ثلاثة أشهر لتنفيذ اتفاقية المحكومين بين سوريا ولبنان بانتظار الموقوفين
عنب بلدي -

عنب بلدي ـ ركان الخضر

بعد جولات عديدة واجتماعات شهدتها الفترة الأخيرة بين الجانبين السوري واللبناني، توصل الجانبان، في 6 من شباط الحالي، إلى توقيع اتفاقية تقضي بنقل المحكومين السوريين من السجون اللبنانية إلى سوريا.

وزير العدل السوري، مظهر الويس، اعتبر في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء السورية (سانا)، أن الاتفاقية تمثل خطوة مهمة على طريق العدالة، ولفت إلى أنها تعالج أوضاع المحكومين السوريين في لبنان.

وأكد الويس أن الاتصالات لم تتوقف بين البلدين منذ 8 من كانون الأول 2024، وجرت على أعلى المستويات، بما يعكس توفر إرادة سياسية حقيقية لمعالجة هذا الملف الحساس بأبعاده القانونية والإنسانية.

وأوضح أن ما تحقق تمثل في معالجة أوضاع عدد من المحكومين الذين أمضوا فترات طويلة في السجون، وكانت ملفاتهم من أكثر الحالات تعقيدًا من الناحية القانونية.

وأشار الويس إلى أن العمل جارٍ على إعداد خطة زمنية لمعالجة ملف الموقوفين الذين لم يشملهم الاتفاق الحالي.

ونوه في الوقت نفسه إلى وجود إرادة سياسية لدى الجانبين للمضي قدمًا، رغم استمرار بعض الملفات العالقة.

من جانبها، نقلت الوكالة اللبنانية للأنباء تصريحات لنائب رئيس الحكومة اللبنانية، طارق متري، بعد توقيع الاتفاقية، اعتبر فيها أن التوقيع جاء تتويجًا لجهد شارك فيه عدد من القضاة والخبراء من سوريا ولبنان.

ووصف التوقيع بأنه تعبير عن إرادة سياسية مشتركة، تقول إن العلاقات اللبنانية- السورية تقوم على الثقة والاحترام المتبادل، وعلى رغبة بالتعاون بين بلدين يرتبطان بعلاقات متشابكة.

ويعالج الاتفاق جانبًا من قضية شائكة أساسية ومهمة، لكنه يشكّل بداية لمسار أشمل لمعالجة قضية السجناء السوريين والموقوفين في السجون اللبنانية.

وكان مجلس الوزراء اللبناني أقر، بجلسته التي عقدها في 30 من كانون الثاني الماضي، اتفاقية مع سوريا حول نقل الأشخاص المحكومين من بلد صدور الحكم إلى بلد جنسية الموقوف.

وأعلن نائب رئيس الحكومة اللبنانية أن بيروت تعتزم تسليم دمشق أكثر من 300 سجين سوري، بموجب اتفاقية بين البلدين.

وأوضح أن الاتفاقية تشمل الذين أمضوا أكثر من عشر سنوات سجنية في لبنان (تعادل نحو سبع سنوات فعلية).

“خطوة إيجابية” وسياق قانوني بالغ الحساسية

مدير مركز “سيدار للدراسات القانونية وشؤون المهاجرين”، محمد صبلوح، قال لعنب بلدي، إن الاتفاقية التي تمت بين سوريا ولبنان تمثل خطوة إيجابية جدًا لمصلحة الدولة السورية، بعد عدة جلسات ونقاشات حادة، واجه خلالها الوفد القضائي السوري نظيره اللبناني بالمستندات التي تثبت الاتهامات المفبركة بحق الموقوفين السوريين لمجرد تأييدهم للثورة السورية.

وأضاف أن الدولة السورية جعلت ملف الموقوفين السوريين في السجون اللبنانية ضمن أولوياتها، وهو ما أثمر عن الاتفاقية بإعادتهم إلى سوريا، بعد سنوات من الاعتقال لمجرد معارضتهم نظام الأسد.

من جانبه، المحامي المختص بالقانون الجنائي الدولي المعتصم الكيلاني، شرح لعنب بلدي الاتفاقية السورية- اللبنانية من وجهة نظر القانون الدولي، موضحًا أن الاتفاق المبرم بين الحكومتين السورية واللبنانية بشأن نقل أو تسليم السجناء السوريين المحتجزين في لبنان، يأتي ضمن سياق قانوني وإنساني وسياسي بالغ الحساسية، نظرًا إلى تداخل اعتبارات السيادة الوطنية وحقوق الإنسان والالتزامات الدولية، إضافة إلى تعقيدات الواقع الإقليمي والعلاقات الثنائية بين البلدين.

