عنب بلدي - 3/8/2026 4:21:19 PM - GMT (+2 )
عنب بلدي ـ ركان الخضر
يحل رمضان في كل عام على سوريا، حاملًا معه طقوسه الدينية وعاداته الاجتماعية التي ربما يجتمع عليها المسلمون السوريون في بعض الأمور، ويتمايزون في عادات خاصة تُنسب لبعض المحافظات دون غيرها.
شهر الصوم بما يحمله من طقوس دينية تتمثل في زيادة التعبد والتقرب إلى الله بالصلاة والصيام، التي تبرز من خلال اكتظاظ المساجد بالمصلين لأداء التراويح والقيام، والاعتكاف وقراءة القرآن.
يتجاوز ذلك إلى عادات اجتماعية ترسخت في هذا الشهر المبارك، وأصبحت صفة ملاصقة له وسمة بارزة من سماته.
وتتميز عادات رمضان في المحافظات السورية بروحانية عالية وتكافل اجتماعي، ويتمثل أبرزها في “السكبة” و”تبييض السفرة” و”التكريزة” وتزيين الأسواق القديمة بالفوانيس، مع موائد غنية بـ”الفتوش” و”الفتة” وحلويات “الناعم” و”المعروك”، و”الشاكرية” و”الكبة اللبنية” في الأيام الأولى.
في الجنوب السوري وتحديدًا في درعا والقنيطرة، تبدو الصورة مشابهة لكثير من المحافظات السورية في عدد ربما يعد ولا يحصى من التقاليد الاجتماعية المتشابهة، لكنهما تتميزان في أشياء أخرى تمثل بصمة اجتماعية تخصصت بهما هاتان المحافظتان المتجاورتان والمتشابهتان في كثير من التقاليد عبر الزمن.
عادات كان الزمن عصيًا على كسرها، برغم تبدل الظروف والأحوال، وطبيعة المعيشة، وهموم الناس وتفكيرهم وكثرة انشغالاتهم.
من هذه العادات التي تبرز في رمضان ما يسمى اجتماعيًا “طعمة العنايا”، التي يقصد بها الاطمئنان على قريبات الرجل من النساء وإكرامهن، بما يشمل أخواته الإناث وعماته وخالاته وجداته، وربما أبعد من ذلك فيصل الأمر إلى قريباتهن أيضًا.
ويُقصد بـ”العنية” أي امرأة أنت معنيّ بها، أو تحت عنايتك. و”العنية”، هي البنت والأخت وبنات الأخ والعمة المتزوجات.
هدايا مادية أو عناية معنوية“طعمة العنايا”، عادة تحمل بعدًا اجتماعيًا يقوم على الترابط والتكافل والشعور بالآخر في شهر اعتاد فيه الناس الالتفاف والاقتراب من بعضهم أكثر، يجد فيها أهل الجنوب السوري وسيلة للتراحم، والتقرب من الخالق والزيادة في الثواب.
وهي تقوم على تقديم الرجل (الإخوة، الأعمام، الأخوال) هدايا نقدية أو عينية من اللحوم والدجاج لأقاربهم من النساء (الأخوات، البنات، العمات، الخالات)، لتعزيز صلة الرحم وإدخال الفرحة في رمضان.
تحاول عنب بلدي استطلاع آراء أبناء درعا والقنيطرة، للوقوف على مدى محافظة أهالي المحافظتين على هذه العادة، في زمن بات كل شيء فيه مختلفًا.
صلة رحم والتزام دينيتعتقد إيمان السعيد، المقيمة حاليًا في مدينة السلام بمدينة القنيطرة، وهي مهجرة من مدينة الحجر الأسود بريف دمشق، أن قضية مساعدة “العنايا” تمثل ركنًا من الدين الإسلامي، وتعود بالدرجة الأولى إلى مدى الالتزام بالدين والتربية.
وقالت إن هذه العادة في القنيطرة تشكل شيئًا أخلاقيًا، لا يمكن وصفه من أي باب إلا بصفات جميلة، وهي عادات متوارثة عبر الأجيال ولا تقتصر على المادة، من وجهة نظر إيمان.
إيمان تابعت أنه في بعض الأحيان، يكون الاتصال الهاتفي كافيًا للاطمئنان بالكلمة الطيبة، لكن إذا اجتمعت الهدية مع السؤال عن الأحوال يكون التواصل أفضل وأحسن، مستحضرة المثل الشعبي “غنية وبحب الهدية”، التي ليس بالضرورة أن تكون مكلفة ومادية.
فالهدية، بحسب رأيها، تزرع الألفة بين الناس وتدخل السرور في القلب، والأمور بقيمتها المعنوية أكثر من المادية، كما أن الدين الإسلامي حض على صلة الأرحام.
