دراما المجتمع تسحب البساط من “الشامية”.. و”الكوميديا” ضعيفة
عنب بلدي -

عنب بلدي ـ أمير حقوق

مع وصول الأعمال الدرامية السورية إلى منتصف السباق الرمضاني، وبعد عرض نحو 15 حلقة من كل مسلسل، بدأت ملامح الموسم تتضح بصورة أكثر دقة، بعيدًا عن الانطباعات الأولية وحملات الترويج.

لم يعد منتصف الموسم محطة عابرة، بل لحظة تكشف ما إذا كانت الأعمال قادرة على استكمال تصاعدها حتى الحلقة الأخيرة، أم أنها استنزفت ذخيرتها مبكرًا.

وبين من يرى أن الدراما السورية استعادت ثقلها عربيًا، ومن يعتبر أن العودة لم ترتقِ إلى مستوى الطموح، تتقاطع قراءتان نقديتان لتقدّما مشهدًا متكاملًا للموسم، من حيث ملامحه العامة وقضاياه ونجومه وأنماطه الفنية.

ملامح الموسم.. عودة ثقل أم عودة عادية؟

الموسم الحالي بدا مكثف الحضور من حيث عدد الأعمال، وتنوعها بين المسلسلات السياسية والاجتماعية والبيئة الشامية والكوميدية، مع ظهور مؤشرات على تفاوت واضح في مستوى الأعمال المقدمة، ما يجعل التقييم ينقسم بين من يرى استعادة لروح الدراما السورية، ومن يعتبر أن الحضور لا يعني بالضرورة القوة.

يرى الناقد الفني عامر عامر، أن الموسم شهد “عودة ملحوظة للثقل السوري” إلى مركز المنافسة عربيًا، سواء عبر الأعمال الاجتماعية المعاصرة أو إعادة صياغة البيئة الشعبية.

وقال عامر لعنب بلدي، إن الحضور لم يكن كميًا فقط، بل نوعيًا من حيث النصوص والإخراج، مع محاولة واضحة لاستعادة الهوية البصرية السورية القائمة على الواقعية والأداء الطبيعي، والاشتغال على التفاصيل اليومية.

في المقابل، يختلف الصحفي والكاتب جورج درويش مع توصيف “العودة القوية”، معتبرًا أن ما تحقق هو عودة عادية، إذ لا يتجاوز عدد الأعمال الناجحة، برأيه، عملين أو ثلاثة، فيما أخفقت بقية الإنتاجات في تحقيق شروط الدراما المتكاملة.

وقال درويش، في حديث إلى عنب بلدي، إن أبرز ما ميّز الموسم هو السرعة في الإنجاز، حيث بدت نسبة كبيرة من المشاهد منفذة بروح الاستسهال بهدف ملء الحلقات.

الدراما السورية أنتجت 21 عملًا فنيًا للموسم الرمضاني 2026، صُوّرت داخل سوريا، بتكلفة إجمالية قاربت 25 مليون دولار، وتعرض خلال شهر رمضان على أكثر من 50 قناة تلفزيونية ومنصة إلكترونية.

لجنة صناعة السينما والتلفزيون

القضايا المطروحة.. بين الجرأة والتقريرية

في الدراما، لا تُقاس قوة الموسم بعدد الأعمال فقط، بل بطبيعة القضايا التي يختارها صنّاعه وبالزاوية التي تُقدَّم من خلالها، فالموضوعات المطروحة تعكس في كثير من الأحيان المزاج الاجتماعي والثقافي الذي تعيشه المجتمعات، كما تكشف توجهات الكتاب والمنتجين في قراءة الواقع أو إعادة صياغته دراميًا، فكيف تناولت الأعمال المقدمة قضاياها؟

الناقد الفني عامر عامر، أشار إلى أن المزاج العام اتسم بواقعية اجتماعية داكنة، عالجت قضايا الفقر والفساد والتفكك الأسري وصراع القيم وأثر الحرب، مع جرأة ملحوظة في طرح ملفات حساسة، واعتماد شخصيات رمادية أخلاقيًا، بعيدًا عن نموذج “البطل المطلق”.

