عنب بلدي - 2/8/2026 12:49:09 PM - GMT (+2 )
عنب بلدي – موفق الخوجة
وسط جمود يحيط بملف محافظة السويداء، جنوبي سوريا، يحاول أكاديميون وناشطون داخل المدينة تحريك المياه الراكدة منذ أشهر، والوصول إلى حل ينهي الأزمة القائمة منذ أشهر، ويغلق باب القطيعة بين الدولة والمجتمع، واضعًا أسسًا وضوابط لطرفي الصراع، ببنود يرونها وسطية وتناسب أهالي المدينة والحكومة على حد سواء.
بالمقابل، فإن مراقبين، داخل السويداء وخارجها، يشككون بقدرة أصحاب هذه المبادرات على إيجاد حلول فعلية، وسط سقف عالٍ من الخطاب المطروح، وانعدام الثقة داخل المحافظة، بعد أحداث تموز، وما رافقها من انتهاكات متبادلة، إضافة إلى خلو الطرح من جود ضامن حقيقي على الأرض، سوى التوصيات والبيانات والخطط، دون القدرة على التنفيذ على أرض الواقع.
“التيار الثالث”أحدث هذه المبادرات، حتى لحظة تحرير التقرير، هي مبادرة “التيار الثالث” التي ضمت أكاديميين ومثقفين من مدينة السويداء، أنشؤوا ما أسموه “هيئة الإنقاذ المدني في السويداء”، وهي هيئة مدنية تنبثق من المجتمع وتعمل لأجله، وفق تعبيرهم.
الموقعون على المبادرة، والبالغ عددهم 21 شخصًا، أصدروا بيانًا في مطلع شباط الحالي، وقالوا فيه إن “التيار” فرضه واقع الاستعصاء في محافظة السويداء، وهذا ما أدى إلى رفع صوتهم بـ”جرأة وشفافية”، انطلاقًا من مسؤوليتهم الأخلاقية والتاريخية تجاه حماية المجتمع وضمان استقراره وكرامته وأمانه.
ما أهداف المبادرة؟حدد “التيار الثالث” سبعة أهداف رئيسة لـ”هيئة الإنقاذ المدني” هي:
- إدانة المجازر والمطالبة بالمحاسبة وجبر الضرر.
- تحميل السلطة مسؤولية أحداث تموز الدامية.
- السويداء جزء لا يتجزأ من سوريا الموحدة، واعتماد اللامركزية الإدارية التوافقية.
- عودة الأهالي إلى قراهم، والإفراج عن المختطفين، وتعويض المتضررين.
- حماية الطلاب وضمان الحق في التعليم.
- تحييد السويداء عن المحاور الإقليمية وضمان العيش الكريم.
- الحوار والتعاون المدني أساس العمل المجتمعي.
أحد مؤسسي “التيار الثالث” والمقيم في السويداء، قال لعنب بلدي، إن هناك نسبة جيدة من الرضا والدعم من حيث منطقية الطرح، باعتبار أنهم يطرحون فكرة “الوسطية”، وعدم الوقوف مع جهة ضد أخرى.
وفي ذات الوقت، شدد على اعتراف الحكومة بالمجازر، وجبر الضرر، وإطلاق سراح المخطوفين، والنظر إلى مستقبل الطلاب، وغيرها من المطالب المحقة.
طرحنا المبادرة لنفرش الطريق أمام من يؤمن بأن الحل لا يمكن أن يكون إلا من خلال التفاوض وتقديم بعض التنازلات، بشرط عدم المساومة على دماء الشهداء وحرية المختطفين وتعويض وعودة المهجرين. والسلطة معنية بأن تفتح أبوابًا مرنة، وتعترف بالمجازر.
أحد مؤسسي “التيار الثالث”
على الجانب الآخر، يرى الصحفي والناشط في المجتمع المدني رواد بلان، أن هؤلاء الأكاديميين والناشطين لا يمثلون نخب المجتمع الحقيقية، على المستوى السوري، إذ إن المجتمع السوري، بمختلف مكوناته، منقاد خلف نخب تمتلك القوة على الأرض، وفق تعبيره.
