تنظيم “الدولة” يصعّد لإظهار الدولة السورية ضعيفة وجذب الأنصار
عنب بلدي -

عنب بلدي ـ ركان الخضر

خرج تنظيم “الدولة الإسلامية” إلى واجهة الأحداث، في 21 من شباط الماضي، من خلال تسجيل صوتي منسوب لمتحدثه الرسمي “أبو حذيفة الأنصاري”، وهو التسجيل الأول للتنظيم بعد غياب دام عامين.

التسجيل جاء في وقت تواجه فيه سوريا فوضى جزئية في شمال شرقي البلاد، بعد فرار آلاف المحتجزين من مخيم “الهول”، ما أثار مخاوف واسعة على الأمن الداخلي والإقليمي.

ركّز التسجيل الصوتي، بحسب ما رصدته عنب بلدي، على وصف الحكومة السورية بأنها “علمانية” والدعوة لمواجهتها، مع تلميحات إلى شخصياتها، وإيحاء بأن مصير بعضهم “لن يختلف عن نهاية الرئيس السابق” (المخلوع بشار الأسد).

كما وصف المتحدث الوضع السوري بأنه انتقال من النفوذ الإيراني إلى النفوذ التركي والأمريكي، في محاولة لإعادة تأطير المشهد السياسي بما يخدم سردية التنظيم الأيديولوجية، ويحافظ على حضوره الرمزي رغم الخسائر الميدانية.

ظروف الكلمة وأهدافها

الباحث في “المركز السوري لدراسات الأمن والدفاع”، معتز السيد، يعتقد أن التنظيم وجد أن الوضع الأمني في شرقي سوريا لم يستقر حتى الآن، من خلال رصد التغيّرات في انتشار القوات والتبدلات في السيطرة مع انسحاب “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) والقوات الأمريكية، وهذا بالطبع يخلق ثغرات أمنية، الأمر الذي دفع التنظيم لاستغلال الفراغ الأمني ليقول إنه ما زال موجودًا.

وأشار السيد إلى أن الهدف من الكلمة رفع معنويات عناصر التنظيم، وتشجيع الخلايا النائمة على التحرك، بعد أن شعر بأن التوقيت مناسب ليظهر إعلاميًا ويعلن بدء مرحلة نشاط جديدة.

من جهته، يرى الباحث في مركز “الحوار للأبحاث والدراسات” بواشنطن عمار جلو، أن الظروف التي دعت للكلمة كثيرة، منها انخراط الحكومة السورية في التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب والانسحاب الأمريكي من سوريا، الأمر الذي جعل الحكومة السورية في مقدمة المواجهة مع التنظيم، موضحًا أن المواجهة بين الطرفين ليست جديدة، لكنها كانت تتم بوجود أطراف كثيرة، مما جعل الحكومة السورية بعيدة عن صدارة المواجهة في السابق.

وأضاف جلو أن هذا الأمر دفع التنظيم للهجوم على الحكومة السورية في كلمته، من خلال وصفها بالعلمانية وغيرها من الأوصاف التي يستخدمها ضد كل الحكومات.

الترابط بين الكلمة وتكثيف الهجمات

بُعيد الكلمة، شهدت بعض مناطق البادية السورية وأرياف الرقة ودير الزور نشاطًا متقطعًا لخلايا يُعتقد أنها مرتبطة بتنظيم “الدولة”، رغم تراجع سيطرته المكانية منذ عام 2019، واستمرار الحملات الأمنية ضده.

وتبنى تنظيم “الدولة الإسلامية” هجومين، في بيانين منفصلين، أحدهما في محافظة دير الزور والآخر في الرقة.

وقال التنظيم، وفق ما رصدته عنب بلدي في معرفات إعلامية موالية للتنظيم، إنه استهدف مقرًا للجيش السوري ببلدة الميادين، في 23 من شباط الماضي، بالأسلحة الرشاشة، ما أدى إلى مقتل عنصر.

كما تبنى هجومًا “انغماسيًا” في بلدة السباهية عند المدخل الغربي لمدينة الرقة، في اليوم نفسه، وقال إنه قتل أربعة عناصر وأصاب ثلاثة آخرين في صفوف الأمن الداخلي السوري، في هجوم وصفه بـ”المباغت”، عبر إطلاق النار من مسافة قريبة.

وأضاف أن القوات الحكومية استقدمت تعزيزات لإنقاذ الموقف عقب الهجوم.

مراسل عنب بلدي في دير الزور، أكد مقتل عنصر ضمن الجيش السوري ضمن صفوف “الفرقة 86” في بلدة الميادين.