لكنه لفت في الوقت ذاته إلى وقوع بعض الأعمال في فخ التقريرية المباشرة والمبالغة في سوداوية الطرح، إضافة إلى تكرار “ثيمات” الضحية والانتقام من دون تطوير بنيوي كافٍ.

أما الصحفي والكاتب جورج درويش، فانتقد طريقة إدخال السياسة في أعمال لا تستدعي ذلك دراميًا، معتبرًا أن بعض المسلسلات أقحمت إشارات سياسية بهدف إثارة الجدل، ما أدى إلى ضياع الفكرة الرئيسة.

وضرب درويش مثالًا بمسلسل “عائلة الملك”، الذي وصف فكرته بالجميلة، لكنه رأى أن كثرة الإسقاطات أضعفت بنيته، في المقابل، اعتبر أن مسلسل “مولانا” شكّل التجربة الأبرز هذا الموسم، لما حمله من رسائل واضحة وإسقاطات مدروسة على الواقع السوري القديم والجديد.

بعض المسلسلات أقحمت إشارات سياسية بهدف إثارة الجدل، ما أدى إلى ضياع الفكرة الرئيسة.

جورج درويش

صحفي وكاتب

ويتفق عامر ودرويش على أن القضايا كانت راهنة وتعكس المزاج الاجتماعي، لكن نجاحها ظل مرهونًا بقوة النص والمعالجة لا بجرأة الطرح وحدها.

المسلسلات السورية الأكثر بحثًا على “جوجل”:

  • “مولانا”
  • “اليتيم”
  • “القيصر”
  • “بخمس أرواح”
  • “مطبخ المدينة”
  • “الخروج إلى البئر”
  • “سعادة المجنون”

أما المسلسلات السورية الأكثر مشاهدة عالميًا على منصة “شاهد” السعودية فهي:

  • “مولانا” في المرتبة الثانية

  • “بخمس أرواح” في المرتبة الثامنة

وجوه شابة وعودة لنجوم الصف الأول

الموسم الحالي شهد حضورًا لافتًا لعدد من نجوم الصف الأول، بالتوازي مع محاولات واضحة لإفساح المجال أمام جيل جديد من الممثلين، كما شكّلت عودة بعض الفنانين بعد غياب طويل محطة لافتة في متابعة الجمهور، ما فتح باب المقارنة بين الأداء والخبرة، وبين رهانات الإنتاج على الأسماء المعروفة أو الوجوه الصاعدة.

يرى الناقد الفني عامر عامر، أن الموسم شهد عودة أسماء ثقيلة من نجوم الصف الأول، “حملت الأعمال على أكتافها”، وقدّمت أدوارًا أكثر هدوءًا ونضجًا، بعيدًا عن الأداء الاستعراضي.

وأكد أن بعض الثنائيات العاطفية والصراعية كانت ناجحة دراميًا، بينما بدت ثنائيات أخرى مفروضة تسويقيًا أكثر منها عضوية داخل النص، لافتًا إلى أن الموسم منح مساحة مناسبة للوجوه الشابة، وإن عانت بعض الشخصيات من نمطية في الكتابة.

من جهته، الكاتب جورج درويش، أثنى على حضور عدد من الوجوه الشابة، وعلى صعيد الثنائيات، يختلف درويش مع الرأي القائل بوجود “شراكات استثنائية”، في حين اعتبر عودة الفنانة تاج حيدر المفاجأة الأبرز هذا الموسم، خاصة في ثنائيتها مع باسل خياط، التي وصفها بالأكثر تميزًا.

وشهد الموسم الرمضاني الحالي عودة لافتة لعدد من الفنانين السوريين الذين غابوا عن الدراما لسنوات عديدة، نتيجة موقفهم السياسي، ومنهم فارس الحلو ومحمد أوسو ويارا صبري وسلافة عويشق وعبد الحكيم قطيفان وجمال سليمان.