وأضافت إيمان أن مساعدة “العنايا” هي جزء من الطاعة، و”العنية” لا تقتصر على قريبة الدم، بل تنطبق على الجارة وصديقه الأم، والأيام الحالية برأيها، تعتبر أفضل الأوقات لهذه العادات.
أحمد بكر، من قرية جباتا الخشب بريف القنيطرة الشمالي، قال لعنب بلدي، إن “العنية” هي ما تسمى “الرحم”، والمقصود بها الأم والأخت والخالة والعمة المتزوجات أو العازبات.
وأضاف أحمد أن صلة الأرحام عادة اجتماعية محافظ عليها في القنيطرة، خاصة في الأعياد والمناسبات، وهي زيارة تكون مصحوبة بهدية مادية أو عينية تمثل جبرًا للخاطر أكثر من قيمتها المادية، فالأب يرسل أحد أولاده الذكور ليزور شقيقاته الإناث “ويجبر بخاطرهن”.
هذه العادة، برأي أحمد، تراجعت في هذا الأيام عن السابق، بسبب انشغال الناس بمشكلات وهموم الحياة وخاصة المادية، لكن العائلات ما زالت محافظة عليها بالقدر اليسير، “لأن الخير موجود”، بحسب تعبيره.
متوارَثة عن الآباء والأجدادقال محمود عبد الله، من قرية غدير البستان في ريف القنيطرة الجنوبي لعنب بلدي، إن عادة “مساعدة العنايا” أو ما تسمى لدينا “طعمة العنايا”، هي متوارثة عن الآباء والأجداد وخاصة في شهر رمضان.
وأضاف أن لديه أمه وأخواته البنات وعماته وخالاته وبنات أخيه، جميعهن المتزوجات أو العازبات، يقوم بزيارتهن ومساعدتهن، مشيرًا إلى أن العائلة تقوم بدعوتهن إلى الإفطار في رمضان.
وأوضح محمود أنه لا يتردد في تقديم المساعدة المالية، إذا كانت لديه الإمكانية خاصة إذا كانت إحدى “العنايا” تعاني من وضع مادي ضعيف.
ونوه إلى أن هذه العادات لا تزال موجودة، رغم الأوضاع المادية الصعبة، وأي شيء يقدم حسب الاستطاعة، مبيّنًا أن المساعدة في السابق كانت عينية ومادية، فالشيء المهم برأيه، هو التواصل الاجتماعي مع جميع قريباته، وهي عادة اجتماعية تتوسع عند عائلة محمود إلى مساعدة أي فقير في القرية أو من المعارف، حسب الإمكانيات دون فرض من أحد.
في درعا، المشهد لا يختلف عن القنيطرة، فقد قالت فوزية المحمد، من سكان بلدة تل شهاب في ريف درعا الغربي، إن لدى عائلتها عرفًا في توزيع الدجاج المذبوح على أسرتها منذ 20 عامًا، ولم يتخلفوا عن هذا الطقس الرمضاني رغم تبدل أسعار الدجاج الذي يشهد ارتفاعًا ملحوظًا في شهر رمضان بسبب ارتفاع الطلب عليه.
وأشارت إلى أن “العنية” هي الابنة والأخت المتزوجة، فالبعض يصل أرحامه عبر إرسال الدجاج المذبوح الذي يدخل بإحدى الموائد الرئيسة في معظم المنازل.
وأضافت فوزية أن أهلها لا يكتفوا بإرسال الدجاج، إنما يجمعوا “العنايا” في وليمة بمنزل الأب أو الأخ، وهو طقس محافظ عليه أيضًا حتى يومنا هذا في محافظة درعا.
عادة اجتماعية لم تكسرها الظروفيبدو من الآراء السابقة أن تغير الظروف وتبدل الأحوال وانشغالات الناس عن بعضهم، كانت عاجزة عن كسر هذه العادة التي رأى فيها الأهالي موقفًا جميلًا وإيجابيًا وشكلًا من أشكال التكافل الاجتماعي والإحساس بالتقارب والتآخي.
ووصفها آخرون بأنها تعبير عن صلة الرحم، وتمثل بعدًا جميلًا يكرس وصايا الدين الإسلامي الذي شجع على صلة الرحم والتعاضد والإحساس بالآخرين.
فمساعدة “العنايا” كعادة اجتماعية في الجنوب السوري تتعدى المساعدات المادية إلى التقارب المجتمعي الذي لا ينظر إلى الأحوال المادية بقدر ما يعطي اعتبارًا أكبر للتقارب الاجتماعي الذي يتجاوز في بعض الأحيان صلة القربى إلى الجيران والأصدقاء والمعارف.
وهي عادة اجتماعية أصيلة ومتوارثة تعد جزءًا من هوية المجتمع في الجنوب السوري، نشأت من حرصه على إبقاء طقوس رمضان الاجتماعية حية، وأصبحت صفة ملاصقة وسمة واضحة من سمات الجنوب الذي تميز بها عن غيره.
Related
إقرأ المزيد


