سوريا.. الثورة المهزومة
عنب بلدي -

غزوان قرنفل

ليست كل ثورة تُهزم بالضرورة حين تتم مواجهتها بالقمع والبطش الأمني أو العسكري، أو تُختطف من قبل قوى الأمر الواقع المزنرة بالسلاح، فالهزيمة الأعمق والأشد وقعًا هي تلك التي تقع في مستوى أعمق من ميدان القتال، وأخطر من غرف التفاوض والصفقات السوداء، إنها هزيمة الوعي، فأي ثورة لا تُحدث تحولًا جذريًا في البنية الفكرية والثقافية والمعرفية للمجتمع الذي قامت من أجله، هي بالضرورة ثورة مهزومة، حتى وإن رفعت أجزل الشعارات، وقدمت أعظم التضحيات، وامتدت لسنوات وسنوات.

الثورة في جوهرها ليست مجرد فعل احتجاجي على سلطة سياسية جائرة، ولا هي فقط سعي لتغيير أشخاص الحكم ومنظوماته وآلياته، بل هي، أو ينبغي أن تكون، قطيعة معرفية وأخلاقية مع منظومة كاملة من الأفكار والقيم والسلوكيات التي أنتجت الاستبداد وشرعنته وأعادت إنتاجه عبر الأجيال، وحين تفشل الثورة في إحداث هذه القطيعة، فإنها لا تُسقط النظام بقدر ما تعيد تدويره، ولا تحرر المجتمع بقدر ما تتركه أسيرًا لآليات القهر نفسها وإن تغيّرت الوجوه.

ما نحن فيه اليوم في سوريا ليس حدثًا طارئًا، ولا خيانة مفاجئة لمسار كان سليمًا في جوهره، بل هو مآل طبيعي ونتيجة منطقية لثورة مهزومة منذ بداياتها على مستوى الوعي، ثورة امتدت عقدًا ونصف العقد وامتلأت بالدم والتضحيات والمنفى والخراب، لكنها عجزت رغم كل ذلك عن أن تلقي حجرًا واحدًا في مياه العقول الراكدة، أو أن تعيد محاكمة مسلّمة فكرية راسخة كمستحاثة بين طبقات الدماغ، أو أن تبدل مفهومًا خاطئًا واحدًا استوطن عقول الناس لعقود.

مئات من منظمات المجتمع المدني تأسست وأطلقت البرامج وعقدت المؤتمرات وورشات العمل والبرامج التدريبية، ودبّجت التقارير، ورفعت شعارات التمكين، وبناء السلام، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، والعدالة الانتقالية، لكن كل ذلك بقي في الغالب حبيس اللغة النخبوية، أو رهينة التمويل، أو منفصلًا عن الواقع الاجتماعي العميق.

هذه المنظمات فشلت أو لم تجرؤ أن تغوص في العمق لتخاطب الجذور، بل حاولت علاج الأعراض فحسب، هي لم تطرح سؤالًا واحدًا عن “لماذا يفكر الناس على هذا النحو؟”، وكيف تشكلت منظوماتهم القيمية؟ ومن المستفيد من بقائها على حالها؟ بل جرى التعامل مع المجتمع بوصفه ضحية صامتة، لا بوصفه شريكًا في إنتاج الاستبداد أو مقاومته، والنتيجة أن الناس تُركوا فريسة للجهل المنظم، وضحالة المعرفة، والخطاب الشعبوي، والانتماءات الضيقة، تُركوا بلا أدوات نقدية، ولا تعليم يحرّض العقل ويحرره من أسر المفاهيم الخاطئة أو المتطرفة، ولا خطاب ثقافي جاد يزعزع اليقينيات الزائفة التي نشؤوا عليها، بل إن الأكثر سوءًا من ذلك أن كثيرًا من هذه “اليقينيات” أُعيد إنتاجها داخل الفضاء (الثوري) نفسه، في السياسة كما في الدين، وفي الإعلام كما في العمل المدني، فكيف لثورة أن تنتصر وهي تحمل في داخلها نفس البذور التي أنبتت الاستبداد؟

حسنا، لقد تآكل النظام وسقط، لكن البنية الذهنية التي سمحت بوجوده طوال عقود ما زالت قائمة،  لا يزال العقل يقدّس الزعيم، ويخاف من الحرية، ويبحث عن الخلاص في القوة لا في القانون، وفي الغلبة لا في العدالة، عقل يرفض النقد، ويشيطن الاختلاف، ويستسهل العنف، ويبرر الإقصاء، عقل يرى في الدولة غنيمة، وفي السياسة صراع وجود، وفي الآخر المغاير تهديدًا دائمًا.

مع هذا العقل، لا يمكن لأي ثورة أن تنتصر مهما طال زمنها، والهزيمة التي نعيشها اليوم ليست فقط هزيمة لمشروع سياسي أو وطني فشلنا طوال عقد ونصف في بنائه، وإنما أيضًا هزيمة لمشروع ثقافي لم يولد أصلًا أو لم يرد له أن يولد.

نحن لم نخض معركة التعليم، ولا معركة الوعي، ولا معركة إعادة تعريف المفاهيم الأساسية عن الدولة والمواطنة، والحرية، والدين، والسلطة، والمجتمع، والقانون، ودون هذه المعارك سيبقى أي تغيير سطحيًا وهشًا وقابلًا للانقلاب عليه في أول اختبار، سنظل مهزومين ومنكسرين، ليس لأن العالم تآمر علينا فحسب، ولا لأن القوى الإقليمية والدولية عبثت بمصيرنا فقط، بل لأننا ما زلنا متمسكين بالأفكار والبنى العقيدية والعقائدية والمعرفية والثقافية ذاتها التي تعفنت داخل رؤوسنا، لأننا لم نجرؤ على طرحها، وجبنّا عن مواجهة أنفسنا بصدق، ولم نخضع تراثنا ولا سلوكنا ولا أنماط تفكيرنا ولا عاداتنا للفحص والتمحيص والمراجعة والمساءلة الجذرية، ولذلك فشلنا وفشلت ثورتنا وآلت أوضاعنا إلى ما نحن عليه الآن، فالثورة التي لا تحرر العقل، لا يمكنها بالقطع أن تحرر الإنسان، والثورة التي لا تغيّر الإنسان وتحرر عقله من الأسر، لا يمكنها أبدًا أن  تغيّر الحاضر أو تصنع المستقبل.

Related

اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا

إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى



إقرأ المزيد