وبالتالي، السويداء هي جزء من المنظومة، والقرار فيها ليس بيدهم، وخاصة أن هناك “فصامًا بينهم وبين المجتمع”، بحسب وصفه، ولا يملكون الحاضنة، لأنهم لا يشكلون ضامنًا لما يطرحونه، معتبرًا أنه “لا يوجد شريك صادق في السلطة أو جمهورها”.
الصحفي والمحلل السياسي درويش خليفة، قال إن المبادرات التي تصدر عن ناشطات وناشطين مجتمعيين وسياسيين من أبناء السويداء في الداخل والخارج، تحمل توجّهًا لإنقاذ المحافظة من حالة الجمود، ونقلها من “غرفة العمليات” إلى مرحلة النقاهة، ثم العودة التدريجية إلى الحياة الطبيعية.
غير أن التجربة السورية خلال السنوات الماضية، أثبتت أن كل استعصاء سياسي أو مجتمعي كبير غالبًا ما يستدعي وجود “ضامن خارجي” يضمن تنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه، أو يفرض الحد الأدنى من الالتزام ببنوده، أضاف المحلل السياسي خلال حديثه إلى عنب بلدي.
وتبدو اللغة المطروحة أقرب إلى الدعوة لتكريس اللامركزية الإدارية، بما يسمح لأبناء المحافظة بإدارة شؤونهم المحلية والخدمية والأمنية ضمن إطار الدولة، وبما يفتح الباب أمام تسوية تدريجية لملف السلاح عبر دمج الفصائل المحلية أو تسليم سلاحها إلى وزارة الدفاع السورية.
في المقابل، أشار إلى أن المبادرة بصيغتها الأخيرة تفتقر إلى عناصر جوهرية تجعلها قابلة للتحول إلى مسار عملي، وفي مقدمتها: غياب آليات التنفيذ، وغياب الإطار الزمني، وغياب تصور واضح للتعامل مع السويداء باعتبارها “مجتمعًا سياسيًا” لا مجرد “مكوّن طائفي”.
واعتبر خليفة أن هذه ثغرة أساسية، مشيرًا إلى أن اختزال المحافظة ضمن مقاربة هوياتية سيعيد إنتاج الأزمة بدل حلها، ويُبقيها رهينة الخوف المتبادل والوصاية الأمنية.
هجوم على “التيار” و”الإرادة الحرة”أوضح المصدر من “التيار الثالث” المقيم في السويداء، الذي تحفظ على نشر اسمه لأسباب أمنية، أن “التيار” تلقى هجومًا مما أسماها “قوى الانفصال”، إضافة إلى تهديدات بالقتل والتحذير من ممارسة المبادرة بشكل مباشر أو غير مباشر، وأجبر بعض الموقعين على الانسحاب.
كما واجه أعضاء المبادرة حملة إعلامية شرسة، من تخوين واتهام بـ”العمالة للجولاني” (الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع) وهذا بمثابة “حكم بالإعدام”، وفق ما ذكره المصدر لعنب بلدي.
وسبق أن استُهدف أصحاب مبادرات مشابهة، كما حصل مع منظمي مؤتمر “الإرادة الحرة” في مدينة السويداء، الذي جمع ناشطين سياسيين، وهدف، بحسب ما ذكرته لجنته التحضيرية، إلى تشكيل جسم سياسي ينظم الحياة الإدارية والسياسية في المحافظة.
الهجوم وقع في 20 من كانون الثاني الماضي، واُتهمت فيه قوات “الحرس الوطني”، التابعة للرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز، حكمت الهجري، وأثار جدلًا واسعًا وسط تضارب الروايات حول هوية المهاجمين وطبيعة الانتهاكات التي رافقت الحادثة.
