عيد المساخر.. الحرب والأسطورة في عالمنا المعاصر
عنب بلدي -

أحمد عسيلي

صحا العالم صباح السبت الماضي، في 28 من شباط، على خبر صادم، هجوم إسرائيلي- أمريكي يودي بحياة المرشد الأعلى في إيران، وقد بدا واضحًا منذ اللحظات الأولى، أن عملًا بهذا المستوى لا يمكن قراءته فقط عسكريًا أو سياسيًا، بل له أبعاد تتجاوز ذلك بكثير، وخاصة أن من قام به هو نتنياهو واليمن المتطرف الإسرائيلي، وبالتالي يجب قراءة الحدث من زاوية عقلية هذا اليمين وطريقة تفكيره.

لفهم هذا الحدث أكثر، يكفي أن ننظر إلى التوقيت ومدلولاته الدينية، فاختياره لم يكن مصادفة خالصة، فالهجوم جاء قبل أيام قليلة فقط من عيد المساخر، أو عيد البوريم، وهو العيد الذي يحتفل فيه اليهود سنويًا بذكرى النصر على الفرس والنجاة من مؤامرة الإبادة التي دبّرها الوزير هامان في بلاط الملك الفارسي زركسيس الأول، كما يرويها العهد القديم في سفر إستير، وتروي القصة باختصار أن إستير، المرأة اليهودية، نجحت في إقناع زوجها الملك بكشف مؤامرة هامان، لينقلب مسار الأحداث ويُعدم الوزير بدلًا من أن يُفنى اليهود، ولهذا يُسمى هذا العيد أحيانًا “عيد قلب الطاولة”، لأنه يرمز إلى لحظة انقلاب القدر لمصلحة الشعب اليهودي.

ربما لا تكون شخصية هامان الفارسي معروفة جيدًا في الوعي العربي، لأن هناك شخصية أخرى بالاسم نفسه ورد ذكرها في القرآن، وهو الوزير المرتبط بمشاريع البناء والعمران في عهد فرعون موسى، والمفارقة هنا، أن فكرة “قلب الطاولة” تكتسب معنى آخر أيضًا، حين تحول هذه الحادثة مدنًا عُرفت بناطحات سحابها وتطورها العمراني، مثل دبي والدوحة وأبو ظبي، والتي بنت سمعتها لسنوات بوصفها رموزًا للاستقرار والازدهار، إلى عناوين رئيسة في نشرات الأخبار، لكن هذه المرة من بوابات الحرب والتوتر.

حضور الأسطورة ظهر أيضًا حتى في رد فعل الجانب الفارسي، ففي الساعات الأولى بعد الهجوم، انتشرت صور لمؤيدين إيرانيين تجمعوا في المقامات الدينية وهم يستعيدون خطاب المأساة الحسينية، مستحضرين حادثة مقتل الحسين في كربلاء بوصفها رمزًا أبديًا للشهادة والظلم، وهذا الاستدعاء ليس جديدًا في الثقافة الإيرانية، بل هو امتداد لتقليد طويل من استحضار المآسي المؤسسة للهوية الجماعية، فقبل أن تصبح كربلاء مركز هذا الخيال الجمعي، عرف المجتمع الفارسي تقليدًا عريقًا في البكاء على الأبطال المأساويين، مثل قصة مقتل سهراب في الشاهنامة، حيث كان الإيرانيون يقيمون مجالس عزاء وبكائيات حول هذه الحكاية، ومع صعود الدولة الصفوية، اكتسبت مأساة الحسين مكانة مركزية في الهوية الإيرانية الشيعية، إذ وجد فيها الصفويون رمزًا دينيًا قادرًا على توحيد المجتمع وبناء تمايز واضح عن السلطنة العثمانية السنية، وفي الوقت نفسه وسيلة للحفاظ على الروح الفارسية ضمن إطار ديني جديد.

هذه الأساطير والحكايات ليست استثناء يخص منطقتنا وحدها، فكثيرًا ما يعتقد البعض أن التفكير الأسطوري أو الرمزي هو سمة خاصة بالمجتمعات التقليدية أو بما يسمى شعوب العالم الثالث، غير أن نظرة أوسع إلى الرموز السياسية في العالم المعاصر تكشف أنه رغم كل التقدم العلمي والتقني الذي حققته البشرية، فإنها لم تبتعد كثيرًا على المستوى النفسي عن البنى الرمزية القديمة التي رافقت المجتمعات الأولى.

في كتابه الشهير “الطوطم والتابو”، وصف المحلل النفسي سيغموند فرويد كيف كانت القبائل البدائية تمنح حيوانًا معينًا مكانة “الطوطم”، أي الرمز الذي يجسد روح الجماعة ويحميها ويختصر هويتها، وربما نعتقد أن هذا النمط من التفكير قد اختفى مع ظهور الدول الحديثة، لكن الواقع يشير إلى أن الفكرة نفسها ما زالت حاضرة، وإن تغيرت لغتها فقط، فالشعوب المعاصرة ما زالت تختصر هويتها في رموز حيوانية نكررها يوميًا في خطابنا السياسي والثقافي: الدب الروسي، التنين الصيني، الديك الفرنسي، الكنغر الأسترالي، وغيرها من الحيوانات التي أصبحت تمثل صورة الأمة في السياسة المعاصرة.

بهذا المعنى قد تكون الحداثة قد غيّرت اللغة التي نتحدث بها عن أنفسنا، لكنها لم تغيّر تمامًا البنية النفسية العميقة التي تنظّم علاقة المجتمعات بالرموز والأساطير، فما كان يسمى في الماضي “طوطمًا” أصبح اليوم شعارًا وطنيًا أو استعارة سياسية، لكن وظيفته الرمزية بقيت إلى حد بعيد كما هي: منح الجماعة صورة تختصر قوتها وهويتها، وتربط حاضرها بقصة أقدم منها بكثير.

قبل أسابيع قليلة، سخر السوريون من المحادثات المسربة التي كان يعتقد “النمر” أنه يجريها مع ضابط استخبارات إسرائيلي، حين تحدث عن لقاء “إيليا بعليا”، معتقدًا أن هذه العبارة قد تشجع الطرف الإسرائيلي على التحالف مع العلويين لإنشاء دولة الساحل، هذه الكلمات بدت هزلية وكوميدية، لكن هذا فقط لأن “النمر” لا يحمل الكاريزما، ولا القاموس اللغوي الكافي للتعبير عن هذه الفكرة، لكنها موجودة فعلًا حتى في عقول أشهر السياسيين وفي أكثر الدول تحضرًا.

يبدو أن العالم، رغم كل محاولاته لتقديم نفسه بوصفه عالمًا عقلانيًا تحركه المصالح المادية وحدها، ما زال في العمق محكومًا أيضًا بالأساطير والذاكرة الجماعية، فالحروب لا تحركها الحسابات السياسية فقط، بل تقف خلفها أيضًا قصص قديمة، وصور متوارثة، وسرديات تمنح الصراع معنى يتجاوز حدود الواقع المباشر.

Related

اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا

إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى



إقرأ المزيد