علي الباشا*
إسقاطًا على مفهوم التبعية والمحسوبية في الدولة السورية الجديدة، نجد أنّ التعيينات التي طالت عددًا من السفارات السورية الحساسة، لا تعتبر خللًا إداريًا بل جزءًا بنيويًا من العقلية السورية العميقة التي بان أثر التغوّل فيها على الحدود الطبيعية في السلطة، وهو موروث مسرطن من الحقبة السياسية السابقة ولم تستطع (هكذا يبدو) الإدارة الجديدة التخلص منه رغم تصويباتها الداخلية والخارجية ورغم إدارتها بعزم وموضوعية وثقة للتحديات التي تحيق بسوريا.
هذا التوصيف لا ينتقص من قدر صناع القرار في الحكومة السورية الجديدة، ولا هو عدم ثقة أو إضعاف لتوازن السلطة، بل يأتي من الحرص الشديد على إعادة صياغة هذه الظاهرة لتتماهى مع تطلعات الشعب السوري الذي لا يمكن وصف معاناته بالكلمات أو نقل أوجاعه بالتحليلات.
إن الشعب الذي تشرّبته الانتهاكات وقهرته الإذلالات طيلة عقود، وتعايش مع الحرب والهلاك و الجوع والتهجير لم يعد يهمه الموت وإن تجدد.. لذلك أتحدث عن هذه المرحلة، بات يهمه جدًا كل تفصيل في عملية البناء والتعافي ولو كان صغيرًا، والمادة التي لا تقوي البناء وإن كانت ذات موثوقية لن تصلح، وصاحب الدار هو من يقرر لطالما هناك خيارات أخرى.
وبلا إسهاب والسياق متصل، إن منظور التعيينات الجديدة سواء الداخلية أو الخارجية يخضع بالمطلق للمحسوبية والولاء ولا يخضع لمفهوم الكفاءات، وفكرة “تدوير الماضي” هي فكرة غير مستحدثة فما كان قبل عام 2011 هو تمامًا ما يطبق الآن بصورة أخرى.
ولعل البعض يرى أن الكفاءة قد أُخذت بالحسبان، وهذا صحيح شكلًا لكنه مجزوء مضمونًا، والواقع يثبت أن هناك من هو أكفأ وأجدر وأكثر وطنية، وسوريا تعج بأمثال هؤلاء.
إن تصوري لمثل هذه الاختيارات التي لم ترتق إلى مستوى التطلعات الحقيقية، ماهي إلا نوع من المكافآت الفردية لبعض الشخصيات التي استطاعت التمدد في فترة ما، وهي بلا شك دون المستوى والأحقية، ومع ذلك أقنعت نفسي أن هذا الأسلوب لا يعد إقصاءً مجتمعيًا أو معيارًا للكفاءة الشاملة وإلّا فنحن أمام كارثة وطنية.
وبالمعنى ذاته، إذا كان الشرط الأساسي للتعيينات لأي منصب مؤثر في الداخل أو الخارج هو الولاء الضيق بما يحمله من موقف أيدلوجي أو خدمة وظيفية في فترة الاصطفافات أو بتزكية شخصية أو عائلية (وهو حصل في التعيينات الدبلوماسية الأخيرة فبقدر ما لك من معارف في الحلقة الضيقة بقدر ما تكون محظيًا)، فنحن أمام كابوس ينطوي على مخافٍ جسيمة ومآلات غير حميدة.
إن مفهوم الولاء للسلطة يختلف تمامًا عن مفهوم الولاء للوطن، وقد يلومني البعض أنّ ذلك يحدث حتى في الدول العظمى، وإنّ بناء أي دولة يتطلب شكلًا من أشكال الولاء غير أني أتناوله من زاوية محددة وهو حرصي الوطني على النهوض بسوريا بالطريقة المثلى التي تكون فيها الدولة دولة قانون لا دولة شبكات ونفوذ امتدادًا للذاكرة السلطوية.
لمّا أطاحت الثورة في كانون الأول 2024 بالنظام السابق الذي تغوّل في الفساد والمحسوبية، نحسبها وهي كذلك، فككت منظومة “لا محسوبية ولا مصلحية ولا تبعية”، أي منظومة الولاء التنفذ والمنافع والاصطفاف والحماية والانتقائية والإقصائية والروابط الزبائنية بالكامل.
ونحن، كمواطنين عاديين بعين الحريص على مصلحة الوطن، نلاحظ أن المشهد الحالي يكشف عن نوع جديد من هذه التبعية، ليست تقليدية بل مقلدة، معيارها ظنّي ومختلف، تفتح باب التأويل والتحليل وليس الاتهام والمحاكمة، فعلى الرغم من أن الثورة شكّلت نقطة تحول حادة في حياة السوريين، إلا أن المعايير الحالية لانتقاء المسؤولين في الداخل والخارج تبدو حصرية أكثر مما عليه في العهد السابق، اقتصرت على تغيير الأدوات والدوائر والتسميات ربما، وهو ما يترجم صعود نمط جديد من الشخصيات “كوكلاء مضمونين بالطاعة” لا بالكفاءة أو الوطنية.
ختامًا، يجب أن لا نستسلم للمثل الشعبي ” لا يصلح العطار ما أفسده الدهر” فالفساد (نقول كان) في سوريا موروث تراكمي بنيوي ووظيفي وسلوكي، والعطار مجازًا عليه أن يغير المسار لا أن يراكم القواعد القديمة، أقلها أن تكون هذه القواعد معلنة بحيث يدرك الجمهور طبيعة المرحلة، فالفجوة بين الخطاب والواقع كبيرة.
وهنا يأتي السؤال بخصوص التعيينات الاستحقاقية ومنها الدبلوماسية: هل هذا النمط يخدم التنمية المستدامة للدولة و المجتمع؟ وهل تضمن الإصلاح المؤسسي أم هي نوع من “إدارة الندرة” بالعقلية المتراكمة. السؤال برسم الإجابة من الجميع، إن لم يكن الجميع متقبلًا!
* د. علي الباشا – كاتب سوري
Related


