عنب بلدي - 2/8/2026 12:49:08 PM - GMT (+2 )
عنب بلدي – شعبان شاميه
انطلق، في 6 من شباط الحالي، معرض دمشق الدولي للكتاب، في دورته الأولى بعد التحرير، التي تستمر لمدة عشرة أيام، محتفيًا بمشاركة أكثر من 500 دار للنشر، تقدم ما يزيد على 100 ألف عنوان، من 35 دولة عربية وأجنبية، ليجسّد فلسفة ثقافية ترى في الكتاب والأبجدية والذاكرة الحضارية أساسًا لبناء الحاضر وصناعة المستقبل.
تقول وزارة الثقافة السورية، إنها تسعى إلى أن يكون معرض دمشق الدولي للكتاب بدورته الحالية “حدثًا ثقافيًا يرسخ دور سوريا في صناعة المعرفة ويؤكد حضورها الفاعل على المستويَين العربي والدولي، إضافة إلى قيامه على رؤية موجهة نحو تنوع الثقافة السورية”.
منذ بدء الحديث عن إعادة إحياء المعرض ومعنى أن تكون هذه الدورة هي الأولى بعد التحرير، يؤكد القائمون عليه أن هذا الموسم سيعكس وجهًا مختلفًا تمامًا عما سبق، لا حظر، ولا رقابة مسبقة، ولا قوائم موافقات، بحسب قولهم، إذ إن كل دار نشر تستطيع عرض ما تشاء من عناوين، بلا خوف، وبلا تضييق، الأمر الذي لا يزال من المبكر التماس واقعيته على الأرض من آراء الزوار.
ويرى السوريون في المعرض حدثًا ثقافيًا يتحول معه الكتاب إلى جسر حقيقي يصل الماضي بالحاضر ويبني الغد.
انتهاء حقبة “الفيتو” على الكتابالصحفي السوري جعفر مشهدية، يرى، في حديث إلى عنب بلدي، أن معرض دمشق الدولي للكتاب فرصة للتعرف إلى البلدان المشاركة ونتاجها الحضاري من خلال مؤلفات كتّابها، خاصة أن المعروض يكون عادة بسعر في متناول القارئ.
ويؤكد مشهدية أن النقطة السيئة، سابقًا، كانت في الرقابة المشددة التي تمنع أي كتاب لا يتفق مع سياسة الحزب الحاكم، سواء كان الكاتب يهاجم الحكم أو يختلف معه في بعض النقاط، ذلك يعني أن الكتاب لن يوجد لا في المعرض ولا حتى في سوريا.
ويأمل مشهدية أن تكون الدورة الحالية مختلفة عن سابقاتها لجهة دور الطباعة والدول المشاركة، وألا يكون هناك “فيتو” على أي نتاج مكتوب سواء كان يتفق مع الحكم الحالي أو لا.
وقال إن الإبداع لا يمكن أن يؤطّر برقابة، وإذا كانت الرقابة انتقائية كما كان يحدث زمن النظام السابق فهذا يعني أننا نسير على ذات منهجه، مشددًا على أن من يمنع كتابًا يمنع كل شيء.
وأضاف الصحفي أن هناك صورًا انتشرت عبر مواقع التواصل لكتب مشاركة في المعرض أثارت مخاوف معظم السوريين وليس المثقفين فقط، لأنها تتعلّق بأفكار متطرفة، معتبرًا أنه إذا صح ما تم نشره فلن يكون معرض دمشق للكتاب، بل سيكون معرض أي شيء غير دمشق، فهذه المدينة لا تقبل التطرف ولا تُكنّى به أو ترضى أن يُكنّى بها.
وبحسب الصحفي، يجب على القائمين التركيز على إفساح المجال للكتب التنويرية والنقدية والتاريخية، سواء تلك التي تتفق مع الحكم الحالي أو لا، موضحًا أن في ذلك تأكيدًا على مساحة الحريات الكبيرة الموعودين بها، واختبارًا حقيقيًا للتعامل مع الثقافة والفن والإبداع.
كما يجب أن يركّز القائمون على أسعار الكتب، وفق مشهدية، إذ من الضروري جعلها بالمتناول خصوصًا في الأجنحة السورية.
وختم مشهدية حديثه لعنب بلدي متسائلًا، “هل سيكرر الحكم الحالي تجربة (البعث) أم سيخلق تجربته الخاصة سلبًا أو إيجابًا؟ هذا ما سنعرفه خلال أيام المعرض”.
دمشق “عاصمة الثقافة العربية”يرى الأكاديمي والشاعر السوري الدكتور محمد زكريا الحمد، في حديث إلى عنب بلدي، أن معرض دمشق الدولي للكتاب خطوة كبيرة نحو استعادة دمشق دورها بوصفها عاصمة ثقافية عربية، لكنه يحتاج إلى دعم مستمر ليصبح منصة حرة لبناء مستقبل سوريا المعرفي ورسم معالم وجهها الثقافي.
بحسب الحمد، ينتظر أدباء وكتّاب سوريا من المعرض في دورته الأولى بعد التغيير استعادة الفضاء الثقافي الحر، مع انفتاح أكبر على حرية التعبير والنشر بعيدًا عن الرقابة السابقة التي كانت خانقة.
