عنب بلدي - 2/7/2026 4:18:10 PM - GMT (+2 )
رفضت رابطة الصحفيين السوريين “مدونة سلوك”، التي ستطلقها وزارة الإعلام السورية منتصف شباط الحالي، متحدثة عن بطلان الوصاية الحكومية في ظل الإعلان الدستوري.
وشرحت أنها تابعت بقلق إعلان وزارة الإعلام حول نيتها إطلاق ما سمّته “مدونة سلوك مهني” في 15 من شباط الحالي، موضحة أنها تنطلق من مسؤوليتها في حماية مكتسبات العمل النقابي، وصون حرية الصحافة في المرحلة الانتقالية.
وزارة الإعلام ردت على هذا الرفض بأنها تمد يدها للجميع دون استثناء، للتشاركية في وضع أسس ومعايير ناظمة لتطوير البيئة الاعلامية الحالية، بما يضمن الإعلام الحر، المهني، والمسؤول.
وبررت الرابطة في بيان نشرته فجر اليوم، السبت 7 من شباط، رفضها الذي وصفته بـ “القاطع” لهذا التوجه، لعدة محددات وطنية ونقابية وقانونية، لخصتها حسب الآتي:
أولًا: مخالفة روح ونص الإعلان الدستوري للمرحلة الانتقاليةإن الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس السوري أحمد الشرع يمثل الإطار الناظم للحقوق والحريات العامة، ويؤكد في مبادئه العامة على حرية الرأي والتعبير، كما تضمن الدولة بموجبه عمل الجمعيات والنقابات.
وانطلاقًا من الإعلان ومقاصده، فإن محاولة وزارة الإعلام فرض “مدونة سلوك” من طرف السلطة التنفيذية تُعد التفافًا على المسار الدستوري الجديد، وإعادة إنتاج لصيغ الوصاية التي تتناقض مع تطلعات السوريين إلى إعلام حر ومسؤول، ومع جوهر الانتقال السياسي القائم على توسيع المجال العام لا ضبطه إداريًا، بحسب تعبيرها.
ثانيًا: حدود الدور التنفيذي وضرورة احترام التنظيم النقابيإن جوهر التحول الديمقراطي في سوريا يقتضي الفصل الواضح بين الدور التنفيذي للسلطة الحكومية، وبين الدور المهني للنقابات المستقلة.
وتؤكد رابطة الصحفيين السوريين أن وضع المعايير المهنية والأخلاقية للعمل الصحفي هو شأن نقابي بحت، يضطلع بهما الجسمان الممثلان للصحفيين، وهما رابطة الصحفيين السوريين واتحاد الصحفيين السوريين، باعتبارهما إطارين مهنيين يعبران عن إرادة الجماعة الصحفية.
ولذلك فإن تدخل وزارة الإعلام في هذا المجال يقوض مبدأ التنظيم الذاتي للمهنة، ويفتح الباب أمام تسييس المعايير الأخلاقية واستخدامها كأداة ضبط إداري.
ثالثًا: الالتزام بالمعايير المهنية المعترف بهاإن الرابطة، في عملها النقابي، تستند إلى المعايير المعتمدة من الاتحاد الدولي للصحفيين، باعتبارها مرجعية مهنية مستقلة قائمة على حماية حرية الصحافة والمسؤولية الأخلاقية معاً.
لذا فإن أي مدونة تصدر عن جهة تنفيذية، مهما كانت صياغتها، تُفقد المهنة حقها في التنظيم الذاتي، بحسب وصفها، مضيفة “وتحوّل الأخلاقيات الصحفية من التزام مهني طوعي إلى أداة رقابية مقنّعة، وهو ما يتعارض مع جوهر الإعلام الحر ويناقض التزامات الدولة بالمواثيق الدولية لحقوق الإنسان”.
رابعًا: انتهاك الالتزامات الدولية المضمّنة في الإعلان الدستوريتنص المادة (12) من الإعلان الدستوري على أن جميع الحقوق والحريات المنصوص عليها في المعاهدات والمواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي صادقت عليها الجمهورية العربية السورية تعد جزءاً لا يتجزأ من هذا الإعلان الدستوري”).