مصدران محليان في المدينة، أحدهما كان حاضرًا في المؤتمر، والآخر مطلع على الموضوع، أوضحا لعنب بلدي حينها، أن الهجوم طال مؤتمر “الإدارة الحرة”، من قبل أشخاص مسلحين مجهولين، بعضهم كانوا يرتدون زي “الحرس الوطني”.
وأدى الهجوم إلى تخريب الممتلكات واعتداء بالضرب على بعض الحضور، الذين بلغ عددهم نحو 70 شخصًا، بحسب المصدرين، اللذين نفيا وجود حالات اعتقال إثر الهجوم.
وكشف المصدران أن الجلسة كانت تناقش الواقع السياسي والتنظيمي في المدينة، وإمكانية فتح المفاوضات مع الحكومة السورية، مما أثار حالة من الفوضى والاستياء لدى المهاجمين، بسبب الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الحكومة السورية عند دخولها السويداء في تموز 2025.
واستدعى هذا الهجوم صدور بيان من المحافظة، المعيّنة من الحكومة السورية، وقال المحافظ، مصطفى البكور، في بيان له، إن ما وصفها بـ”العصابات الخارجة عن القانون في السويداء، تعمل على تعطيل كل الحلول فهي تخشى الاستقرار، لأنه يكشف تاريخها من النهب والارتزاق على حساب الوطن”.
واعتبر أن ما حدث في المؤتمر لم يكن حادثًا عابرًا، “بل حلقة جديدة من مسلسل القمع وكسر إرادة أهالي السويداء الأحرار”، بحسب تعبيره.
قطيعة بين الطرفينتشهد مدينة السويداء حالة من القطيعة بين الأطراف المسيطرة عسكريًا واجتماعيًا على المدينة، وبين الحكومة السورية.
الرئيس الروحي للطائفة الدرزية، الهجري، الذي يعتبر المرجعية للفعاليات العسكرية والإدارية، التي تمسك بشؤون المنطقة، يشدد في خطاباته على حكم ذاتي في المحافظة، دون تحديد طبيعته، ملوحًا بالانفصال عن الدولة السورية.
وبارك الهجري تأسيس “الحرس الوطني”، وهو جسم عسكري يضم أكثر من 30 فصيلًا محليًا، يغلب عليها البعد المذهبي، وهو المسؤول عن الملف الأمني أيضًا.
إداريًا، شكّل الهجري “اللجنة القانونية العليا” في السويداء ومهمتها إدارة الشؤون المدنية.
ثقة مفقودةالصحفي، بلان، قال إن المناخ في المدينة فاقد للثقة بشكل شبه تام، وأشار إلى البيئة لن تكون قابلة للاستماع إلى أي مبادرة بضمانات دولية إلا بمسارات محددة.
تشمل هذه المسارات: المواطنة المتساوية واحترام التنوع والمشاركة في الحكم وتشكيل مؤسسة عسكرية وطنية “تشميلية”، ودستور ضامن للتنوع والمواطنة، وصلاحيات واسعة للإدارة المحلية وحفظ أمنها، وضمان الحريات وفصل الدين عن الدولة، والاعتراف الرسمي بالمجازر والاعتذار الوطني عنها ومحاسبة مرتكبيها وانسحاب القوات الحكومية من الريف الغربي والشمالي، وعودة المهجرين وإطلاق سراح المحتجزين والمعتقلين وكشف مصير المفقودين وجبر الضرر وتخليد الذكرى.
بعد 13 شهرًا على سقوط النظام، وما رافق ذلك من تجاوزات وانتهاكات مرتبطة بهيمنة السلطة الحالية ذات التوجه الواحد على مفاصل الحكم، بات من الضروري التفكير بمبدأ المشاركة السياسية على نطاق واسع، بوصفه مدخلًا لاستعادة شيء من الثقة بين مكونات المجتمع السوري، وتثبيت الاستقرار، وتهيئة بيئة جاذبة للاستثمار، وعودة دوران عجلة الاقتصاد.
