خالد المطلق
منذ 28 من شباط الماضي، تصاعدت المواجهات بين التحالف الأمريكي- الإسرائيلي من جهة وإيران من جهة أخرى، في واحد من أخطر التصعيدات العسكرية بالشرق الأوسط منذ عقود، ومن الواضح أن هذا التصعيد العسكري لم يعد مجرد جولات محسوبة ضمن “حرب الظل” التي طبعت العلاقة بين هذه الأطراف طوال العقدين الماضيين، بل دخلت المنطقة مرحلة مختلفة نوعيًا، مرحلة تتداخل فيها الضربات الجوية المباشرة والهجمات الصاروخية والحرب السيبرانية والرسائل السياسية عالية السقف في مشهد أقرب إلى مواجهة مفتوحة قابلة للتوسع في أي لحظة.
والجديد اليوم أن المواجهة لم تعد تُدار فقط عبر أذرع إقليمية بل باتت تتخذ طابعًا مباشرًا نسبيًا مع تبادل ضربات يحمل رسائل ردع واضحة لكنه في الوقت ذاته يختبر حدود الانزلاق إلى حرب شاملة.
إن الضربات المتبادلة كشفت أن الطرفين انتقلا من سياسة “الرد المحسوب” إلى “الردع بالقوة المكشوفة”، فالمعادلة لم تعد تقوم فقط على استهداف مواقع أو مخازن سلاح، بل انتقلت إلى محاولة كسر صورة التفوق لدى الخصم وإعادة رسم خطوط حمراء جديدة.
وفي هذا السياق يبدو أن واشنطن وتل أبيب تسعيان إلى تقليص القدرة الإيرانية على المبادرة الهجومية فيما تراهن طهران على إثبات قدرتها على الصمود وإيصال الرسائل عبر صواريخ بعيدة المدى وأدوات غير تقليدية، لكن أخطر ما في هذا التصعيد أنه يأتي في لحظة إقليمية هشة خصوصًا في سوريا التي تمر بمرحلة انتقالية معقّدة بعد سقوط نظام بشار الأسد، فسوريا التي كانت خلال السنوات الماضية ساحة صراع غير مباشر بين إسرائيل وإيران، تجد نفسها اليوم أمام واقع جديد يتمثل في غياب الحليف الإيراني من جهة واستمرار اشتعال الصراع الإقليمي من جهة أخرى.
وبهذا المعنى لا تدور الحرب الحالية فقط حول توازن الردع بين ثلاث قوى كبرى في المنطقة، بل حول شكل النظام الإقليمي القادم، وحدود النفوذ، ومصير الدول التي كانت ساحات صراع بالوكالة وعلى رأسها سوريا، وهنا أجد من الضروري البحث في تداعيات الحرب على سوريا في ظل الحكومة المؤقتة الحالية، فمن المعروف أن سوريا أصبحت نقطة حساسة في معادلة الصراع الإقليمي لا سيما بعد سقوط نظام الأسد الذي كان أحد أهم أعمدة النفوذ الإيراني في المنطقة، وخروج الميليشيات الإيرانية التي كانت تستخدم سوريا كجسر استراتيجي لنقل الدعم إلى حلفائها في لبنان واليمن، ومع خروج هذه الميليشيات، فقدت إيران جزءًا كبيرًا من قدرتها على التموضع العسكري في قلب الشرق الأوسط، وهذا التراجع لا يلغي نفوذها بالكامل لكنه يضعف قدرتها على استخدام الأراضي السورية كقاعدة إطلاق لضربات مستقبلية أو لتنظيم شبكات دعم لميليشيات في لبنان، فسوريا لم تكن بمعزل عن المواجهات، إذ تساقطت في السنوات الماضية بقايا صواريخ وطائرات مسيّرة فوق أراضيها نتيجة للصراع الإيراني- الإسرائيلي، وكانت هناك مخاوف من استمرار تأثيرات هذه الحرب على المدنيين والبنية التحتية، وفي حال توسّعت الحرب أو اتجهت إيران إلى استخدام ناقلات صواريخ عبر الحدود العراقية والسورية، فقد تتحوّل سوريا إلى بؤرة أخطر للصراع خصوصًا مع ضعف المؤسسات الوطنية وعدم وجود قوة مركزية قادرة على ضبط الحدود والسيطرة على الفصائل المسلحة.
ومن الناحية العسكرية، يميل ميزان القوة التقليدي بوضوح إلى الولايات المتحدة وإسرائيل من حيث التفوق الجوي والتقني والقدرة على الضرب بعيد المدى، غير أن إيران تراهن على عاملين، أولهما طول النفَس، وثانيهما تعدد ساحات الاشتباك، فهي تدرك أن المواجهة المباشرة المتكافئة ليست في مصلحتها، لكنها تحاول تحويل الصراع إلى معادلة استنزاف سياسي وأمني واقتصادي، ومن وجهة نظري، أرى أن الصراع الأمريكي- الإسرائيلي ضد إيران دخل مرحلة جديدة من الحرب المفتوحة بعد عقود من التوترات المتقطعة، كما أن إيران فقدت الكثير من أدواتها التقليدية في المنطقة، لكنها ما زالت تمتلك قدرة على استخدام المسارات غير التقليدية لردع خصومها، وقد تكون سوريا إحدى أهم الساحات التي يتشكل فيها التوازن الجديد ليس فقط كدولة مستقلة بل كجسر جيوسياسي يؤثر في نفوذ القوى الإقليمية والاقتصادية.
إن الحرب الحالية ليست مجرد تبادل للضربات، بل هي تحوّل عميق في معادلة القوة بالشرق الأوسط، فميزان القوى التقليدي يميل إلى التحالف الأمريكي- الإسرائيلي، لكن إيران تتمسّك باستراتيجيات غير متكافئة تجعل الصراع طويل النفَس ومعقّدًا.
أما سوريا فهي محطة حاسمة في هذه العملية بين واقع هشّ وامتحان صعب لبناء استقرار حقيقي أو أن تبقى ساحة لصراع القوى الكبرى، وفي تقديري ما نشهده اليوم ليس مجرد جولة عسكرية عابرة، بل مرحلة تأسيسية لإعادة تشكيل التوازنات في الشرق الأوسط، فالضربات المتبادلة تؤكد أن منطق “الاحتواء البارد” يتراجع لمصلحة منطق “إعادة الردع بالقوة الصلبة”، غير أن المفارقة تكمن في أن جميع الأطراف تعلن ضمنيًا أو صراحة أنها لا تريد حربًا شاملة لكنها في الوقت ذاته تواصل اختبار حدود التصعيد.
خلاصة القول، إن مستقبل المنطقة لن يتحدد فقط بنتائج الضربات الجوية أو بعدد الصواريخ التي تم اعتراضها، بل بقدرة الأطراف على الانتقال من منطق كسر الإرادات إلى منطق إعادة تعريف قواعد الاشتباك، فإذا استمر التصعيد الحالي دون ضوابط سياسية، فقد نكون أمام إعادة رسم جذرية للخريطة الأمنية للشرق الأوسط، أما إذا نجحت قنوات التهدئة في فرض إيقاعها فقد تتحول هذه الجولة إلى محطة فاصلة تؤسس لتوازن ردع جديد أكثر وضوحًا، وفي كل الأحوال تبقى سوريا في قلب هذا التحول، فإما أن تستثمر لحظة الانفكاك عن المحاور لتأسيس مرحلة استقرار وطني مستقل، وإما تجد نفسها مرة أخرى في عين عاصفة صراع لا تتحكم بإيقاعه.
Related