كما ذكر مراسل عنب بلدي في الرقة أن أربعة عناصر من قوى الأمن الداخلي قتلوا، إثر هجوم استهدف حاجز “السباهية” غربي مدينة الرقة، في ثالث استهداف يتعرض له الحاجز خلال نحو عشرة أيام.

وسبق أن تبنى تنظيم “الدولة”، في 22 من شباط الماضي، مقتل ثلاثة عناصر تابعين لوزارة الدفاع السورية في شمال شرقي سوريا، وذلك بعد يومين من إعلانه المسؤولية عن هجوم آخر في محافظة دير الزور.

تحدث الباحث معتز السيد لعنب بلدي، عن وجود عن علاقة واضحة بين الكلمة والعمليات المكثفة التي تبناها التنظيم ضد القوات الحكومية السورية في شرقي البلاد، مشيرًا إلى أن التنظيم عادة ما يرافق التصعيد العسكري بخطاب إعلامي، فالكلمة تعطي غطاء معنويًا للهجمات، وتُظهر أن العمليات جزء من خطة وعودة منظمة للنشاط وليست مجرد هجمات فردية.

الباحث عمار جلو، أشار إلى ترابط بسيط بين الكلمة والعمليات، لأن العمليات لم تتوقف خلال السنوات الأخيرة في المنطقة، وهي خطوة يسعى من خلالها التنظيم، برأي جلو، إلى إرسال رسائل أنه موجود على الساحة، رغم أن الواقع يؤكد تراجعه كثيرًا وغيابه عن العمليات النوعية منذ سنوات طويلة.

ويرى أن العمليات الأخيرة لا تخرج عن سياق دعاية إعلامية لإعادة استقطاب الخلايا النائمة وتجميعها.

توترات أمنية شرقي سوريا على خلفية استهداف خلايا تابعة لتنظيم “الدولة” حواجز أمنية في الرقة ودير الزور – 23 شباط 2026 (وزارة الداخلية)

التنظيم يحشد عناصره

الباحث معتز السيد، قال لعنب بلدي، إن التنظيم يملك خلايا نائمة موجودة منذ سنوات في البادية وبعض الأرياف، وربما انتشرت في جميع أنحاء سوريا بعد التحرير، فالمعروف عن تنظيم “الدولة” أو ما يشبهه من تنظيمات أنهم يتحركون بهدوء وينتظرون فرصة مناسبة، الأمر الذي جعلهم يبدؤون بتنفيذ الهجمات بعدما شعروا بضعف السيطرة الأمنية في بعض المناطق، متوقعًا رؤية هجمات مماثلة في أي مكان على الجغرافيا السورية متى ما أحس التنظيم بضعف الرقابة الأمنية.

وحول إمكانية اعتماد التنظيم على بعض معتقليه الهاربين من السجون في الفترة الأخيرة نتيجة العملية العسكرية التي نفذها الجيش السوري ضد” قسد” في المنطقة، بالإضافة إلى التقارير التي تحدثت عن عمليات هروب من مخيم “الهول” في ظل المرحلة الانتقالية التي شهدت انتقال السيطرة الأمنية على المخيم الذي يضم عوائل مقاتلي تنظيم “الدولة” من “قسد” إلى الحكومة السورية، أوضح السيد أن الوقت لم يكن كافيًا لإعادة دمج المقاتلين الهاربين من السجون في البنية السرية للتنظيم.

ونوه إلى احتمالية تصعيد التنظيم ببعض المناطق في سوريا بعد الاعتماد على هؤلاء العناصر، خصوصًا أنه لا توجد بيانات أو أرقام حقيقية حول الهاربين من السجون أو المخيمات أو من تعمدت “قسد” إطلاق سراحهم.

واتفق جلو مع السيد أن التنظيم يملك خلايا نائمة كبيرة وكثيرة، لكن الشكوك كبيرة حول قدرة التنظيم على تجميع هذه الخلايا، بحسب رأيه، مشيرًا إلى أن بعض الفصائل المنضوية ضمن الجيش السوري تحمل بعض التعاطف مع تنظيم “الدولة”.

وأفاد جلو أن العمليات ربما تعطي تضخيمًا للتنظيم، لكنه على الأرض أضعف مما يحاول أن يظهره من قوة.

وأوضح أن هروب السجناء ربما كان له دور مؤثر، لكن لم يظهر شيء يؤكد أن المعتقلين الهاربين استطاعوا العودة للتنسيق مع قيادات التنظيم للبدء بعمليات توحي بأن هؤلاء العناصر لا يزالون فاعلين، لكونهم معتقلين منذ سنوات طويلة، الأمر الذي يجعل من غير السهل إعادة تفعليهم ضمن التنظيم بهذه السرعة.