درويش خليفة
صحفي ومحلل سياسي
تعيش محافظة السويداء أزمة مركبة، بدأت ملامحها منذ بدايات سقوط النظام، حيث حاولت الإدارة الجديدة دمج الفصائل ضمن الدولة، إلا أن العملية تعرقلت بسبب عدم التوافق بين الأطراف.
وبلغت الأزمة ذروتها في تموز 2025، حين حاول الجيش السوري الدخول إلى المدينة، بدعوى فض اشتباكات اندلعت بين المكون الدرزي، الذي يشكل أغلبية المحافظة، وبين سكان من البدو.
التدخل الحكومي رافقه انتهاكات بحق سكان المدينة، من الطائفة الدرزية، ما أدى إلى اندلاع الاشتباكات بشكل واسع، وأسفر عن دخول إسرائيل على الخط، وهي التي تلوح بشكل مستمر بحماية الدروز في سوريا، بدعوى وجود صلات قرابة، وتطور الأمر فيما بعد إلى ضرب العاصمة دمشق، فضلًا عن استهداف عناصر الجيش الذين دخلوا مركز المدينة.
الضربات الإسرائيلية أدت إلى خروج قوات الحكومة السورية إلى خارج مدينة السويداء، والتمركز في الأرياف الغربية، حيث سيطرت على أكثر من 30 قرية.
بالمقابل، فإن الخروج لم ينهِ الأزمة، بل ازدادت تعقيدًا بعد ارتكاب الفصائل المحلية انتهاكات بحق السكان البدو، بدافع الانتقام، ما أدى إلى خروج “فزعات عشائرية” لنصرة عشائر السويداء البدوية، وبالتالي، استمرت الاشتباكات والانتهاكات من الجانبين.
تدويل القضيةتعقيدات المشهد في السويداء أدت إلى تدويل القضية، ودخول أطراف دولية وإقليمية، نتجت عنه “خارطة طريق لحل الأزمة في محافظة السويداء”، عبر بيان ثلاثي سوري- أمريكي- أردني، في 16 من أيلول 2025.
ونصت الخارطة على جملة من الإجراءات، منها لجنة تحقيق لدولية مستقلة، ونشر قوات شرطية مؤهلة على طريق السويداء- دمشق، وإعلان خطط لإعادة إعمار القرى والممتلكات المتضررة، وتعزيز “سردية وطنية” تقوم على الوحدة والمساواة، وتجريم خطاب الكراهية والطائفية عبر تشريعات جديدة، بدعم قانوني من واشنطن وعمّان.
من جانبه، أعرب المصدر من “التيار الثالث” عن دعمه لخارطة دمشق- عمان- واشنطن، متمنيًا أن تفعّل لقطع الطريق على إسرائيل، كي لا تستمر بتنفيذ “فتنتها القذرة”، وفق تعبيره.
لكن الصحفي والناشط المجتمعي، بلان، يرى أن مفاتيح أي مسار للحل هي بيد الرئيس الروحي للطائفة الدرزية، الهجري، ومن ثم يمكن الحديث عن “الحرس الوطني” والمجتمع المدني وغيرهما من فعاليات داعمة.
أما المحلل السياسي، خليفة، فيعتقد أن ما تحتاج إليه البلاد اليوم ليس تبادلًا للاتهامات، بل مشروع وطني جامع يعيد وصل ما انقطع بين الدولة والمجتمع، ويؤسس لعقد اجتماعي جديد يتجاوز ثنائية “الأمن والطائفة”، باتجاه دولة المواطنة والحقوق.
ويبدأ ذلك عبر الدعوة إلى مؤتمر وطني شامل، يفضي إلى توافق واسع أو إلى انتخاب لجنة لصياغة دستور جديد يراعي التنوع السوري، ويؤسس لصيغة متوازنة للسلطات المحلية في المحافظات، بالتوازي مع بناء جيش وطني احترافي مهمته حماية حدود البلاد وصون وحدة الأراضي السورية، لا إدارة المجتمع أو ضبطه بمنطق القوة، بحسب ما يراه خليفة.
Related
إقرأ المزيد


