الرقة: مدينة منع عنها النجاح منذ الأسد حتى اليوم
زمان الوصل -
الرقة ليست مجرد مدينة دمرت أو أهملت، وليست اختزالاً في النفط أو القمح أو الكهرباء، ولا في أزياء مزركشة أو تراث فولكلوري يستدعي عند الحاجة. الرقة نموذج حي لمدينة منع عنها النجاح عمداً . منذ عهد نظام الأسد، لم تعامل هذه الجغرافيا كفضاء يسكنه بشر لهم حقوق، بل كخزان موارد يستنزف بصمت، فيما جرى تقديمها في الوعي العام بصورة مجتزأة تبرر إقصاءها وتهميشها.
عبر عقود طويلة، عزلت الرقة ومناطق الجزيرة والفرات فعلياً، وصنفت كمناطق “نامية” رغم كونها العمود الفقري للاقتصاد السوري. قدمت على أنها مناطق لإنتاج النفط والكهرباء والقمح، أي الغلة الاقتصادية للبلاد، دون أن ينعكس ذلك على سكانها تعليماً أو خدمات أو تمثيلاً سياسياً حقيقياً. هذا التهميش لم يكن اقتصادياً فقط، بل ترافق مع تهميش ثقافي وعلمي وخدمي ووظيفي ممنهج، روج خلاله لسكان هذه المناطق بصور نمطية تنتقص من أهليتهم المواطنية، وتبرر حرمانهم المزمن من حقوقهم.
على النقيض من هذه الصورة، لم تكن الرقة يوماً مدينة فارغة أو هامشية ثقافياً. هي مدينة وريف يضمان كما هائلاً من حملة الشهادات الجامعية، والماجستير، والدكتوراه، في مختلف الاختصاصات. عرفت الرقة لعقود بأنها عاصمة القصة القصيرة في سوريا، ومر في مسيرتها كبار الأدباء والمثقفين، وخرج منها شعراء وكتاب وفنانون، لبعضهم حضور يتجاوز السياق المحلي، ويعرفهم أهل الاختصاص جيداً. هذا الرصيد الثقافي والإنساني جرى تجاهله عمداً، تماماً كما جرى تهميش المدينة نفسها، في محاولة دائمة لاختزالها في صورة تخدم سياسات الإقصاء.
الرقة اليوم ليست كما عرفها تاريخها. شوارعها الطينية تغمرها مياه الشتاء، والمنازل مهددة بالتصدع، والخدمات الأساسية شبه غائبة. في حي رميلة، يكفي المشي لمسافة قصيرة لفهم حجم المعاناة: الطين يصل إلى الركبة، المياه تغمر المنازل، ولا تعبيد ولا صرف صحي. هذا المشهد لا يختصر أزمة موسمية، بل يلخص تراكم عقود من الإهمال البنيوي، حيث تُسحب الموارد من المدينة دون أن يعاد استثمارها في حياة سكانها.
هذا الواقع كان أحد دوافع مشاركة الرقة المبكرة والفاعلة في الثورة السورية، وكانت أول مدينة تخرج عن سيطرة النظام عام 2013. غير أن غياب أي مشروع حقيقي لبناء إدارة مدنية، أو دعم مؤسسات محلية مستقلة، فتح الباب أمام الفوضى وسيطرة السلاح. تحول السكان إلى رهائن للقوى المتصارعة، وتكرس نمط الحكم بالقوة بدل الدولة.
مع سيطرة التنظيمات المتطرفة، دخلت الرقة مرحلة غير مسبوقة من القمع. المدارس أفرغت من مضمونها، الأطفال جندوا قسرياً، الساحات العامة تحولت إلى مسارح إعدام، والنساء حرمن من أبسط حقوقهن. يروي أحد السكان أن الخوف صار اللغة الوحيدة في الشارع، وأن كل حركة كانت محسوبة، في مدينة أُغلقت فيها المساحات العامة والخاصة معاً. هذا لم يكن حدثاً معزولاً، بل نتيجة مباشرة لفراغ سياسي وأمني طويل.
ثم تبعت المدينة مرحلة طويلة من سيطرة مليشيا قسد، حيث تمركزت السلطة والموارد بشكل كامل في يد هذه المليشيا، ما أكمل نمط الاستغلال والتهميش الذي عرفته الرقة منذ عقود، قبل أن تخرج المدينة مؤخراً من قبضتها.
وخلال الحملة العسكرية التي تلت ذلك، تعرّضت أحياء كاملة للدمار الأشد، بينها الثكنة، حارة الحرامية، شارع المنصور، تل أبيض، 23 شباط، والفردوس. هذا الدمار طال البنى التحتية الحيوية، وترك المدينة مثقلة بإرث عمراني واجتماعي يعقد أي محاولة جادة للتعافي دون معالجة أسبابه.
في المرحلة اللاحقة، أديرت خيرات الرقة بصورة مركزية، حيث بقي النفط، والأراضي الزراعية، والمعابر، والمساعدات خارج دائرة استفادة السكان. السلطة القائمة اعتمدت على واجهات اجتماعية مصنعة لتوفير شرعية شكلية، فيما غابت التمثيلات الحقيقية للمجتمع المحلي. ومع تصاعد سياسات التجنيد والاعتقال، غابت شريحة واسعة من الشباب، إما بالهجرة أو الاختفاء، ما أفقد المدينة طاقتها الأساسية على إعادة البناء. يقول أحد سكان حي الدرعية إن المخدرات باتت واقعاً يومياً، وإن الشباب بين مدمن أو هارب أو ملاحق، في مدينة تركت بلا حماية اجتماعية حقيقية.
ومع التحولات الميدانية الأخيرة وخروج مدينة الرقة من قبضة مليشيا قسد، يبقى السؤال الجوهري مطروحاً: هل ستكسر هذه الحلقة الطويلة من التعامل مع الرقة كغنيمة، أم ستعاد إنتاج السياسات ذاتها بأدوات مختلفة؟ تجربة المدينة تجعل هذا السؤال مشروعاً، وتؤكد أن المشكلة لم تكن يوماً محصورة بجهة واحدة، بل بنمط مستمر من الإقصاء وغياب المشروع الوطني الجامع.
اليوم، الخوف ما زال الحقيقة الأكثر وضوحاً في حياة السكان. وعندما يصبح الخوف هو القاسم المشترك، تتحول حتى العواطف إلى اصطفافات قسرية، وتغلق المساحات أمام الأسئلة المشروعة. الحرب لا تنتظر الإجابات، لكنها لا تسقط الحاجة إليها.
الرقة ليست مدينة فشلت، بل مدينة فرض عليها الفشل. إعادة الاعتبار لها ولأهلها ليست مسألة تعاطف عابر، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية. ترميم العلاقة بين السوريين والسوريات، بكل تنوعهم واختلافاتهم، يبدأ بالاعتراف بأن هذه الجغرافيا وأهلها جزء أصيل من سوريا، لا هامشا لها.
سوريا بلد الجميع.
وسوريا التي لا تفرط بأبنائها، لا يجوز أن نفرط بما يجمعنا.
ريم الناصر - زمان الوصل


إقرأ المزيد