آن الأوان لنشوء معارضة منظمة للسلطة
عنب بلدي -

غزوان قرنفل

بعد أكثر من عام على سقوط نظام الأسد، لم تعد الأسئلة الكبرى في المشهد السوري تتعلق فقط بكيفية التخلص من إرث الاستبداد السابق، بل باتت تتركز بشكل متزايد حول طبيعة السلطة التي نشأت بعده، والمسار الذي اختارته، والآفاق التي تفتحها، أو تغلقها، أمام السوريين.

فبدلًا من أن تكون المرحلة الانتقالية جسرًا للعبور نحو دولة القانون والمؤسسات، تحولت تدريجيًا إلى سلطة تعمل على تجذير نفسها في مختلف مفاصل الدولة الأمنية والسياسية والإدارية بطريقة تكرس أبديتها، مستخدمة منطق السيطرة والإقصاء لا منطق الشراكة والتعدد.

لقد ترافقت عملية ترسيخ السلطة الانتقالية مع إغلاق شبه كامل للفضاء العام، حيث مُنع العمل السياسي المنظم، وحُظرت عمليًا إمكانية تشكيل أحزاب أو تيارات سياسية مناهضة لرؤى السلطة وتوجهاتها، هذا الإغلاق لا يمكن فهمه إلا بوصفه مؤشرًا خطيرًا على إعادة إنتاج نموذج حكم يخشى السياسة ويخاف من المجتمع، ويعتبر أي اختلاف تهديدًا يجب تحييده لا ظاهرة صحية يجب تنظيمها.

تكمن المفارقة الكبرى هنا أنها سلطة جاءت على أنقاض نظام استبدادي، لكنها سرعان ما استعارت أدواته وأساليبه في إدارة المجال العام، والأخطر من ذلك أن السياسات والقرارات التي اتخذتها هذه السلطة خلال العام الماضي أمعنت في تعميق الانقسام المجتمعي بدل العمل على رأب الصدع الذي خلّفته سنوات الحرب، فقد جرى التعاطي مع المجتمع السوري بوصفه كتلًا متناحرة لا مواطنين متساوين، وتم اتخاذ سلسلة من الإجراءات الكارثية التي مسّت وحدة المجتمع والجغرافيا السورية، وأسست لوقائع سياسية وإدارية تقوم على المحاصصة الضمنية، أو على تكريس سلطات أمر واقع متعددة بدل السعي الجاد لبناء عقد وطني جامع.

وإذا كان الفساد إحدى أبرز سمات النظام السابق، فإن ما يجري اليوم لا يقل خطورة أبدًا، حيث نشهد بوضوح إعادة إنتاج منظومات فساد جديدة تتغذى على غياب الشفافية وانعدام الرقابة واحتكار القرار، ورغم أن الأسماء قد تغيرت، فإن الآليات ظلّت واحدة، شبكات نفوذ وامتيازات غير مستحقة، وتداخل بين السلطة والمال، وكل ذلك يجري في ظل غياب أي معارضة منظمة قادرة على المساءلة أو حتى على تقديم سردية بديلة مقنعة.

في هذا السياق، لم يعد الحديث عن ضرورة نشوء معارضة منظمة ترفًا سياسيًا أو خيارًا مؤجلًا، بل صار واجبًا وطنيًا ملحًا، فالمجتمع السوري المنهك أصلًا من عقود الاستبداد وسنوات الحرب لا يملك اليوم ترف الدخول في تجارب فاشلة جديدة أو تكرار الأخطاء القاتلة التي وقعت فيها المعارضة السابقة حين ارتهنت للخارج، أو انزلقت إلى العسكرة، أو تحولت إلى كيانات مغلقة تعكس مصالح ضيقة لا همومًا وطنية عامة.

المطلوب اليوم معارضة مختلفة جذريًا في بنيتها وخطابها وسلوكها، معارضة تنطلق من إدراك عميق للتحولات التي طرأت على المجتمع السوري، ومن قراءة نقدية صريحة لتجربة المعارضة السابقة بلا تبرير ولا مكابرة، وأول شروط نجاح هذه المعارضة أن تكون مستقلة تمامًا عن كل البنى القائمة حاليًا في المشهد السوري، سواء تلك المرتبطة بالسلطة الانتقالية، أو بـ”قسد”، أو بالمرجعيات الدينية المحلية، أو برموز النظام السابق، لأن وجود أي شخص ينتمي فكريًا أو تنظيميًا إلى هذه البنى سيقوض منذ البداية صدقية أي مشروع معارض جديد، ويعيد إنتاج انعدام الثقة الذي خبره السوريون طويلًا، إلى جانب الاستقلال، لا بد أن يكون خطاب هذه المعارضة واقعيًا إلى أبعد حد، فالخطابات الثورية الفضفاضة، أو الوعود الكبرى غير القابلة للتحقق لم تعد تقنع أحدًا.

المطلوب خطاب سياسي هادئ وعقلاني وصريح يعترف بموازين القوى، ويطرح أهدافًا مرحلية قابلة للإنجاز، دون أن يتنازل عن المبادئ الأساسية، كما يجب أن يكون هذا الخطاب سلميًا بشكل واضح لا لبس فيه، رافضًا السلاح والعنف كوسيلة للتغيير، ومدركًا أن عسكرة السياسة كانت من أهم أسباب تدمير سوريا وتمزيق مجتمعها، أما على مستوى الرؤية، فيفترض أن يرتكز مشروع المعارضة المنشودة على مبدأي المواطنة وسيادة القانون بوصفهما حجر الزاوية لبناء أي دولة حديثة، مواطنة لا تميّز بين السوريين على أساس الدين أو القومية أو المنطقة الجغرافية، وقانون يسمو على الجميع حكامًا ومحكومين يضع حدًا لمنطق الامتيازات والاستثناءات.

في هذا الإطار، تبدو اللامركزية الإدارية الموسّعة خيارًا عقلانيًا ومتوازنًا، لا بوصفها خطوة نحو التقسيم، بل كآلية لإدارة التنوع، وضمان مشاركة حقيقية للمجتمعات المحلية في إدارة شؤونها ضمن دولة واحدة موحدة.

إن نشوء معارضة منظمة ووطنية وسلمية ومستقلة ليس مهمة سهلة في ظل الأوضاع الحالية المعقدة على مختلف المستويات، لكنه الطريق الوحيد المتبقي لمنع انزلاق سوريا إلى استبداد جديد بثوب مختلف، فغياب المعارضة لا يعني الاستقرار، بل يعني تفرد السلطة بالقرار وتراكم الأخطاء وانفجارها لاحقًا غالبا بأثمان أعلى.

من هنا، فإن المبادرة إلى بناء هذه المعارضة ليست فقط حقًا سياسيًا ودستوريًا يتعيّن ممارسته، بل هي واجب ومسؤولية وطنية تجاه سوريا والسوريين جميعًا، وتجاه مستقبل بلد لم يعد يحتمل مزيدًا من الانقسامات والخيبات.

Related

اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا

إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى



إقرأ المزيد