عنب بلدي - 3/1/2026 12:34:14 PM - GMT (+2 )
عنب بلدي – موفق الخوجة
تدخل الولايات المتحدة الأمريكية بوساطة بين الحكومة السورية من جهة، وجهات فاعلة في محافظة السويداء جنوبي سوريا، من جهة أخرى، على رأسها “الحرس الوطني” الكيان العسكري المسيطر على المدينة، والرئيس الروحي للطائفة الدرزية، حكمت الهجري، المرجعية الدينية والمجتمعية التي تمسك بقرار المحافظة السورية الجنوبية.
الوساطة الأمريكية جاءت لمنع انزلاق المنطقة إلى توتر أكبر، ومآلات غير معروفة أو مضمونة النتائج، وفي سبيل إيقاف أي اصطدام مسلح محتمل بين الحكومة والفصائل المحلية في السويداء، في ظل جو مشحون بالتجاذبات الطائفية، في حين أن واشنطن لا تسعى إلى حل الملف كليًا، على غرار ما يحدث في شرقي سوريا مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، بل تنشد أنصاف الحلول.
وتأتي التحركات الأمريكية ضمن إطار ما عُرف إعلاميًا بـ”خارطة عمّان” التي جرى الاتفاق عليها في العاصمة الأردنية، بمشاركة كل من واشنطن ودمشق، لوضح حل لأزمة السويداء العالقة منذ تموز 2025.
تبادل: 61 من دمشق و25 من “الحرس”أحدث ما حُرر في قضية الوساطة الأمريكية، عملية تبادل الموقوفين بين الحكومة و”الحرس الوطني” في 26 من شباط الماضي، بوساطة أمريكية بين دمشق ورئيس الطائفة الدرزية في السويداء، الهجري، وفق ما سربته سابقًا وكالة “فرانس برس”، التي أشارت، نقلًا عن مصدر لم تسمِّه، إلى أن المفاوضات بين الجانبين لم تتعدّ ملف التبادل.
وبحسب ما رشح حينها من معلومات، وما ذكرته وسائل إعلامية، من ضمنها حكومية، وأوضحه مصدر خاص لعنب بلدي، فإن من المفترض أن يفرج “الحرس الوطني” عن 30 شخصًا، في حين أن الذين خرجوا 25 موقوفًا، وبقي خمسة آخرون، على الأقل، لم يخرجوا ضمن هذه الصفقة.
بالمقابل، أفرجت الحكومة عن 61 شخصًا من الذين احتجزتهم خلال تموز 2025.
أحد أقارب المعتقلين لدى “الحرس” أوضح لعنب بلدي أن الفصائل لم تفرج عن عدد من المعتقلين بسبب صلة قرابة تجمعهم مع شخصيات نافذة في الحكومة السورية، وامتنعت عن إخراجهم في اللحظات الأخيرة، إلا أن الحكومة لم تعلق على هذه النقطة.
من جانبه، قال المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، إن “المجموعات الخارجة عن القانون” ويقصد بها فصائل “الحرس الوطني”، لا تريد الإفصاح عن حال المختطفين والمغيبين لديها، مشيرًا في الوقت ذاته إلى أن هناك جهودًا دولية من أجل كشف مصير المختطفين.
بالمقابل، أشار القيادي الدرزي، المقرب من الحكومة، ليث البلعوس، بمقابلة مع قناة “الإخبارية” الرسمية، إلى وجود عمليات تبادل مقبلة بين الحكومة والفصائل في السويداء، وهو ما أكده قائد في “الحرس” بتصريحات لوسائل إعلام محلية مقربة منه.
خطوة إنسانية- سياسيةالحكومة اعتبرت أن المبادلات هي خطوة تأتي في إطار استراتيجية قيادة الأمن الداخلي الرامية إلى ما وصفتها بتعزيز التماسك الاجتماعي وترسيخ العدالة ودعم جهود المصالحة المجتمعية، بما يعزز الثقة المتبادلة بين المواطنين والمؤسسات الرسمية.
وقال المتحدث باسم وزارة الداخلية، نور الدين البابا، إن عملية تبادل المعتقلين في السويداء تأتي في إطار حل وطني لملف السويداء بجهود دولية.
ويرى العضو في “التيار الثالث” وائل شجاع، أن عملية تبادل الموقوفين هي خطوة إنسانية أولًا، وسياسية بحكم الواقع.
