الرقة تدفع ثمن سنوات من سيطرة الأيديولوجيا والتشدد
عنب بلدي -

عنب بلدي – أحمد الحمدي

يتنقل عمار عبد اللطيف، وهو صحفي مقيم في مدينة الرقة، بين صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، بعد أن فرضت الحكومة السورية سيطرتها على مدينته، إذ بات من الطبيعي بنظره رؤية صور لأشخاص مرتبطين بـ”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) منشورة ويتلقون الشتائم أو حتى التهديدات بعد أن تعاونوا مع الأخيرة خلال سيطرتها على المحافظة.

وقال عمار لعنب بلدي، إن تعدد جهات السيطرة على الرقة منذ العام 2013، ترك أثرًا بالغًا في الحياة الاجتماعية للسكان، وباتوا يحملون في ذاكرتهم الجمعية مواقف عن أشخاص استغلوا ارتباطهم بالسلطة لأذية أبناء مدينتهم دون إحساس بالمسؤولية.

ومنذ عام 2013، تعددت جهات السيطرة على الرقة، بدءًا من فصائل المعارضة والفصائل الإسلامية، ثم سيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية” عليها مع نهاية نفس العام، وبعدها انتزاعها من التنظيم على يد التحالف الدولي و”قسد”، في تشرين الأول من عام 2017، وصولًا إلى فرض الجيش السوري الجديد سيطرته على المحافظة في 18 من كانون الثاني الماضي.

عاشت المحافظة خلال المراحل الثلاث التي سبقت دخول الجيش السوري إليها سنوات من التجاذب بعد أن فرضت تلك الجهات ظروفًا تتعلق بتوجهاتها الفكرية والدينية والسياسية، انتهت جميعها تواليًا إلا أن آثارها لا تزال واضحة على المحافظة وسكانها.

سيطرة قصيرة للمعارضة

عندما خرجت الرقة من قبضة النظام السوري لأول مرة، بدا المشهد وكأنه ولادة جديدة لمدينة طالما عانت التهميش والإقصاء، بحسب ما قاله الصحفي عمار عبد اللطيف لعنب بلدي.

واستقبل السكان ذلك التحوّل بمشاعر مختلطة من الأمل والحذر، وظهرت مبادرات محلية لإدارة شؤون المدينة، إلا أن غياب الخبرة والدعم، إلى جانب صراعات الفصائل، سرعان ما أدت إلى فوضى أمنية وإدارية.

وكانت الرقة أول محافظة تخرج بشكل كامل عن سيطرة النظام بعد نحو عامين من اندلاع الثورة السورية.

أشار عمار إلى أن أكثر ما أقلق السكان، حينها، تجاهل القوى السياسية المعارضة للمحافظة، إذ كانت قد تأسست “الحكومة السورية المؤقتة”، وتركت الرقة لمصير مجهول.

في قبضة تنظيم “الدولة”

مع أواخر العام 2013، بدأت الخلافات تظهر بين فصائل المعارضة والفصائل الإسلامية، ليبدأ تنظيم “الدولة” معارك ضد تلك الفصائل انتهت بسيطرته الكاملة على المحافظة مع نهاية 2013 وبداية العام الذي يليه، مستفيدًا من حالة الفراغ والانقسام، ليحوّل الرقة إلى مركز لحكمه “المتشدد”، وفق ما أشارت إليه الناشطة المدنية هدى الموسى.

وذكرت هدى، أن التنظيم فرض نموذجًا قائمًا على العنف الشديد، والعقاب العلني، ومراقبة الحياة اليومية للناس، وتغيّرت أنماط العيش جذريًا، وأُغلقت المساحات العامة، وقُمعت النساء، وجرى تقييد الحركة والعمل والتعليم.

ولفتت إلى أن هذا “القمع الممنهج” أدى إلى موجات نزوح واسعة، كما أدى إلى تآكل الثقة بين السكان أنفسهم، إذ أصبح الخوف من الوشاية أو الاتهام جزءًا من الحياة اليومية، خلال تلك السنوات تشكّل جرح اجتماعي عميق لم يندمل حتى اليوم.

