سوريا تُدار بعقلية جبهة النصرة وليست بعقلية الدولة
عنب بلدي -

عبد القادر العبيد

يبدو أن السلطة الجديدة في سوريا لم تنجح بعد في الانتقال من عقلية الفصيل إلى عقلية الدولة. هذه الإشكالية ليست تفصيلًا إداريًا، بل مسألة بنيوية تمس جوهر بناء الدولة ومستقبلها. فالدولة لا تُدار بعلاقات الولاء، ولا تُبنى بعقلية الغلبة، بل تقوم على القانون، والمؤسسات، والكفاءة.

في الأيام الأولى لما سُمّي بتحرير سوريا، صرّح الرئيس الشرع بوضوح أن المرحلة القادمة يجب أن تكون مرحلة دولة لا مرحلة ثورة. هذا الكلام لاقى ترحيبًا واسعًا. لكن المفارقة أن كثيرًا من السوريين باتوا اليوم يحنّون إلى عقلية الثورة الأولى، لا لأنها كانت مثالية، بل لأنها رفعت شعارًا جامعًا. شعار يقول إن الشعب السوري واحد، وإن الانتماء للوطن يسبق أي انتماء آخر.

ما يجري اليوم على الأرض يناقض هذا الخطاب. التعيينات في مؤسسات الدولة تعكس إصرارًا واضحًا على إدارة البلاد بعقلية الفصيل. معظم الوزارات يقودها أشخاص محسوبون على فصيل واحد بعينه. وجود عدد محدود من وزراء من طوائف أخرى لم يغيّر الصورة. بل بدا وكأنه محاولة تجميل شكلية لا أكثر.

الأخطر من ذلك أن بعض هذه الوزارات لم تُترك لإدارتها القانونية الطبيعية. تم إدخال ما يسمى بالمكتب السياسي داخلها. هذا المكتب يقوده شيخ تابع لهيئة تحرير الشام. هو من يقرر. الوزير يصبح واجهة. القرار لا يصدر عن المؤسسة، بل عن الفصيل. هنا تنتفي فكرة الدولة من أساسها.

لم يتوقف الأمر عند الوزارات. المدراء العامون. المدراء الفرعيون. النقابات. مسؤولو العلاقات العامة. أغلبهم يتبعون للفصيل نفسه. كثير منهم لا يملكون أي مؤهلات علمية أو خبرات إدارية. بعضهم لم يعمل يومًا في إدارة عامة. معيار الاختيار لم يكن الكفاءة، بل الولاء.

الأكثر صدمة أن أحد الوزراء الحاليين لا يحمل أي مؤهل علمي. تاريخه الوحيد أنه كان عضوًا سابقًا في جبهة النصرة. في أي دولة محترمة، المنصب العام مسؤولية. يحتاج إلى علم وخبرة. في سوريا الجديدة، يبدو أن الانتماء التنظيمي يكفي.

وزارة الخارجية مثال صارخ على ذلك. هذه الوزارة تمثل الدولة في الخارج. يفترض أن تكون الأكثر مهنية. لكن التعيينات الأخيرة كشفت حجم المحسوبية. تعيين مندوب سوريا الدائم بصفة سفير مفوض فوق العادة أثار تساؤلات واسعة. هذا اللقب في الأعراف الدبلوماسية لا يُمنح إلا بعد مسيرة طويلة. غالبًا بعد أكثر من عشرين عامًا من العمل الدبلوماسي. هنا مُنح دون هذا المسار.

لم تتوقف التعيينات المثيرة للجدل عند هذا الحد. شملت وزارة الخارجية أبناء وأقارب شخصيات نافذة. ابن وزير الأوقاف. أخ أحد مشايخ جبهة النصرة. شخص ثالث مزكّى من شيخ آخر. لا مسابقة. لا معايير واضحة. فقط توصيات.

حتى المشاركات الدولية لم تسلم من هذا النهج. تم إرسال وفد لحضور مؤتمر علمي متخصص في التكنولوجيا. الوفد ضم شيخين من الإخوان المسلمين. شخصًا من جبهة النصرة. وطبيب أشعة محسوب على السلطة الجديدة. لا أحد منهم مختص بالتكنولوجيا. الرسالة كانت واضحة. التمثيل لا يقوم على الاختصاص، بل على الانتماء.

عندما يُنتقد هذا المسار، تكون التهمة جاهزة. أنت تنتقد لأنك تريد منصبًا. هذا منطق خطير. النقد ليس طمعًا بالسلطة. النقد في الدول السليمة واجب وطني. كثير من السوريين لا يريدون مناصب. يريدون وطنًا. وطنًا يُدار بالقانون. لا بعقلية الفصيل.

المناصب العامة ليست غنائم. هي أدوات إدارة. عندما توضع في أيدي غير الأكفاء، تتحول إلى أدوات هدم. الدولة لا تخسر فقط كفاءتها. تخسر ثقة الناس. تخسر صورتها. تخسر مستقبلها. وهذا هو الأخطر.

التاريخ مليء بالأمثلة. دول كثيرة لم تسقط بسبب الحروب فقط. سقطت بسبب سوء الإدارة. بسبب تفضيل الولاء على الكفاءة. بسبب إقصاء العقول. عندما تُدار الوزارات بعقلية تنظيم، تتحول الدولة إلى هيكل فارغ.

الدولة الحديثة تقوم على مبدأ الجدارة. الشخص المناسب في المكان المناسب. هذا ليس شعارًا أخلاقيًا. هذا شرط بقاء. عندما يُقصى الأكفاء، يهاجرون أو يصمتون. وعندما يُمكّن غير المؤهلين، تتراكم الأخطاء. ومع الوقت، يصبح إصلاحها مستحيلًا.

المشكلة اليوم ليست في شخص أو اسم. المشكلة في النهج. في الإصرار على إعادة إنتاج تجربة الفصيل داخل الدولة. هذا النهج إن استمر، سيقود إلى نتيجة واحدة. خسارة الوطن. لا دفعة واحدة، بل تدريجيًا.

كثير من السوريين مستعدون للتنازل عن المناصب. عن المواقع. عن المكاسب الشخصية. مقابل وطن حقيقي. وطن تحكمه القوانين. وطن تكون فيه الوظيفة العامة خدمة لا امتيازًا. وطن لا يُسأل فيه المرء عن انتمائه، بل عن كفاءته.

لهذا يعلو هذا الصوت اليوم. خذوا المناصب وأعطونا وطنًا. لأن الوطن إذا ضاع، لن يبقى منصب. ولن يبقى فصيل. ولن يبقى شيء.

Related

اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا

إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى



إقرأ المزيد