حين نزع السلاح وسلم الخابور: الساعات التي سبقت ذ.بح القرى الآشورية
زمان الوصل -
لم يدخل تنظيم "داعش" قرى الخابور الآشورية في شباط 2015 من فراغ، ولم يكن اجتياحه السريع وليد قوة مفاجئة أو اختراق عسكري معقد، بل جاء بعد سلسلة خطوات محسوبة جردت الأهالي من أي قدرة على الدفاع عن أنفسهم، ووضعتهم في مواجهة مصيرهم عزلاً، مجتمعين، ومنسيين. 
في صباح اليوم نفسه الذي دخلت فيه "داعش"، جمع المدنيون الآشوريون من قرى الخابور في ساحة بلدة تل تمر، لا بوصفهم مقاتلين بل كأهال خائفين أُمروا بالامتثال. هناك، وبحسب شهادة كنسية موثقة محفوظة لدى أحد مطارنة المنطقة، أُجبر الأهالي على تسليم أي سلاح فردي كان بحوزتهم، وهو سلاح لم يكن جزءا من تشكيل عسكري ولا مشروع تمرّد، بل اقتنته مجموعة محدودة من الشبان لحماية القرى وتأمين انسحاب النساء والأطفال إذا لزم الأمر. وجود هذا السلاح لم يكن مقبولا، لأن وجود أي قوة محلية مستقلة لم يكن مرغوباً به أصلاً.
قيل للأهالي يومها إن الخطر قادم، وإن "داعش" على الأبواب، وإن قوات الحماية ستتولى الدفاع عنهم، وطلب منهم الانتظار مجتمعين بلا سلاح وبلا حركة. انتظروا ساعات طويلة، فيما كانت القوات التي وعدت بالحماية تنسحب تدريجياً من محيط القرى، وتبتعد دون اشتباك ودون تمركز دفاعي، تاركة الساحة مكشوفة. لم تُطلق رصاصة واحدة باتجاه التنظيم، لا في تل تمر ولا على مداخل القرى، رغم أن وحدات الحماية الكردية كانت مدجّجة بالسلاح وموجودة في المنطقة منذ أشهر. وفي الوقت نفسه، كانت قوات الجيش السوريرالتابعة للأسد، متمركزة في جبل عبد العزيز، المشرف مباشرة على قرى الخابور وجنوب الرد، ترى وتراقب دون أن تتحرك.
بعد هذا الانتظار القاتل، دخل تنظيم "داعش" قرى الخابور خلال ساعات قليلة، دخولاً سريعاً ومنظماً، ليجد الأهالي مجتمعين بلا سلاح وبلا حماية وبلا أي مقاومة تذكر. هكذا، وكما وصفت الشهادة الكنسية، سِيق المدنيون كقطيع غنم، رهائن في وضح النهار، فيما اكتفى الجميع بالمشاهدة. لم يكن ما جرى مجرد فشل أمني، بل تجريدا مسبقاً من القدرة على الدفاع، أعقبه انسحاب وصمت، ثم تسليم فعلي للقرى وأهلها.
لم تتوقف الصورة عند الخابور وحده. جنوب الرد، الامتداد الجغرافي والبشري للمنطقة، حيث تقطن قرى عربية كانت جزءًا من النسيج ذاته، شهد لاحقاً عمليات قتل وتهجير وتجريف بيوت وحرق قرى، فيما بقيت القوات المتمركزة في جبل عبد العزيز على حالها، تراقب المشهد من الأعلى. هذا التزامن بين نزع السلاح، وجمع المدنيين، والانسحاب، والدخول السريع لـ"داعش"، والصمت العسكري من أكثر من طرف، لا يمكن عزله عن ما تلاه لاحقاً من تصفية للقرار الآشوري المستقل وفرض السيطرة بالقوة.
ذلك اليوم لم يكن حادثة عابرة في حرب فوضوية، بل لحظة مفصلية فتحت الباب لمسار طويل من الانتهاكات. بعده بأسابيع، اغتيل داود جندو، قائد قوات الدفاع في القرى الآشورية، لأنه رفض إخضاع قوة محلية مستقلة لأي أجندة حزبية، ونجا رفيقه إلياس ناصر ليكسر رواية "داعش" ويشير بوضوح إلى الجهة التي استدرجتهم وأطلقت النار عليهم. ومنذ ذلك التاريخ، تحولت القرى الآشورية على طول الخابور إلى نقاط تماس وجيوب محاصرة، واستخدم الخوف مجدداً ومجدداً كورقة دعاية، فيما كان الواقع يقول إن من وعدوا بالحماية تركوا وحدهم في اللحظة الأخطر.
هذا النص لا يصدر حكماً قضائياً، لكنه يضع الوقائع كما تتابعت زمنياً، ويطرح السؤال الذي لم يجب عنه حتى اليوم: من قرر أن ينزع السلاح من أيدي الأهالي في الساعات التي كانت داع. ش فيها على الأبواب؟ ومن انسحب وتركهم ينتظرون؟ ولماذا فتحت القرى خلال ساعات بلا مقاومة؟ ما جرى في الخابور لم يكن مجرد اجتياح، بل تسليم سبقته إجراءات، وما زالت آثاره مستمرة حتى الآن.
ريم الناصر - زمان الوصل


إقرأ المزيد