وشكّل حكم تنظيم “الدولة” في الرقة المرحلة الأكثر قسوة في تاريخ المدينة الحديث، حيث حوّلها إلى مساحة مغلقة يحكمها الخوف المطلق، لم تكن السلطة قائمة على إدارة أو قانون، بل على الترهيب والعقاب العلني، ما جعل الصمت وسيلة للبقاء، وفق ما قالته هدى الموسى.

وأضافت أن رقابة صارمة فُرضت من قبل تنظيم “الدولة” على تفاصيل الحياة اليومية، من اللباس إلى الحركة والعمل، وتحولت الشوارع إلى ساحات تهديد غير معلن، يخيم عليها هاجس الاعتقال والاتهام في أي لحظة.

تدمير بغطاء “تحرير”

بعد طرد تنظيم “الدولة” من مدينة الرقة في تشرين الأول عام 2017، على يد “قسد” بدعم من التحالف الدولي، بدأت مرحلة جديدة حملت معها وعودًا بإعادة الإعمار والاستقرار، بعد دمار 40% من مساكن المدينة بشكل كامل، ودمار ما تبقى جزئيًا.

المحامية غادة العكاوي، قالت إنه وعلى الرغم من الشعارات التي رفعتها “قسد” عن “التحرير” و”الإدارة الذاتية” و”الديمقراطية”، انتقلت الرقة من قبضة سلطة قمعية إلى واقع لا يقل ثقلًا، حيث أديرت المدينة بمنطق أمني صارم، واتخذت القرارات المصيرية من دون مشاركة فعلية من السكان.

وبدلًا من بناء نموذج حكم جامع، تعمقت حالة الإقصاء، وتحولت المؤسسات إلى هياكل شكلية تفتقر للشرعية الشعبية.

ومع استمرار الاعتقالات التعسفية، وغياب الشفافية، وتراجع الخدمات، باتت “قسد” بالنسبة لكثيرين رمزًا لسلطة مفروضة بالقوة، لا شريكًا في بناء استقرار حقيقي.

في كانون الثاني الماضي، انتهت سيطرة “قسد” على الرقة بعد فترة حكم “قسد” التي امتدت لأكثر من ثماني سنوات.

تداعيات عميقة

لا تزال الرقة تعيش تداعيات نفسية واجتماعية عميقة نتيجة سنوات طويلة من عدم الاستقرار وتعاقب جهات السيطرة، بحسب ما قالته خبيرة الموارد البشرية الدكتورة آمنة رستم، مؤكدة أن الأثر الأكبر طال الأطفال والشباب، وترك بصماته على بنية المجتمع والعلاقات داخله.

أبرز الآثار النفسية تتمثل في القلق المزمن وفرط اليقظة، حيث يعيش كثيرون شعورًا دائمًا بالخطر حتى في فترات الهدوء النسبي، ودفعت الكآبة وتقلبات المزاج عددًا متزايدًا من الشباب إلى الوقوع في دائرة الإدمان على المخدرات، في محاولة للهروب من الضغوط المتراكمة.

وأضافت رستم أن الأطفال يعانون من صعوبات كبيرة في التركيز والتحصيل الدراسي، وهو ما يهدد مستقبل أجيال كاملة، مشيرة إلى أن هذه الظروف أسهمت أيضًا في ظهور ميول إلى الانغلاق الاجتماعي أو السلوك العدواني لدى شريحة واسعة من السكان.

ولفتت إلى أن تغير المرجعيات بشكل متكرر أدى إلى تشوه مفهوم السلطة والانتماء، موضحة أن الأطفال الذين كبروا في بيئة غير مستقرة غالبًا ما يعانون من هشاشة في الإحساس بالأمان، بينما يواجه الشباب صعوبة في بناء هوية واضحة أو التخطيط للمستقبل بثقة.