وبناءً عليه، فإن الدولة السورية مُلزمة باحترام الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها، ولا سيما اتفاقيتي منظمة العمل الدولية رقم 87 الخاصة بالحرية النقابية، ورقم 98 الخاصة بحق التنظيم والمفاوضة الجماعية، واللتين تحظران بشكل واضح تدخل السلطات في شؤون المنظمات المهنية.
وعليه، فإن “مدونة السلوك” المطروحة من وزارة الإعلام تمثل خرقاً لهذه الالتزامات، ومحاولة لشرعنة التدخل التنفيذي في عمل مهني مستقل وشرعنة الرقابة بصبغة أخلاقية.
خامسًا: التحذير من الارتداد عن مكتسبات الحرياتتحذر رابطة الصحفيين السوريين من خطورة تحويل وزارة الإعلام إلى جهة تضطلع بدور “الرقيب الأخلاقي” على الصحفيين ما سيؤدي عملياً إلى إعادة إنتاج منظومة الرقابة، ويقوّض إمكانية بناء إعلام استقصائي حر، قادر على مراقبة أداء السلطة التنفيذية نفسها. إن أي مدونة مهما كانت صياغتها، لا تنبثق من النقابات المستقلة، تظل فاقدة للشرعية المهنية، مهما كانت عناوينها أو نواياها المعلنة.
سادسًا: المسار البديل والمسؤولترى الرابطة أنها تعمل فعليًا وبشكل مشترك مع “اتحاد الصحفيين السوريين”، وبتنسيق مع “الاتحاد الدولي للصحفيين”، على وضع خارطة طريق شاملة لأولويات تنظيم قطاع الإعلام في سوريا، تشمل الإطار القانوني، والتنظيم النقابي، والمعايير المهنية والأخلاقية، بما ينسجم مع متطلبات المرحلة الانتقالية وبناء إعلام حر ومستقل.
وفي هذا الإطار، ترحب الرابطة بالشراكة الكاملة مع اتحاد الصحفيين السوريين لإعداد وإعلان مدونة سلوك وميثاق شرف للصحفيين السوريين، على أن تكون مستمدة من ميثاق الشرف المعتمد من قبل الاتحاد الدولي للصحفيين، وعبر آليات ديمقراطية تعبر عن إرادة الصحفيين أنفسهم.
سابعًا: الدعوة إلى التعاون في مكافحة خطاب الكراهيةأكدت الرابطة استعدادها للتعاون مع وزارة الإعلام، ومع اتحاد الصحفيين السوريين، في إعداد مسودة قانون وطني لمكافحة خطاب الكراهية، يستند إلى المعايير الدولية لحقوق الإنسان، ويوازن بين حماية السلم الأهلي وضمان حرية التعبير، على أن يتم ذلك عبر مسار تشاركي تشريعي، لا من خلال أدوات تنظيمية تنفيذية مفروضة على الصحفيين.
وبالختام، دعت رابطة الصحفيين السوريين وزارة الإعلام إلى الالتزام بحدود دورها التنفيذي واللوجستي، والكف عن التدخل في الشؤون المهنية والنقابية، واحترام استقلال الجسم الصحفي، بوصفه أحد أعمدة التحول الديمقراطي في سوريا الجديدة.
وزارة الإعلام تردبدوره، ردّ المدير العام للشؤون الصحفية في وزارة الإعلام السورية، عمر حاج أحمد، على البيان موضحًا أن وزارة الإعلام مدت وتمد يدها للجميع دون استثناء، للتشاركية في وضع أسس ومعايير ناظمة لتطوير البيئة الاعلامية الحالية، بما يضمن الإعلام الحر، المهني، والمسؤول.
وشرح عبر صفحته في منصة “فيسبوك“، أن بيان الرابطة ورد فيه عدة أخطاء، وهي:
- ذكر البيان أن مدونات السلوك هي عمل النقابات فقط، ولكن هذا غير صحيح، حسب أغلب التجارب الدولية المتطورة بمدونات السلوك، فصياغة المدونات المهنية لها عدة مدارس، ومنها متخصص بالنقابات ومنها المؤسسات الاعلامية، وغيرها، والوزارة ذهبت للتشاركية مع الجميع دون أي وصاية أو فرض.
- في سوريا توجد أكثر من خمسة أجسام نقابية او تنظيمية للعمل الاعلامي، وليس فقط جسمين كما هو مذكور، ومع ذلك لم نشهد مقترح لصياغة مدونة سلوك من تلك الأجسام طيلة عامٍ كامل من التحرير، والمشهد الاعلامي في سوريا لا يحتمل التأخير أو التواني أو انتظار مشاريع “الدونر”.