أهداف العمليات والآثار

الباحث عمار جلو يعتقد أن الأهداف من وراء العمليات تتمحور حول إرسال رسائل أن التنظيم موجود وفاعل وعنصر قادر على خلط الأوراق في الساحة السورية.

واستبعد جلو أي مؤشر على قدرة التنظيم على السيطرة على مناطق جغرافية، فالتنظيم من وجهة نظره، انتقل منذ سنوات إلى ولايات ليست مترابطة جغرافيًا، والاعتماد على خلايا متقطعة وغير متواصلة إلا من خلال شخص واحد حرصًا على عدم انكشاف المجموعات.

كما أن التنظيم، برأي جلو، انتقل إلى إمكانية السيطرة في بعض المناطق ليلًا بأماكن غير مأهولة خاصة في البادية السورية، متوقعًا أنه ربما يراجع دراسة الفترة السابقة التي كان يسيطر فيها على مساحات واسعة من العراق وسوريا، إذ أعاد تنظيم نفسه وقوى مركزه، لكنها أمور مستقبلية ليست واضحة الآن، فالهدف الظاهر حاليًا يركز على خلط الأوراق وإعادة تدوير الصراع للانتقال ربما مستقبلًا للتمكين والسيطرة.

ويرى جلو آثارًا سلبية “هائلة” لعمليات التنظيم، مشيرًا إلى أن أي نجاح للتنظيم ولو بسيط في الساحة السورية سيعيد الحرب إلى سوريا من جديد، ويعيد خلط الأوراق وإعادة الاصطفافات الإقليمية والدولية، وهو أخطر عامل يهدد سوريا الجديدة.

الباحث معتز السيد يتفق مع جلو في أن التنظيم يهدف من وراء عمليات الاستهداف للقوى الأمنية السورية، إلى إظهار ضعف الحكومة أمنيًا، وإثبات أنه ما زال حيًا، بالإضافة إلى محاولة جذب أنصار جدد ورفع معنويات عناصره.

وأضاف أن احتمالية السيطرة الجغرافية لتنظيم “الدولة” مستبعدة في الظروف الراهنة، فالوضع مختلف عن عام 2014، لأن الجيش السوري الجديد منتشر على كامل الأراضي السورية تقريبًا، وله بنية مركزية ويحظى بدعم من قوات التحالف ودول الجوار، كما أن السماء تحت رقابة جوية من طيران التحالف.

ويعتقد معتز السيد أن العمليات ستزيد القلق والخوف بين الناس، وقد ترتفع الهجمات والاغتيالات مما سيؤثر على الاقتصاد والاستثمار، ويعقّد الوضع السياسي، وربما يطيل حالة عدم الاستقرار في سوريا، فالتنظيم وإن كان لا يستطيع العودة كما كان، لكنه يستطيع تعطيل الاستقرار لفترة طويلة.

ما المطلوب من الحكومة السورية؟

أشار الباحث عمار جلو إلى إجراءات متعددة مطلوبة من الحكومة السورية للتصدي لهجمات التنظيم، تتمثل في إبعاد العناصر المحتمل أن تحمل تعاطفًا أو القريبة أيديولوجيًا من التنظيم، ثم التضييق على التنظيم من خلال محاربته أمنيا وعسكريًا.

ونوه إلى أهمية العمل على الصراع الفكري مع التنظيم من خلال التركيز على التمييز بين الإسلام وبين الأفكار الراديكالية المحافظة أو المتشددة، وهو موضوع، برأي جلو، غائب عن كل القوى التي تحارب التنظيم وتركز على الصراع العسكري والأمني بعيدًا عن الصراع الفكري الذي يمكن تفعيله من خلال الاعتماد على منظومة من رجال الدين تتصدر لهذا الموضوع عبر مواجهة دعاية التنظيم فكريًا وفك الارتباط بين قتاله وفكرة معاداة الإسلام.

من جانبه، أوضح الباحث معتز السيد أن الحكومة السورية مطالبة بتقوية العمل الاستخباراتي المنظم والاعتماد على الخبرات الدولية خاصة بعد انضمامها إلى قوات التحالف والاستفادة بأقصى حد من هذا الانضمام، بالإضافة إلى الجدية بالتعامل مع أي مؤشرات لوجود خلايا أو شبكات تمويل، كما أن التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المناطق التي يمكن أن تكون حواضن للتنظيم مفيدة جدًا، فالقضاء على الفقر وتجفيف منابع هذا الفكر يفقد التنظيم قدرته على الانتشار، برأي السيد.

Related



إقرأ المزيد