انتقادات قانونية وحقوقية لتعميم منع “المكياج” للعاملات باللاذقية
عنب بلدي -

أثار التعميم الصادر عن محافظة اللاذقية، والقاضي بمنع العاملات في المؤسسات العامة من وضع “المكياج” خلال الدوام الرسمي، جدلًا واسعًا بين السوريين.

حقوقيون وقانونيون اعتبروا التعميم تعسفيًا وغير قانوني، يحدّ من الحريات الشخصية ويتعارض مع التزامات سوريا الدستورية والدولية.

وانقسم مواطنون بين معارض للتعميم، معتبرين أنه تدخل مباشر بالحريات الشخصية للمرأة في مدينة اللاذقية، خاصة أنه يعنى بمحافظة واحدة فقط، متنتقدين تركيز المحافظ على هذه القضايا في حين أن هناك أمورًا خدمية يجب أن تكون لها الأولوية.

بالمقابل، أيد تيار آخر التعميم، معتبرين أنه مناسب ليحافظ على “قدسية المؤسسات الحكومية واحترامها”، بحسب تعبيرهم.

وفي توضيح رسمي، قالت مديرية الإعلام في محافظة اللاذقية، إن التعميم المنسوب إلى المحافظ لا يهدف إلى التضييق على الحريات الشخصية التي يصونها الإعلان الدستوري، معتبرة أن ما أُثير حوله يعكس وعيًا مجتمعيًا وحرصًا على الشراكة بين المجتمع ومؤسسات الدولة.

وأكدت في بيان، نشرته في 27 من كانون الثاني، أن “التأكيد لا يتعلق بالمنع، بل بتنظيم المظهر الوظيفي وتجنب المبالغة باستخدام المواد التجميلية”، بما يحقق التوازن بين الحرية الشخصية ومتطلبات بيئة العمل الرسمية وصورة المؤسسة أمام المواطنين، مع التعهد بالتعامل الإيجابي مع الملاحظات وتوضيح أي لبس في الفهم أو التطبيق.

انتقادات

في أعقاب صدور التعميم والتوضيح الرسمي المرافق له، لم يهدأ الجدل القانوني والحقوقي حول مضمونه، إذ اعتبر قانونيون أن ما ورد في التوضيح لا يبدّد الإشكاليات التي أثارها التعميم، بل يفتح الباب أمام تساؤلات أعمق تتعلق بمشروعيته وحدود تدخل الإدارة في الحريات الشخصية.

المدير التنفيذي لمنظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، وهي منظمة حقوقية مقرها باريس، بسام الأحمد، اعتبر أن الاعتراضات على التعميم “محقّة جدًا”، واصفًا إياه من الناحية القانونية بأنه “شبه فضيحة للمشرّع السوري”، لكونه يتعارض بشكل أساسي مع التزامات سوريا الدولية بوصفها جزءًا من المنظومة الأممية.

وقال الأحمد لعنب بلدي، إن المظهر الخارجي واللباس يدخلان ضمن حرية التعبير غير اللفظية، وإن التدخل فيهما يمثل انتهاكًا لحرية التعبير الشخصية، إضافة إلى كونه يكرّس تمييزًا ضد النساء في بيئة العمل.

من جانبه، يرى الخبير القانوني والمتخصص في مجال حقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي، المعتصم الكيلاني، في حديث إلى عنب بلدي، أن التبرير الرسمي “عذره أقبح من ذنبه”، بحسب تعبيره.

وأوضح أن الادعاء بعدم التضييق يتناقض مع الأثر العملي للقرار، إذ إن منع وضع “المكياج” في أثناء الدوام الرسمي يشكّل تقييدًا مباشرًا للمظهر الشخصي، وهو تدخل لا يجوز قانونًا إلا بوجود أساس قانوني صريح ومبرر موضوعي يتعلق بالنظام العام أو السلامة العامة.

يخالف العهود والمواثيق الحقوقية العالمية

من الناحية الحقوقية، أكد مدير منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، بسام الأحمد، لعنب بلدي، أن هذا التدخل الحكومي يمس استقلالية الأفراد، ويطول النساء بشكل أساسي، وهو تدخل تعسفي لا تبرره أي ضرورة قانونية أو أمنية، ولا يستند إلى مبررات حقيقية، بما في ذلك الذرائع المرتبطة بالأمن أو النظام العام.

التعميم يخالف العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يُعد مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ما يُعرف بالشرعة الدولية لحقوق الإنسان، وسوريا طرف موقع ومصدّق عليها، بحسب تعبير الأحمد.

وبيّن أن القرار ينتهك المادة “17” من العهد، التي تنص على عدم جواز تعريض أي شخص لتدخل تعسفي أو غير مشروع في خصوصياته، مؤكدًا أن التدخل في المظهر الخارجي، سواء تعلق بـ”المكياج” أو اللباس، يُعد انتهاكًا للخصوصية ولا شأن للدولة به.

