سوريا تنفي أي تدابير هجومية على لبنان
عنب بلدي -

تشهد أوساط لبنانية، مؤخرًا، مخاوف متزايدة من دور سوري محتمل في ظل التطورات المتسارعة داخل البلاد.

وتتركّز هذه المخاوف حول عودة التأثير السوري المباشر أو استغلال الفراغ الأمني، وسط تباين في المواقف اللبنانية بين التحذير من العودة للوصاية السابقة وبين البحث عن استقرار أمني.

في حين يسود توتر بين الجيش السوري و”حزب الله” على الحدود بين سوريا ولبنان، خاصة بعد إعلان الجيش السوري تعزيز انتشاره على الحدود مع لبنان والعراق، لـ”ضبط الأمن ومنع تهريب الأسلحة والمخدرات”، وفق ما ذكرته هيئة عمليات الجيش.

كما أن هناك مخاوف في دمشق من أن يجر “حزب الله” سوريا إلى الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.

دمشق: الحشود إجراء دفاعي طبيعي جدًا

المتحدث باسم وزارة الدفاع السورية حسن عبد الغني، أكّد أن الحشد العسكري عند الحدود اللبنانية هو إجراء احترازي دفاعي طبيعي جدًا وليس تدبيرًا هجوميًا، وذلك في ردّه على المعلومات المتعلّقة بدور سوري أكبر في لبنان والمخاوف اللبنانية من حشود سورية على الحدود.

وقال المتحدث باسم وزارة الدفاع السورية، إن “الكلام تحت الطاولة والأزقة والأماكن المظلمة ولّى، فاليوم السياسة والتوجيهات واضحة، بتأييد سلطة الدولة اللبنانية على السلاح وبسط سيطرتها بشكلٍ كامل على الأراضي اللبنانية”.

وأضاف المتحدث، في مقابلة مع قناة “MTV” اللبنانية، أن التنسيق بين الجانبين يجري على أعلى المستويات، موضحًا أن الانتشار على الحدود اللبنانية يجري بالتنسيق مع الجيش اللبناني.

والهدف من هذا الانتشار، بحسب المتحدث، هو ضبط أي حالة تجاوز على الأرض، ويخدم الداخل اللبناني والسوري على حد سواء.

وشدد عبد الغني على أن الرئيس الشرع يؤيد سلطة الدولة اللبنانية على أراضيها والتوجيهات داعمة للجيش اللبناني وبسط سلطته وننسق لضبط أية حالة تجاوز على الأرض.

وأردف “الجميع يعرف أن مصلحة حزب الله هي بازدياد التوتر في المنطقة ولم يحصل أي إنزال برّي من الجانب السوري وأولوية دمشق هي للنمو والإعمار والاقتصاد”.

ومع إعلان سقوط نظام الأسد، ودخول أحمد الشرع إلى دمشق، أصدر سلسلة من التصريحات التي وصفت بالإيجابية تجاه دول الجوار والمنطقة ومنها لبنان، إذ أكد على أن عهد التدخل السوري في شأن لبنان الداخلي ولّى مع سقوط الأسد، الذي سقط في لبنان كسقوطه في سوريا.

وأوضح الشرع، حينها، أن سوريا الجديدة لن تصدر الثورة ولا تسعى للانتقام أو الثأر، بل سينصب تركيزها على إعادة بناء البلاد وإعمارها وتنميتها، مستلهمًا ذلك من التجربة الخليجية.

وفي 9 من آذار الحالي، التقى القائم بأعمال السفارة السورية في لبنان إياد الهزاع، وزير الخارجية والمغتربين اللبناني يوسف رجي، لبحث آخر التطورات في لبنان والمنطقة.

وبيّن الهزاع، وفق ما نشرته وزارة الخارجية اللبنانية، أن الحشود العسكرية على الحدود مع لبنان تندرج ضمن إجراءات تهدف إلى تعزيز ضبط الحدود والحد من عمليات التهريب، والحفاظ على الأمن الداخلي السوري، على غرار التدابير المعتمدة على الحدود السورية-العراقية.