كما أن الكتّاب بانتظار عودة دور النشر السورية من المنفى لتلتقي بالقارئ مباشرة، مع مشاركة دولية واسعة، وضيافة شرف للسعودية وقطر، ومبادرات داعمة مثل “كتابي الأول” و”زمالة دمشق” للترجمة و”مسار ناشئ” للمواهب الشابة، مع برنامج غني يتجاوز 650 فعالية ثقافية، تابع الحمد.
من الإيجابيات التي تبهج الرائي، وفق الحمد، الإقبال الجماهيري منذ اليوم الأول، والحضور الرسمي رفيع المستوى، وشعار “تاريخ نكتبه.. تاريخ نقرؤه” الذي يعكس إرادة إعادة صياغة الرواية السورية بحرية، والتركيز على النهضة الثقافية وبناء الوعي الجمعي.
ولفت الأكاديمي والشاعر السوري إلى أن التحديات الأولية تشمل بعض الحوادث كحظر كتاب معيّن أو حساسية الوقت بسبب التزامن مع شهر رمضان، إضافة إلى الحاجة لتثبيت آليات النشر الحر دون رقابة جديدة.
تحرير جديدمن جهته، قال مدير النشر والتحرير في دار “موزاييك” المشاركة في معرض دمشق الدولي للكتاب بدورته الحالية، الشاعر حسن قنطار، لعنب بلدي، إن المعرض يمثّل نقطة فاصلة في أذهان كثير من الأدباء والكتّاب والمفكرين، واصفًا إياه بالتحرير الثاني لسوريا بعد تحريرها الأول في 8 من كانون الأول 2024، على حد تعبيره.
أجنحة وفعاليات تعكس غنى الثقافة السوريةيتكون المعرض من أجنحة متعددة، تشمل الفعاليات الثقافية، ودور النشر الموجهة للكبار، وأجنحة للوزارات والهيئات الرسمية، إضافة إلى جناح كامل مخصص للطفل، إذ صُمم الأخير ليكون عالمًا قائمًا بذاته، ومغريًا بصريًا.
ويشكّل معرض دمشق الدولي للكتاب محاولة طموحة لنسج خريطة ثقافية جديدة تجمع بين براءة الطفولة وعمق التراث، بين اللحظة التفاعلية والذاكرة الجماعية، ففي أجنحة مخصصة للأطفال، تتحول القراءة إلى مغامرة حسية تختلط فيها الألوان بالألعاب والتجارب العلمية البسيطة.
تجارب “حية” ومبادرات فرديةتعود شخصيات تاريخية وأدبية، من المتنبي إلى الجاحظ، إلى الحياة عبر تقنية “الهولوغرام” في مشهد غير مسبوق محليًا، ليكون المعرض مساحة مفتوحة تُبنى على الكتب، وعلى التجربة الحية التي تربط جيلًا ناشئًا بموروثه، وتؤسس لثقافة تكون فيها المعرفة متعة، والتراث حوارًا مستمرًا بين الماضي والمستقبل.
أبرز ما ميز التحضيرات لهذا الموسم هو حجم المبادرات الفردية التطوعية التي شاركت في الاستعداد للمعرض، أي أن إقبال الناس وحبهم للمساهمة كان دافعًا لبذل أقصى الطاقات، ومؤشرًا على أن الثقافة ما زالت قادرة على جمع السوريين حولها.
بين “إيبلا” و”أوغاريت”يجسد الشعار البصري لمعرض دمشق الدولي للكتاب في دورته “الاستثنائية” هوية سوريا الثقافية العميقة، ويختصر رحلة حضارية تمتد لآلاف السنين، من ابتكار الأبجدية الأولى في “أوغاريت” وصولًا إلى الحاضر الثقافي المعاصر لسوريا الجديدة.
صُمّم الشعار ليحمل دلالات رمزية تعبّر عن دمشق وسوريا معًا، عبر أربعة كتب متراكبة شاقوليًا، يتضمن كل واحد منها مكتبة قديمة مليئة بالكتب، في إشارة مباشرة إلى العلاقة العضوية بين المكان والمعرفة، باعتبار أن الكتاب ليس عنصرًا بصريًا فحسب، بل جوهر الهوية الثقافية السورية.
ويتضمّن الشعار البصري أربعة أحرف قديمة تشكّلت من الكتب والمكتبات، لترمز إلى حضارة “أوغاريت” التاريخية، والمستوحاة من أقدم أبجدية مكتشفة في العالم، التي تعود إلى القرن الـ14 قبل الميلاد، وعُثر عليها في “رأس شمرا” على الساحل السوري.
واعتماد هذه الأحرف القديمة يحمل رسالة مفادها أن السوريين هم صُنّاع الأبجدية والكتاب، وأن هذا الإرث المعرفي جزء أصيل من تاريخهم وهويتهم، في استحضار مباشر لمعنى شعار المعرض: “تاريخ نكتبه.. تاريخ نقرؤه”.
كما يستحضر الشعار أيضًا رمزية أقدم مكتبة معروفة في العالم، وهي مكتبة “إيبلا” التي تعود إلى نحو 2400 قبل الميلاد، والتي تضم آلاف الألواح الطينية التي لم تُترجم بعد، وكانت مكتبة حقيقية شكّلت مصدرًا أساسيًا لمعرفة تاريخ المنطقة في مختلف المجالات.
Related
إقرأ المزيد