وأضاف أن الاتفاق يندرج في إطار التعاون القضائي الدولي بين دولتين ذواتي سيادة، وهو تعاون مشروع في القانون الدولي العام، بشرط التزامه بالقواعد الآمرة، ولا سيما قواعد حقوق الإنسان، وعدم تعريض الأفراد لأي مخاطر جدية تتمثل في التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية أو المحاكمات غير العادلة.

وأوضح المعتصم الكيلاني أن أي اتفاق ثنائي لتسليم أو نقل السجناء يستند من منظور القانون الدولي العام إلى مبدأ احترام سيادة الدول وحقها في تنظيم علاقاتها التعاونية، وفقًا لما قررته اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، مبيّنًا أن هذا الحق ليس مطلقًا، بل يخضع لقيود جوهرية نابعة من الالتزامات الدولية الواجبة الاحترام، وعلى رأسها حظر التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.

وأشار إلى أن مبدأ عدم الإعادة القسرية يعد حجر الزاوية في القانون الدولي لحقوق الإنسان، إذ يُمنع تسليم أي شخص إلى دولة يُحتمل أن يتعرض فيها للتعذيب أو لسوء المعاملة أو لمحاكمة تفتقر إلى الضمانات الأساسية للعدالة، وهو ما تم تكريسه صراحة في اتفاقية مناهضة التعذيب لعام 1984 (المادة 3)، وهو مبدأ ملزم حتى في حال وجود اتفاقات ثنائية.

كما تفرض قواعد القانون الدولي، وفق الكيلاني، احترام ضمانات المحاكمة العادلة المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولا سيما المواد “9” و”14″، التي تشمل الحق في الدفاع وعلنية المحاكمة واستقلال القضاء وعدم التعرض للاحتجاز التعسفي.

مرحلة أولية تحمل أبعادًا متعددة

أشار المحامي اللبناني محمد صبلوح، إلى أن لبنان أُجبر على توقيع الاتفاقية بعد مواجهته بالأدلة، مبيّنًا أنها تشكل خطوة أولى تتعلق بالمحكومين على أن تعقبها إما اتفاقيات أو مشروع قانون يتعلق بمعالجة قضية الموقوفين السوريين غير المحكومين.

وأوضح أن لبنان وضع شروطًا لهذه الاتفاقية، شملت من أمضى سبع سنوات ونصف السنة (سجن فعلي)، مشيرًا إلى أن هؤلاء الموقوفين يحق لهه تقديم طلب تسليم لدولتهم.

وأفاد صبلوح أن الانتقال إلى سوريا يتطلب بعض الإجراءات الروتينية التي تتضمن تقديم كل موقوف طلبًا برغبته بالانتقال إلى سوريا عن طريق محاميه، تتم دراسته ليطابق شروط الاتفاقية، وبعدها يحال الملف لمكان سجنه لتطبيق بنود الاتفاق.

المحامي المعتصم الكيلاني، بيّن أبعادًا عدة للاتفاق من الناحية الإنسانية والسياسية والقانونية، مشيرًا إلى أن الجانب الإنساني يحمل بعدًا مزدوجًا، فمن جهة، يمكن أن يحقق مكاسب إنسانية مشروعة، يتمثل أبرزها في تمكين السجناء من قضاء محكومياتهم بالقرب من عائلاتهم، وتخفيف الاكتظاظ في السجون اللبنانية، وتسهيل المتابعة القانونية والاجتماعية للموقوفين واحتمال تحسين ظروف الاحتجاز، إذا نُفّذ الاتفاق وفق معايير إنسانية معترف بها تنسجم مع المعايير المعتمدة لدى اللجنة الدولية للصليب الأحمر بشأن معاملة المحتجزين واحترام كرامتهم الإنسانية.

وأضاف الكيلاني دلالات سياسية للاتفاق، شملت إعادة تفعيل قنوات التنسيق المؤسسي بين دمشق وبيروت عبر المدخل القضائي، وتوظيف الملف الإنساني ضمن سياق سياسي أوسع، ومحاولة تخفيف الضغوط الداخلية في لبنان المرتبطة بملف السجون وتوجيه رسائل إقليمية بشأن استعادة أشكال من التنسيق الرسمي.