من جانبه، شدد وزير الخارجية اللبناني على أهمية الحفاظ على الصفحة الجديدة التي تفتح في العلاقات بين البلدين، والمرتكزة على مبدأي احترام سيادة كل دولة وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، مثمنًا الموقف الرسمي السوري في هذا الصدد.

وتطرق الوزير اللبناني إلى ضرورة المضي في معالجة الملفات العالقة بين لبنان وسوريا، وفي مقدمتها ملف المفقودين اللبنانيين في الأراضي السورية، وترسيم الحدود المشتركة، وأزمة النزوح السوري، إضافة إلى مسألة الموقوفين السوريين في السجون اللبنانية.

التنسيق مطلوب لتجفيف إمدادات “حزب الله”

دبلوماسي في الخارجية الفرنسية قال لعنب بلدي، إن الجهود لا تزال مستمرة للوصول إلى تسوية على الحدود السورية – اللبنانية، معتبرًا أن تحسين التنسيق بين البلدين الجارين من شأنه أن يكون مفيدًا ويساعد على تجنب سوء الفهم بشأن نوايا كل جانب وأفعاله.

وأضاف الدبلوماسي الفرنسي أن هذا التنسيق من شأنه أيضًا تلافي وقوع حوادث محتملة والمساعدة في تجفيف إمدادات “حزب الله” التي تمر عبر الحدود الرخوة، على حد قوله.

تقديرات لمركز “ألما” البحثي الإسرائيلي، أشارت إلى أن الحكومة السورية قد تسعى لاستثمار الانشغال الإقليمي لتعزيز انتشارها العسكري وإعادة ترتيب وضعها الأمني في عدد من المناطق داخل البلاد.

وبحسب تقرير نشره المركز، الجمعة 13 من آذار، فإن الحرب الدائرة في المنطقة تخلق ما وصفها بـ”فرصة تكتيكية” للحكومة السورية، رغم أن سوريا لا تشارك بشكلٍ مباشر في العمليات العسكرية، واقتصرت تأثيرات المواجهة حتى الآن على سقوط بقايا صواريخ وطائرات مسيّرة نتيجة عمليات الاعتراض في الأجواء الإقليمية.

فرصة لإضعاف الخصوم

يشير التقرير إلى أن المواجهة بين إسرائيل وإيران، إضافة إلى الصراع بين إسرائيل و”حزب الله”، قد تُضعف أطرافًا كانت خلال سنوات الحرب السورية من أبرز الداعمين لنظام بشار الأسد.

وخلال سنوات الحرب في سوريا، لعبت إيران و”حزب الله” دورًا رئيسًا في دعم النظام السوري عسكريًا في مواجهة فصائل المعارضة، وبحسب ما وصفه التقرير، فإن الأمر ترك حالة عداء عميقة لدى قطاعات واسعة من المجتمع السني في سوريا تجاه ما يُعرف بـ”المحور الشيعي”.

وفي هذا السياق، أشار مركز “ألما” إلى تقارير وصفها بـ”غير المؤكدة” عن احتمال أن تسعى دمشق إلى استغلال الظرف الإقليمي من أجل توجيه ضربة أو اتخاذ إجراءات ضد “حزب الله” في لبنان، في إطار تصفية حسابات مرتبطة بمرحلة الحرب السورية.

تعزيز الانتشار العسكري جنوبًا

بالتوازي مع التطورات الإقليمية، عززت القوات السورية انتشارها العسكري في عدة مناطق حدودية، أبرزها الحدود مع العراق ولبنان، إضافة إلى مناطق في الجنوب السوري قرب الحدود مع إسرائيل.

ويقول التقرير، إن الانتشار على الحدود العراقية يهدف إلى منع تسلل ميليشيات موالية لإيران إلى الأراضي السورية أو استخدامها كنقطة انطلاق لهجمات ضد إسرائيل، بينما تشير تقارير أخرى إلى أن التعزيزات مرتبطة بعودة نشاط تنظيم “الدولة الإسلامية” في منطقة البوكمال شرقي سوريا.

أما على الحدود اللبنانية، فجاء تعزيز الانتشار العسكري في ظل التوتر المتصاعد بين إسرائيل و”حزب الله”، مع سعي دمشق إلى منع تسلل المقاتلين أو انتقال السلاح عبر الحدود، إضافة إلى الحد من امتداد المواجهات إلى الداخل السوري.