القرار يخالف اتفاقية “القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة” (سيداو)، لأنه ينطوي على تمييز قائم على أساس الجنس، بحسب الأحمد، موضحًا أن حصر هذه القيود بالعاملات الإناث يكرّس قوالب نمطية جندرية، ويخالف التزامات سوريا الدولية، لما ينطوي عليه من تحيز وتمييز.

المادة 2 من اتفاقية “القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة” (سيداو):

تشجب الدول الأطراف جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وتتفق على أن تنتهج، بكل الوسائل المناسبة ودون إبطاء، سياسة تستهدف القضاء على التمييز ضد المرأة، وتحقيقًا لذلك تتعهد بالقيام بما يلي:

(أ‌) إدماج مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في دساتيرها الوطنية أو تشريعاتها المناسبة الأخرى، إذا لم يكن هذا المبدأ قد أدمج فيها حتى الآن، وكفالة التحقيق العملي لهذا المبدأ من خلال التشريع وغيره من الوسائل المناسبة،

(ب‌) اتخاذ المناسب من التدابير، تشريعية وغير تشريعية، بما في ذلك ما يناسب من جزاءات، لحظر كل تمييز ضد المرأة،

(ج) فرض حماية قانونية لحقوق المرأة على قدم المساواة مع الرجل، وضمان الحماية الفعالة للمرأة، عن طريق المحاكم ذات الاختصاص والمؤسسات العامة الأخرى في البلد، من أي عمل تمييزي،

(د) الامتناع عن مباشرة أي عمل تمييزي أو ممارسة تمييزية ضد المرأة، وكفالة تصرف السلطات والمؤسسات العامة بما يتفق وهذا الالتزام.

(هـ) اتخاذ جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة من جانب أي شخص أو منظمة أو مؤسسة،

(و) اتخاذ جميع التدابير المناسبة، بما في ذلك التشريعي منها، لتغيير أو إبطال القائم من القوانين والأنظمة والأعراف والممارسات التي تشكل تمييزا ضد المرأة،

(ز) إلغاء جميع الأحكام الجزائية الوطنية التي تشكل تمييزا ضد المرأة.

يتعارض مع الإعلان الدستوري

أما الخبير القانوني والمتخصص في مجال حقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي، المعتصم الكيلاني، فأوضح أن التبرير الرسمي تحدّث عن “تنظيم” المظهر الوظيفي دون الاستناد إلى أي نص قانوني محدد أو لائحة تنظيمية معتمدة، مشيرًا إلى أن قانون العمل السوري رقم “17” لعام 2010 يشترط أن يكون أي تنظيم للمظهر مبنيًا على نص قانوني أو نظام داخلي معتمد، لا على قرار إداري عام، معتبرًا أن ذلك يشكّل مخالفة لمبدأ شرعية الإدارة.

التبرير يتعارض مع المادة “12” من الإعلان الدستوري لعام 2025، التي تنص على حماية الحقوق والحريات الأساسية والحقوق الواردة في الاتفاقيات الدولية التي صدّقت عليها الجمهورية العربية السورية، بما يشمل حرية المظهر الشخصي وحرية التعبير عن الذات، وعدم التدخل في الحياة الخاصة إلا بقانون واضح ومبرر.

وفي الإطار الدولي ذاته، يوافق الكيلاني الرأي مع مدير منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، مشيرًا إلى أن المادة “17” من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تحظر أي تدخل اعتباطي أو غير قانوني في الحياة الخاصة، موضحًا أن تنظيم المظهر الشخصي في العمل لا يمكن اعتباره غير تدخل، ما لم يستند إلى نص قانوني واضح وضرورة موضوعية وتحقيق هدف مشروع، وهي شروط لم يثبتها التصريح الرسمي.

وختم الكيلاني بالقول، إن التبرير لا يثبت التناسب أو الضرورة أو وجود نص قانوني موضوعي، بل يبرر قرارًا تقييديًا بلغة عامة، فيما خلص الأحمد إلى أن القرار “غير قانوني، وتعسفي، وتمييزي”، ويعيد سوريا إلى الوراء، ويتناقض مع الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن بناء دولة حديثة، معتبراً أن مثل هذه القرارات ترسل رسالة معاكسة لما يُقال عن التغيير، وتؤكد أن المسار يسير إلى الخلف لا إلى الأمام.

تنص المادة “17” من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، على ما يلي:

  • لا يجوز تعريض أي شخص لتدخل تعسفي أو غير قانوني في خصوصيته أو أسرته أو منزله أو مراسلاته، ولا لهجمات غير قانونية على شرفه وسمعته.
  • لكل شخص الحق في حماية القانون من مثل هذا التدخل أو الهجمات.

الشرع يوقع مسودة الإعلان الدستوري

Related



إقرأ المزيد