- شارك في صياغة المدونة قرابة ألف صحفي دون أي تدخل ولو بكلمة من وزارة الإعلام، وهذا العدد يُعادل أربعة أضعاف أعضاء الرابطة، وجميعهم من المستقلين او مدراء المؤسسات الاعلامية وأعضاء في الأجسام النقابية، وبعضهم من ادارات الرابطة الحالية او السابقات.
- وزارة الإعلام لم تتدخّل بصياغة المدونة، وإنما كانت الضامنة لتنفيذ الورشات بالشكل المطلوب ودون تدخّل وصائي أو اجرائي، وكل مَن شارك وحضر يؤكد على ذلك.
- لجنة الإشراف على صياغة المدونة، ضمت شخصيات سورية، هم “الأكثر معرفة ودراية” بمدونات السلوك المهنية العالمية، ولبعضهم باع طويل بمواثيق ومدونات عالمية ذات سمعة عالية.
- لأول مرة يحصل تشاركية سورية عالية في وضع ميثاق جامع، وذلك عبر وصول ورشات المدونة لكل الجغرافيا السورية، إضافة لأخذ المقترحات عبر منصات السوشيال ميديا.
- الحريات الإعلامية مُصانة ولن نسمح باختراقها تحت أي غطاء، والمعايير الأخلاقية والمهنية الصحفية ثابتة ولن يتم اجتزائها، ولذلك نتج بعد المشاورات مدونة سلوك وميثاق شرف حامٍ للحقوق والحريات، وضامن لتنفيذ تلك المعايير والواجبات.
وقد بدأت في 14 من أيلول 2025، ورشات مناقشة مدونة السلوك الخاصة بالصحفيين السوريين، لوضع ضوابط للممارسة الإعلامية، ومحاربة خطاب الكراهية السائد على وسائل التواصل الاجتماعي، في سوريا.
وضمت الورشة، التي شاركت فيها عنب بلدي، عددًا من وسائل الإعلام الرسمية والخاصة، ومؤسسات صحفية مستقلة، وصحفيين سوريين ممثلين لوسائل إعلام عربية وعالمية.
وتألفت لجنة إعداد مدونة السلوك من 12 عضوًا، من بينهم عضوان من وزارة الإعلام، ويرأس اللجنة الصحفي السوري علي عيد.
وشارك أيضًا في مناقشة المدونة، مدير الشؤون الصحفية في وزارة الإعلام، عمر الحاج أحمد، ورئيس قسم الإذاعة والتلفزيون في كلية الإعلام بجامعة “دمشق”، عربي المصري، ومدير الحريات في “رابطة الصحفيين السوريين”، محمد صطوف، ورئيس “اتحاد الصحفيين السوريين”، محمود الشحود.
رئيس لجنة إعداد مدونة السلوك، علي عيد، قال حينها إن المدونة ستنقسم إلى قسمين، الأول، سيكون “وثيقة شرف”، أما الثاني فسيكون مدونة سلوكية تشرح الممارسات المهنية والأخلاقية التي يجب أن يتحلى بها الصحفي السوري.
وأضاف عيد أنه على المستوى الوطني، لم يحدث قبل أن اجتمع صحفيون سوريون لإعداد مدونتهم الخاصة، مشيرًا إلى أن نقاشات المسودة ستكون في المحافظات السورية كافة، بإشراك جميع الصحفيين السوريين، في مسعى يتجاوز الاعتبارات السياسية.
عيد أكد أن صياغة المدونة يشارك فيها نحو 500 صحفي وصاحب مصلحة، وسيكون أمر المشاركة وإبداء الرأي متاحًا أمام بقية الصحفيين والإعلاميين و”المؤثرين”.
وفي هذا الصدد، تلعب وزارة الإعلام دور “تسهيل المهمة فقط”، دون تدخل في التفاصيل، معتبرًا أنه إذا ما قررت الوزارة، أو الهيئة التشريعية المزمع تشكيلها (مجلس الشعب)، الاعتماد على أي وثيقة سيكتبها المشاركون كأساس لتنظيم القطاع، فتلك مسألة مختلفة.
Related
إقرأ المزيد