تحركات قرب الجولان

كما رصد المركز تحركات لقوات سورية في الجنوب، خاصة في محافظتي درعا والقنيطرة، القريبتين من هضبة الجولان.

وتقول دمشق، إن هذه الإجراءات تأتي ضمن تدابير أمنية احترازية لتعزيز الحواجز الأمنية ومنع استغلال التوترات الإقليمية من قبل مجموعات مسلحة.

لكن المركز يرى أن هذه التحركات قد تسمح للحكومة السورية بتوسيع وجودها العسكري تدريجيًا قرب خط فصل القوات مع إسرائيل، خاصة في مناطق مرتفعة استراتيجية توفر قدرة مراقبة واسعة لمناطق الجولان وشمال إسرائيل.

ومنذ التحول الكبير الذي شهدته سوريا مع سقوط النظام السابق، دخلت العلاقات اللبنانية- السورية مرحلة غير مسبوقة من حيث الإمكانات المتاحة، لا من حيث النتائج المحققة.

التحول لم يقتصر على تبدل الوجوه في دمشق، بل طال الفلسفة السياسية التي تحكم مقاربة سوريا لجوارها، وفي مقدمتهم لبنان، الذي لطالما دفع ثمن اختلال هذه العلاقة واستخدامه كساحة نفوذ وتصفية حسابات.

ماكرون يشيد بدعم الشرع لسيادة لبنان

دمشق تدعم نزع سلاح “حزب الله”

الرئيس السوري أحمد الشرع أكد دعم سوريا الكامل لاستقرار لبنان وسلامته، ومساعي الحكومة اللبنانية لاستعادة السيادة وتعزيز الأمن ونزع سلاح ما وصفه بـ”ميليشيا حزب الله”.

وأضافت وكالة الأنباء الرسمية (سانا)، أن الشرع شدد خلال مشاركته في مكالمة هاتفية ثلاثية، في الحادي عشر من مارس، مع الرئيسين الفرنسي إيمانويل ماكرون واللبناني جوزاف عون، على أهمية فتح صفحة جديدة في العلاقات بين سوريا ولبنان، تقوم على التعاون والتنسيق بين البلدين بما يخدم مصالح الشعبين الشقيقين.

وقبل أيام دان الشرع ما سمّاه محاولات إيران المستمرة لزعزعة استقرار العواصم العربية، وأعرب عن دعمه للخطوات التي وصفها بالجادة والحاسمة التي تتخذها حكومتا العراق ولبنان لإبعاد الخطر عن بلديهما.

وأضاف الشرع أن التصعيد الراهن في الشرق الأوسط يمثل تهديدًا وجوديًا للمنطقة بأسرها، وفق تعبيره.

وجاءت تصريحاته خلال مشاركته في اجتماع عبر تقنية “الفيديو”، مع عدد من قادة دول الشرق الأوسط، بدعوة من رئاسة المجلس الأوروبي والمفوضية الأوروبية، بهدف مناقشة التطورات العسكرية في المنطقة، وسبل خفض التصعيد ودعم المسار الدبلوماسي.

وقال الشرع خلال كلمته: “نسقنا موقفنا الموحد مع دول المنطقة، وعززنا قواتنا الدفاعية على الحدود احترازيًا لمنع نقل تداعيات الصراع إلى الأراضي السورية، ومكافحة التنظيمات العابرة للحدود، ومنعها من استخدام الأراضي السورية”، في إشارة إلى حزب الله اللبناني.

وأدّى انهيار النظام السوري السابق إلى اهتزاز منظومة النفوذ الإقليمي التي شكّل لبنان أحد أبرز امتداداتها خلال عقدين من الزمن، من خلال مثلث طهران- دمشق- بيروت، فعصفت التحولات العميقة في صلب المشهد في كلا البلدين بشكلٍ متتابع، واستفادت كل من دمشق وبيروت من المناخ الإقليمي لتكريس مشهد سياسي جديد يتناغم والمؤشرات السائدة.

Related



إقرأ المزيد