وحول الانعكاسات الاجتماعية، أكدت خبيرة الموارد البشرية أن الخوف وعدم اليقين تسبب بضعف الروابط الاجتماعية، والحذر المفرط في التعاملات اليومية، وتراجع روح المبادرة والعمل الجماعي، إضافة إلى صعوبة بناء علاقات قائمة على الثقة المتبادلة.

وشددت على أن المرحلة الراهنة تتطلب العمل على مسارات متوازية لمعالجة هذا الواقع، أبرزها دعم الصحة النفسية المجتمعية من خلال جلسات إرشاد فردية وجماعية، ولا سيما في المدارس، وإطلاق برامج دعم نفسي وتربوي للأطفال تعزز الإحساس بالأمان والانتماء.

كما دعت إلى إعادة بناء الثقة داخل المجتمع عبر مبادرات حوارية وأنشطة مشتركة، وتثبيت مرجعيات تربوية مستقرة تساعد الجيل الجديد على بناء هوية واضحة، إلى جانب تمكين الشباب اقتصاديًا وتعليميًا لإعادة زرع الأمل بالمستقبل، ليكونوا النواة الحقيقية لبناء البلد وحمايته.

الصبغة العشائرية.. دور وخطر

تسكن محافظات الرقة عشرات العشائر العربية، لكن أغلبيتها تحولت نحو المجتمع المدني منذ خمسينيات القرن الماضي، إلى جانب عدد من القرى التي يغلب على سكانها العرق الكردي في ريفها الشمالي.

وشهدت الرقة سلسلة هجرات من سكان أرياف حلب وإدلب ودير الزور والسخنة وتدمر في ريف حمص، وذلك خلال الأعوام الـ50 الأخيرة، ما غيّر كثيرًا من عادات الأهالي، مع الحفاظ على بعض الأعراف والتقاليد العشائرية، مثل عادات الصلح وعادات العزاء والأفراح.

وحاول كل من تنظيم “الدولة” و”قسد” على حد سواء استمالة العشائر العربية في محافظة الرقة والتي تشكل الأغلبية العظمى من تركيبتها السكانية، إذ عمل الطرفان على تصدير شيوخ عشائر مرتبطين بهما طوال سنوات حكمهما الرقة.

ويرى شيخ عشيرة “المدلج” من قبيلة “العفادلة” عيسى الدرويش البُحبال، أن المنطقة تمر بمرحلة مفصلية تتطلب شجاعة في مواجهة “الإرث الثقيل” الذي خلّفته عقود من تغير الأنظمة وتعاقب السلطات، مؤكدًا أن حديثه لا ينطلق من “وجع عابر”، بل من تراكمات تاريخية عميقة شكّلت وعي الإنسان في المنطقة، وجعلت المواطن في مختلف المراحل الحلقة الأضعف في معادلات السلطة.

وقال البُحبال، إن أبناء هذه الأرض عانوا طويلًا من سياسات نظرت إليهم كأرقام، لا كأصحاب حقوق، وإن الفرصة المتاحة اليوم تفرض ضرورة طيّ صفحة الماضي بكل آلامه، والتوجه إلى مؤسسات الدولة المختصة، وفي مقدمتها هيئة العدالة الانتقالية والقضاء، معبرًا عن تفاؤله بدورها في تحقيق الإنصاف، داعيًا كل من له حق للجوء إلى القانون، والابتعاد عن الأعمال الفردية ونشر التعميمات الخاطئة التي من شأنها تقويض السلم المجتمعي.

وفي الشأن الاجتماعي، أكد شيخ عشيرة “المدلج” أن العشيرة، بوصفها كيانًا اجتماعيًا، تحمل إرثًا من القيم النبيلة، لكنها قد تتحول إلى عبء إذا لم تخضع لمعايير عليا تضبط سلوكها، وأن المطلوب اليوم هو احتضان الذهنية العشائرية لا إلغاؤها، وضبطها بثوابت الدين ومبدأ سيادة القانون، وأن الخصوصية لا يجوز أن تتعالى على المصلحة الوطنية، ولا يمكن للثأر أن يحل محل العدالة.

Related



إقرأ المزيد