لم تكن مشكلة الصحافة في سوريا يومًا في عدد الصحف، بل في معنى الصحافة ذاته. فالكثرة لا تصنع الحقيقة، كما أن الضجيج لا يصنع الصوت.
قبل سقوط النظام البائد، كانت الأكشاك مزدحمة بالعناوين، والشاشات عامرة بالنشرات، لكن الفراغ كان سيد المشهد. كانت الكلمات تتحرك كثيرًا، وتقول قليلًا. كانت الصحافة حاضرة شكلًا، غائبة روحًا. جسد بلا قلب.
وحين انكسر القيد وسقطت المنظومة القديمة، تخيّل السوريون أن الكلمة ستستعيد كرامتها، وأن الإعلام سيغادر زمن التلقين إلى زمن الإقناع، وأن الصحافة ستعود إلى وظيفتها الطبيعية بوصفها سلطة معرفة لا ملحق سلطة حكم. ظنوا أن سوريا ستبني إعلامًا جديدًا يليق بدولة خرجت من الاستبداد. لكن ما حدث لم يكن انتقالًا من القمع إلى الحرية، بل من الاحتكار إلى الفوضى.
بعد عام على التحرير، تقف الدولة السورية بلا صوت مقنع. قناة رسمية وحيدة تؤدي دورها بعقلية موظفين لا بروح مؤسسات. وصحيفة وطنية يتيمة محاصرة بتكدّس غير طبيعي من الأقلام. هذا المشهد لا يدل على ضعف الإمكانات، بل على غياب الرؤية. فالإعلام لا يُقاس بعدد المكاتب، بل بقدرته على صناعة الثقة، وهذه العملة نادرة اليوم.
الأخطر من ذلك أن الصحافة تحوّلت إلى أرض مباحة. لم تعد مهنة، بل صفة إضافية. كل من امتلك حسابًا على منصة أو ميكروفونًا صار صحفيًا. الطبيب محلل سياسي. المهندس خبير استراتيجي. الناشط كاتب رأي عام. الجميع يتحدّث في كل شيء، إلا الصحفي المتخصص الذي أُقصي في سوق ضاج بالهواة.
سقطت الحدود بين المعرفة والرأي، بين التحليل والانطباع، بين المهنة والهواية. فحين يظهر بائع فلافل على شاشة الإخبارية بصفته محللًا سياسيًا، فالقضية هنا لا تتعلق به، بل بالمؤسسة التي منحته هذا الموقع. ليست إساءة للرجل، بل للمهنة. لأن التحليل السياسي ليس حكاية تُروى في مقهى، بل علم يُدرّس، ومنهج يُبنى، وخبرة تُراكم. وحين تُدار المؤسسات الإعلامية بغير المختصين، يصبح الإعلام مرآة للفوضى لا أداة للوعي. أما الصحيفة الوطنية الوحيدة، فهي صورة مكبّرة للأزمة. مئات الكتّاب يتزاحمون على صفحات محدودة. خليط غير منضبط من السياسة والاقتصاد والقانون والطب والثقافة. ليس لأن الجميع يدّعي المعرفة، بل لأن الدولة لم تبنِ خريطة صحفية طبيعية.
في الدول المستقرة، لا يكتب الطبيب في صحيفة سياسية، بل في مجلة طبية. ولا يزاحم المحامي الصحفي، بل يجد منبرًا متخصصًا. غياب هذا التنوع حوّل الصحيفة الوحيدة إلى ساحة ازدحام مهني مربك.
الفوضى لا تقف عند حدود الصحافة اليومية، بل تتسع لتشمل مراكز الدراسات. فسوريا اليوم بلا مركز وطني رصين للأبحاث الاستراتيجية، فيما تعاني معظم المراكز الخاصة اختلالًا فادحًا في المعايير. تُرفع شعارات الكفاءة، وتُمارس في الواقع المحسوبيات. يُطلب من المتقدّم شهادة ماجستير ليكون معاونًا لباحث لا يتجاوز تحصيله العلمي الثانوية، أو شهادة جامعية عامة، من دون أي تدريب أكاديمي حقيقي. مع أن أدوات التحليل والبحث لا تتأسس في المرحلة الجامعية الأولى، بل تُصاغ أكاديميًا في الدراسات العليا، حيث تتشكّل الملكة البحثية في الماجستير الأكاديمي والدكتوراه.
في المؤسسات الجادة، لا يُمنح لقب باحث إلا لمن تمرّس على أدوات التحليل، وان يكون خرّيج ماجستير أكاديمي على اقل تقدير، لأن البحث ليس تخمينًا كما يظن البعض، بل حرفة عقلية تضبطها قواعد أكاديمية صارمة لا يتقنها إلا أهلها.
هكذا تتكامل الحلقة المغلقة. إعلام بلا مختصين. صحافة بلا تنظيم. مراكز أبحاث بلا معايير. والنتيجة رأي عام مرتبك، ودولة عاجزة عن تقديم روايتها بثقة، ومجتمع يستهلك الضجيج بدل أن ينتج الوعي. ما تحتاجه سوريا اليوم ليس مزيدًا من المنابر، بل نظامًا إعلاميًا متكاملًا. استراتيجية وطنية تبدأ من الجذور. إعادة بناء وزارة الإعلام على أساس الاختصاص المهني لا الولاء الشخصي. اختيار القيادات من أهل الخبرة، لا من عابري المهنة. وضع معايير واضحة لاختيار الضيوف والخبراء، تعتمد السيرة العلمية والمهنية لا حجم العلاقات.
كما تحتاج إلى خريطة صحفية حديثة. صحف محلية تعبّر عن تفاصيل حياة الناس في المحافظات. صحف وطنية قوية تصوغ النقاش العام. صحف متخصصة في الطب والقانون والاقتصاد والثقافة. بهذا وحده يستعيد كل صاحب اختصاص مكانه الطبيعي، وتستعيد الصحافة توازنها المهني. هناك حاجة أيضًا لفتح المجال للإعلام الخاص وفق ضوابط مهنية دقيقة، تضمن الحرّية والمسؤولية معًا. فالإعلام لا ينهض بالاحتكار، بل بالتعدد والتنافس الشريف.
وأخيرًا، لا بد من إنشاء مركز وطني للدراسات والأبحاث بمعايير أكاديمية صارمة، يكون عقل الدولة التحليلي، ومرجع الإعلام المعرفي. فالدول الحديثة تُدار بالمعرفة، لا بالارتجال. الصحافة ليست ترفًا ديمقراطيًا، بل بنية سيادية. وحين تُستباح المهنة، تُستباح الحقيقة معها. وسوريا التي دفعت ثمنًا باهظًا لحريتها، لا يليق بها إعلام مرتجل، بل إعلام يوازي تضحياتها في الجدية والاحتراف.
Related


