عنب بلدي - 3/8/2026 3:39:15 PM - GMT (+2 )
حماة – عدي الحاج حسين
انتهت المعارك في ريف حماه الشرقي، وتحديدًا بقرى ناحية عقيربات، التي كانت على مر السنوات الماضية مسرحًا لعمليات عسكرية عنيفة ومعارك طاحنة بين أطراف النزاع.
اليوم، وبعد سقوط النظام السابق، تركت تلك المعارك إرثًا ثقيلًا لا يقل فتكًا عن القصف، يتمثل بألغام أرضية وذخائر غير منفجرة تنتشر في الحقول والطرق وحتى داخل القرى المهجورة والمأهولة.
تحولت تلك “القنابل الموقوتة” إلى كابوس يومي يلاحق المزارعين ومربي الأغنام، ويمنع آلاف العائلات من العودة إلى قراهم.
قرى محاصرة“حتى اليوم لم نتمكن من دخول القرية، فكل من يحاول الاقتراب منها ينفجر به لغم”، بهذه الكلمات وصف مدين محمد الصطوف واقع قرية دويزينة بريف عقيربات، مؤكدًا أن جميع محاولات العودة باءت بالفشل بسبب الألغام المنتشرة في كل مكان.
وقال مدين لعنب بلدي، إن أهالي القرية مشتتون بين الرقة والباب وإدلب ومناطق أخرى، لكنهم لم يتمكنوا من العودة إلى ديارهم. “المنطقة بحاجة ماسة إلى مسح شامل من قبل الجهات المختصة، لأن الألغام ستودي بحياة الكثيرين”، بحسب تعبيره.
وأضاف أن قريته تُعد الأكثر تضررًا بالألغام في منطقة عقيربات، وكل من حاول الدخول إليها من الرعاة أو المارة تعرض لانفجار أودى بحياته أو تسبب بإصابات بليغة.
لا يختلف الوضع كثيرًا عند عبد الستار محمد الأحمد، مندوب قرية الهداج، مشيرًا إلى أن الألغام التي كانت ظاهرة للعيان تمت إزالتها، حيث قام فريق هندسي بإزالة ما كان مكشوفًا فقط، دون إجراء أي مسح شامل لمحيط القرية.
وقال عبد الستار لعنب بلدي، “قريتنا كانت محاطة بالكامل بالألغام، وما أزيل هو فقط ما عثرنا عليه نحن وأبلغنا عنه”.
وكشف المندوب أن الفريق الهندسي الذي زار المنطقة أخبرهم بضرورة الاتصال بهم فور رؤية أي لغم جديد، لكنه لم يقم بمسح شامل. وأضاف، “المشكلة الحقيقية تكمن في الألغام المطمورة تحت الأرض، فنحن لا نملك أجهزة كشف ولا نستطيع البحث عنها بأنفسنا”.
قنابل عنقودية بين المنازلتشهد قرى أخرى بريف حماة خطر انتشار القنابل العنقودية الصغيرة بين المنازل.
محمود خالد المرعي، أحد سكان قرية سوحا، قال لعنب بلدي، إن الذخائر غير المنفجرة منتشرة في القرية وبين المناطق المأهولة.
وأضاف محمود، “توجد بالقرب من منزلي ومنازل جيراني قنابل عنقودية صغيرة، وهي مغرية جدًا للأطفال الذين لا يدركون خطورتها، مما قد يدفعهم للعب بها أو نقلها من مكانها. نحن نعيش في حالة رعب دائم خوفًا على أطفالنا”.
وأشار إلى وجود مخلفات حرب في الأراضي الزراعية قرب الطريق العام، وقال، “هذا الطريق هو ممرنا اليومي وممر أطفالنا، ورغم أننا وضعنا إشارات تحذيرية حولها، فإن القلق لا يفارقنا”.
مربو الأغنام أمام خطر الموتيمثّل موسم الربيع فرصة ذهبية لمربي الأغنام في البادية، حيث وفرة العشب والمياه، لكن الألغام حوّلته إلى موسم رعب.
مدين الصطوف، أحد مربي الأغنام قال، “هذا العام كان موسم خير بفضل الأمطار الغزيرة ونمو العشب في البادية، لكن الأهالي يرفضون المخاطرة بحياة أطفالهم وعائلاتهم من أجل الرعي بسبب الألغام. وبعض العائلات خسرت قسمًا كبيرًا من قطعانها”.