صدارة “الاجتماعية” وتراجع الكوميديا والبيئة الشامية

الموسم الرمضاني الحالي جاء مختلفًا عن السنوات الماضية، حيث تصدّرت الدراما الاجتماعية المشهد على حساب الكوميديا وأعمال البيئة الشامية التي تراجعت بشكل ملحوظ، إذ اتجهت الأعمال بشكل واضح نحو اقتناص الواقع اليومي وقضاياه المباشرة.

يوافق الناقد عامر عامر على فكرة أن الدراما الاجتماعية تصدّرت المشهد بوضوح، نظرًا إلى قربها من الواقع اليومي وانخفاض تكلفتها الإنتاجية، وملاءمتها لمنصات العرض الحديثة، إضافة إلى حاجة الجمهور لرؤية انعكاس معاناته على الشاشة.

وأشار إلى أن الكوميديا واجهت أزمة نص واضحة، وأن البيئة الشامية لم تعد مهيمنة كما في السابق بسبب تشبّع الجمهور من صيغتها التقليدية.

الدراما الاجتماعية تصدّرت المشهد بوضوح، والكوميديا واجهت أزمة نص واضحة، والبيئة الشامية لم تعد مهيمنة.

عامر عامر

ناقد فني

أما الصحفي والكاتب جورج درويش، فيذهب أبعد في توصيفه، معتبرًا أن الكوميديا كانت “صفرًا” هذا الموسم، وأن البيئة الشامية لم تعد تلامس المشاهد، بسبب تكرار الديكورات والأنماط نفسها، وهذا ما دفع الجمهور بحماسة للدراما الاجتماعية.

ما أبرز المسلسلات المنتَجة؟

تتنوع المسلسلات السورية على مائدة المشاهد السوري والعربي، بين البيئة الشامية والدراما السياسية والقصص الاجتماعية المعاصرة، إلى جانب الكوميديا والفانتازيا.

وفي تقرير سابق نشرته عنب بلدي، عرضت الخريطة الدرامية، وتحدثت عن حكايات المسلسلات وأبطالها، إذ تناول عملان منها الدراما السياسية، وطرحا حقبة النظام السابق، خاصة قضية الاعتقالات، هما “الخروج إلى البئر” و”قيصر”.

كما تضمنت الأعمال الاجتماعية عدة مسلسلات منها، “بخمس أرواح” بطولة كاريس بشار وقصي خولي، و”مولانا” بطولة تيم حسن ونور علي، و”مطبخ المدينة” بطولة أمل عرفة ومكسيم خليل، و”هو وهي وهيا” بطولة باسل خياط وتاج حيدر، و”سعادة المجنون” بطولة سلافة معمار وعابد فهد، و”عيلة الملك” بطولة سلوم حداد وجوان خضر ولجين إسماعيل.

أما الأعمال الكوميدية فشهدت حضورًا عبر “ما اختلفنا 3″ و”بنت النعمان” و”يا أنا يا هي”، وحققت أعمال البيئة الشامية حضورها المعتاد عبر عدة إنتاجات، منها “اليتيم” و”النويلاتي”.

أين أخفق الموسم؟

الناقد الفني عامر عامر، لخّص مكامن الإخفاق في دراما الموسم الرمضاني، في ضعف بعض النصوص مقابل قوة الإنتاج، والإطالة غير المبررة لملء 30 حلقة، وتكرار “الثيمات” الاجتماعية، وغياب التجريب النوعي، إضافة إلى قلة الأعمال القصيرة المحكمة.

أما درويش فحمّل المسؤولية أساسًا لسرعة الإنجاز وضعف السيناريوهات، مؤكدًا أن الفكرة وحدها لا تكفي، وأن السيناريو المتماسك هو العمود الفقري لأي عمل ناجح، مشيرًا إلى ضرورة وجود كتّاب قادرين على صياغة نصوص قوية وسلسة.

Related



إقرأ المزيد