“التيار الثالث” مبادرة أعلنت خارطة طريق تهدف إلى حماية المجتمع ومنع الانزلاق إلى الفوضى، من خلال إنشاء “هيئة الإنقاذ المدني في السويداء”، وهي هيئة مدنية.
ويرى الباحث في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة”، الدكتور سمير العبد الله، أن عملية التبادل مؤشر مهم على وجود قنوات تواصل فعّالة بين الطرفين، وعلى اعتراف ضمني بوزن كل طرف وقدرته على التأثير.
كما تعكس هذه الخطوة سعيًا متبادلًا لخفض التصعيد وبناء قدر من الثقة، وامتصاص الاحتقان الشعبي الذي تراكم خلال الأشهر الماضية، وفق العبد الله.
أما عن دلالتها، فيعتقد شجاع أنها ليست تسوية سياسية، بل فتح قناة تواصل واختبار نيات وبناء حد أدنى من الثقة العملية، كما أنها معالجة لملف جزئي قبل الدخول في الملفات الكبرى.
الخطوة المقبلة، إن حصلت، ستكون خطوات تقنية تدريجية، وفق ما يراه شجاع، مثل ملفات إنسانية وترتيبات تهدئة وقضايا مدنية وآليات ضبط محلي، لا قفزة سياسية شاملة.
وقال العبد الله لعنب بلدي، إن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تبقى محدودة الأثر ما لم تُستكمل بتفاهمات أعمق.
ضمن “خارطة عمّان”عملية تبادل الأسرى التي جرت على أبواب محافظة السويداء، تحديدًا على حاجز “المتونة” الذي تسيطر عليه الحكومة السورية، ويقابله حاجز “أم الزيتون” حيث يسيطر عناصر “الحرس الوطني”، جرت بإشراف مباشر من “اللجنة الوطنية للصليب الأحمر”.
أما عن دور واشنطن، فقد أكدته تصريحات أمريكية، وتلميحات حكومية، حيث قال المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم براك، إن الولايات المتحدة تشرفت بالمساعدة في تسهيل عملية تبادل المعتقلين في السويداء بين الحكومة وفصائل محلية.
وأشار براك إلى دور لعضو الكونجرس عن الحزب “الجمهوري” أبراهام حمادة، حيث شكره على مبادرته، وما وصفه بـ”مثابرته الهادئة، ووضوحه الأخلاقي في المساعدة على إطلاق هذه العملية”.
بفضل المساعدة القيمة من “اللجنة الدولية للصليب الأحمر”، تم تبادل 25 مقاتلًا حكوميًا و61 مقاتلًا درزيًا، في عملية سلسة ومنظمة. عاد الأهالي إلى لمّ شمل عائلاتهم. خطوة بعيدة عن الانتقام، وخطوة نحو الاستقرار.
شرف الولايات المتحدة أن تساعد في تسهيل هذا الجهد. شكري الصادق للنائب أبراهام حمادة على مبادرته، وإصراره الهادئ، ووضوحه الأخلاقي في المساعدة على بدء هذه العملية. القيادة مهمة، خاصة عندما تعيد الناس إلى ديارهم.
توم براك
المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا
بدوره، ذكر المتحدث باسم وزارة الداخلية، البابا، أن العملية جاءت في سياق اتفاق عمّان لخطوات تهدئة الوضع في السويداء وعودة الحل السلمي والسياسي ضمن نطاق الوحدة الوطنية السورية.
اتفاق عمّان، أو ما عُرف بخارطة الطريق للحل في السويداء، جرى في العاصمة الأردنية، في 16 من أيلول 2025، بحضور وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، ونظيره الأردني، أيمن الصفدي، والمبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم براك.
وتضمنت الخارطة ست نقاط كان منها دعم جهود “الصليب الأحمر” للإفراج عن جميع المحتجزين والمخطوفين واستكمال عمليات التبادل.
المبادرة الأمريكية.. “إدارة الصراع”الجهود الأمريكية الساعية إلى تحريك المياه الراكدة في السويداء، أثارت التساؤلات حول المدى التي تريد أن تصل إليه، إذ لا بوادر تلوح في الأفق لحلحلة الملف العالق منذ لحظة سقوط النظام السوري السابق.
الباحث في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة”، العبد الله، قال إن المبادرات الأمريكية في السويداء تندرج ضمن إطار يهدف إلى منع انزلاق الأوضاع نحو انفجار أمني جديد، في ظل التوترات المتكررة بين الحكومة السورية والقوى المحلية في السويداء.
