير المبررة، ما انعكس مؤقتًا على الأسعار، مؤكدًا أن المصرف سيتعامل بحزم مع أي ممارسات تلاعب وفق القوانين والأنظمة النافذة.
ووفقًا للحصرية، فإن عملية استبدال العملة تسير بشكل سلس ومنتظم، متوقعًا أن يشهد سعر الصرف استقرارًا تدريجيًا مع تقدّم هذه العملية وامتصاص الآثار النفسية والفنية المرافقة لها، مجددًا التأكيد على أن المصرف لن يتهاون في مواجهة أي محاولات لزعزعة الاستقرار النقدي.
Related
إقرأ المزيد