لكن المحامي المختص بالقانون الجنائي الدولي المعتصم الكيلاني، حذر من أن تسييس الملفات الحقوقية قد يؤدي إلى تقويض الثقة الدولية، ولا سيما إذا لم يُنفّذ الاتفاق ضمن آليات شفافة وقابلة للرقابة والمساءلة.

واستخلص الكيلاني عددًا من النقاط المرتبطة بالبعد القانوني للاتفاق الذي يعتبر مشروعًا من حيث المبدأ، لكنه يتطلب شروطًا قانونية صارمة لا يجوز تجاوزها، فأي عملية تسليم لا يسبقها تقييم فردي لحالة كل سجين، تعد مخالفة جسيمة للقانون الدولي، مشيرًا إلى أن الضمانات الخطية وحدها غير كافية دون آليات رقابة مستقلة وفعالة، فاحترام كرامة السجين وسلامته الجسدية والنفسية التزام دائم لا يسقط بالاتفاقات.
وعليه، فإن اتفاق تسليم السجناء بين دمشق وبيروت، بحسب الكيلاني، يشكّل اختبارًا حقيقيًا لمدى التزام الدولتين بسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان، إذ لا تُقاس القيمة القانونية لأي اتفاق بمجرد توقيعه، بل بمدى انسجامه مع كرامة الإنسان والتطبيق الفعلي لمعايير العدالة.

إيجابيات وسلبيات الاتفاقية

قال المحامي المختص بالقانون الجنائي الدولي المعتصم الكيلاني، إن أبرز إيجابيات الاتفاقية بين الجانبين السوري واللبناني تتمثل في تنظيم التعاون القضائي بين دولتين جارتين ضمن إطار قانوني، وتخفيف العبء عن النظام السجني اللبناني، وتعزيز الروابط الأسرية والاجتماعية للمحتجزين، وفتح الباب لتحسين ظروف الاحتجاز إذا رافق التنفيذ إشراف مستقل، واعتراف ضمني بأهمية البعد الإنساني في الملفات القضائية.

في المقابل، تضمنت أبرز جوانب النقص بالاتفاقية المعلنة، وفق الكيلاني، في غياب النص الصريح على آلية تقييم فردي لكل حالة، وعدم وجود ضمانات رقابية دولية أو مستقلة والاكتفاء بضمانات حكومية دون آليات تنفيذ ملزمة، وخطر تعريض السجناء لانتهاكات جسيمة بعد التسليم، وقابلية تسييس الاتفاق على حساب المعايير الحقوقية.

المحامي اللبناني محمد صبلوح، أكد أن الاتفاقية السورية اللبنانية رفعت الظلم عن عدد كبير من أنصار الثورة السورية، وأظهرت أن الدولة السورية لم تنسَ أبناءها الذين وقفوا معها ضد نظام الأسد ودفعوا ثمن موقفهم تشريد عائلاتهم وأهاليهم، كما أنها تعالج قضايا المحكومين الآخرين الموجودين في السجون اللبنانية، على أمل تطويرها في المستقبل لتشمل معالجة تامة لقضية الموقوفين.

وبيّن المحامي اللبناني أن الامتحان الآن يتعلق بإجراءات التنفيذ التي تتطلب سرعة من الموقوفين السوريين في تقديم طلبات النقل إلى بلدهم، كون مدة الاتفاقية لا تتجاوز ثلاثة أشهر.

وتتمثل الجوانب السلبية للاتفاق، بحسب صبلوح، في غياب العدالة الشاملة، ففي الوقت الذي مثلت فيه خطوة إيجابية في ملف المعتقلين السوريين، شكلت انتكاسة لنظرائهم اللبنانيين الذين تعاطفوا مع الثورة السورية.

صبلوح يرى أن غياب اللبنانيين عن الاتفاقية، “يكرس العدالة الانتقائية التي مارستها الحكومة اللبنانية، رغم الأدلة التي قدمها عدد من المحامين في لبنان، من بينهم صبلوح، على الظلم والانتهاكات في السجون اللبنانية لرئيس الحكومة، نواف سلام، منذ تسلمه مهامه، ومطالبتهم بعدالة انتقالية للجميع”.

وأكد صبلوح أنهم تلقوا عهدًا من سلام حينها بمعالجة قضية الموقوفين اللبنانيين والسوريين، معبرًا عن أسفه بأن نظام “المحاصصة الطائفية” في لبنان منع رفع الظلم عن الموقوفين اللبنانيين أسوة بالسوريين.

Related



إقرأ المزيد