لا يبدو أن واشنطن تسعى إلى تغيير جذري في المعادلة السياسية جنوبي البلاد، بل تركز على تثبيت الاستقرار ومنع تحوّل السويداء إلى ساحة صراع مفتوح قد يخلّ بتوازنات إقليمية حساسة، خصوصًا على مقربة من الحدود الأردنية والإسرائيلية.
د. سمير العبد الله
باحث في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة”
وعليه، فإن المقاربة الأمريكية تقوم على إدارة الأزمة واحتوائها، لا على حسمها بصورة نهائية، وفق ما يراه الباحث، العبد الله.
ويوافقه العضو في “التيار الثالث”، شجاع، إذ يرى أن المبادرات الأمريكية تتحرك بمنطق إدارة الصراع لا حله.
وقال إن الهدف الأساسي هو منع الانفجار وضبط التوتر وتخفيض المخاطر الأمنية، وليس إنتاج حل سياسي شامل، مضيفًا أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تعمل على مشروع سياسي خاص بالسويداء، بل على توازنات مؤقتة تمنع الفوضى.
“قسد” قضية مختلفة.. هل الدمج مطروح؟بالرغم من أن بوادر الحل بعيدة المنال، وفق ما تشير إليه المعطيات، من حيث البعد بالرؤى بين أطراف الصراع، واللهجة الإعلامية العدائية، والتمسك بـ”حق تقرير المصير” الرامي إلى ما يشبه الحكم الذاتي في السويداء، ما زال الأمل معقودًا لعودة المحافظة إلى مكانها الطبيعي في الجغرافيا السياسية السورية، خاصة بعد اقتراب قضية الشرق من الحل.
لكن المقارنة مع “قسد” يراها العضو في “التيار الثالث”، شجاع، غير دقيقة، شارحًا ذلك بأن القوات هي نتاج مشروع دولي ومظلة حماية وتوازنات إقليمية، بينما “الحرس الوطني” و”اللجنة القانونية” (التي تدير الشؤون الإدارية في المدينة) هي نتاج حاجة محلية وفراغ أمني وظرف طارئ.
بالمقابل، يرى العبد الله أن مصير “الحرس الوطني” قد يتجه نحو صيغة دمج تدريجي ضمن مؤسسات الدولة، مع الحفاظ على بعض الخصوصية التنظيمية، على غرار ما جرى في الحسكة.
وتبدو دمشق مائلة إلى خيار التفاهم بدلًا من المواجهة، كما يعتقد العبد الله، مشيرًا إلى أن الفاعلين المحليين يدركون أن هامش التحرك محدود، والولايات المتحدة تمارس تأثيرًا غير مباشر، والأردن حاضر أمنيًا في الخلفية، مع بقاء مصير السويداء مرتبطًا بالتفاهمات الإقليمية الأوسع، وبمسار التفاوض مع إسرائيل في المدى البعيد.
وقال إن خصوصية السويداء تفرض معالجة مختلفة، إذ يتطلب أي استقرار مستدام توافقًا محليًا داخليًا يحدد بوضوح طبيعة العلاقة مع الحكومة المركزية، ويعالج ملف السلاح المنتشر، لافتًا إلى أنه ملف “بالغ الحساسية” نظرًا إلى ارتباطه بالاعتبارات الاجتماعية والأمنية، ما يجعل مسألة تسليمه أو تنظيمه تحديًا حقيقيًا.
السيناريو الواقعي للحل في السويداء، برأي شجاع، ليس دمجًا مباشرًا ولا تفكيكًا قسريًا، بل تحييد تدريجي أو تنظيم وظيفي ضمن ترتيبات محلية أوسع، مشيرًا إلى أن المنطق الدولي يتجه نحو الاحتواء وتقليل الصدام، لا إنتاج نماذج جديدة على نمط “قسد”.
السويداء اليوم ملف توازنات لا ملف حل، وما يجري هو تبريد صراع ومنع الأسوأ، لا تسوية كبرى.
وائل شجاع
عضو في “التيار الثالث”
ويرى شجاع أنه ليست هناك “تسوية كبرى”، لأن شروطها غير موجودة أصلًا، وهي: توافق دولي، وتوازن قوى داخلي مستقر، ومشروع سياسي جامع.
Related
إقرأ المزيد