أما طارق العبد الله، وهو مربي أغنام أيضًا من البادية السورية، فتحدث عن حجم الخسائر البشرية والمادية، مشيرًا إلى أن الأسبوع الماضي شهد وفاة شابين من رعاة الأغنام في المنطقة بانفجار ألغام.
كما انفجر لغم بسيارة تقل أربعة أشخاص، ما أدى إلى مقتلهم جميعًا.
“حتى المواشي لم تسلم، ففي وقت سابق، فقدتُ نعجتين وأصيبت ثالثة جراء انفجار لغم في أثناء رعيها”، قال طارق.
وأضاف أن الرعاة المتمرسين في البادية، اضطروا لتفجير الألغام بأنفسهم بطرق بدائية، عبر جمعها ووضع الحطب فوقها وإشعال النار.
الزراعة مشلولةلا تقتصر المعاناة على الرعي، فالزراعة متوقفة تمامًا، وقال عبد الستار الأحمد، مندوب قرية الهداج، “حتى لو سمحت الدولة بالزراعة ووفرت البذار، فلن يجرؤ أي صاحب جرار على دخول الأراضي لحرثها. لا أحد يقبل المخاطرة بحياته في أرض لم تخضع لمسح شامل وتطهير كامل من الألغام”.
وأضاف أنه يملك حديقة منزلية صغيرة، لكنه ومنذ شهر كامل، يبحث عن صاحب جرار ليأتي ويحرث هذه الأرض الصغيرة، لكن الجميع يرفض القدوم خوفًا من الألغام غير المكشوفة.
إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع، أكدت أن أفواج الهندسة تعمل بشكل متواصل في ريف حماة الشرقي.
وقالت في ردها على استفسارات عنب بلدي، إن المنطقة مدرجة ضمن خطط التمشيط والمعالجة، وإن العمل الميداني لم يتوقف.
وأوضحت أن أفواج الهندسة تعمل وفق معايير فنية واضحة ومراحل متدرجة، يبدأ التدخل بإزالة الأخطار المباشرة والظاهرة التي تهدد حياة المدنيين بشكل فوري، ثم تُستكمل عمليات المسح الأوسع تباعًا.
وفي ما يخص العودة الآمنة وتوفير الخدمات، قالت الإدارة، إن تأمين المناطق من مخلفات الحرب يشكل أولوية مستمرة، لكن بسبب الانتشار الواسع للمخلفات واتساع الجغرافيا، لا يمكن تحديد جدول زمني لذلك.
“إدارة الكوارث”: سوريا تسبح في بحر من الذخائرمن جانبها، أكدت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث أن فرقها تعمل على التوعية والمسح وإزالة مخلفات الحرب من خلال المركز الوطني لمكافحة الألغام التابع للوزارة.
وفي ردها على تساؤلات عنب بلدي، أوضحت الوزارة أن ريف حماة الشرقي كان تحت سيطرة النظام السابق، وبالتالي لا معلومات دقيقة عن عدد الضحايا في تلك الفترة.
وأضافت أن الاستجابة لحوادث انفجار مخلفات الحرب مرتبطة بالبلاغات، و”يوجد لدينا مركزان في المنطقة”.
وبخصوص حملات التوعية، أكدت الوزارة أنها بدأت منذ لحظة التحرير عبر التوعية المباشرة للسكان، وبالملصقات، وعبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وكشفت عن وجود تنسيق مع المنظمات الدولية والأمم المتحدة، إذ ينسق المركز الوطني لمكافحة مخلفات الحرب مع وحدة الأمم المتحدة للألغام ومع جميع الجهات العاملة في قطاع إزالة مخلفات الحرب.
وبشأن حجم المشكلة، قالت الوزارة، “سوريا تسبح على بحر من مخلفات الحرب، وسجلت أعلى عدد من الضحايا العام الماضي. بدأنا العمل بخطة وطنية، وسنسعى لجعل كل سوريا آمنة، لكن ذلك يحتاج إلى جهود كبيرة ووقت طويل وموارد هائلة”.
Related
إقرأ المزيد


