تأهيل “عصري” لحدائق دمشق .. مهمة المحافظة أم مستثمري “الأكشاك”؟
عنب بلدي -

أوضحت محافظة دمشق، في 14 من شهر آذار، أن الحدائق العامة في المدينة ستبقى مساحات خضراء مفتوحة ومجانية أمام جميع المواطنين.

وأشارت المحافظة عبر صفحتها الرسمية على “فيسبوك”، أن ما يجري تداوله حول استثمار بعض الحدائق لا يعني تحويلها إلى مشاريع تجارية، وإنما يقتصر على إشغال جزء محدود منها لإقامة مرافق خدمية بسيطة، على أن يسمح للمستثمر، بحسب بيان محافظة دمشق، باستخدام ما لا يتجاوز 5% من مساحة الحديقة فقط، وذلك لإقامة مرافق خدمية بسيطة مثل كافتيريا أو كشك أو مقهى.

وأضافت المحافظة أن ارتفاع الإشغال لا يتجاوز 6 أمتار، وخالي تمامًا من الكتل الإسمنتية، بالإضافة إلى أنه قابل للفك والتركيب، مقابل التزامه (المستثمر) بإعادة تأهيل الحديقة بشكل حضاري وفق تصميم عصري، والصيانة الدورية للمساحات الخضراء، وأعمال السقاية والإنارة، وخدمات النظافة، وأماكن الجلوس العامة، والرياضة، وألعاب الأطفال.

الهدف من هذه الخطوة، بحسب المحافظة، هو تحسين الخدمات داخل الحدائق والحفاظ على جمالها واستدامة صيانتها، بما يليق بمظهر دمشق الحضاري، وفقًا للمحافظة.

وأثارت توجهات محافظة دمشق لطرح جزء من المساحات الخضراء للاستثمار جدلًا واسعًا، وسط تحذيرات من تحول المتنفسات الطبيعية إلى مشاريع تجارية تغيب عنها الهوية المجتمعية.

الدور الحيوي للحدائق

الخبير الاقتصادي مجدي الجاموس، أشار إلى رصد حالات استثمار في بعض حدائق مدينتي درعا ودمشق، تتم بطرق تقوم على المحسوبية.

واعتبر في حديث لعنب بلدي، أن لجوء الدولة للاستثمار في الحدائق العامة لسد العجز المالي أو زيادة الإيرادات، هو دليل على عجز في تحقيق استثمارات اقتصادية حقيقية في قطاعات أخرى.

الجاموس، أكد على الدور الحيوي الذي تلعبه الحدائق العامة والمساحات الخضراء في تحسين جودة حياة السكان، معتبرًا أن توفير هذه المساحات يمثل حقًا للمواطن على الدولة، ولا سيما لذوي الدخل المحدود.

وأوضح الجاموس أن أهمية هذه المساحات تكمن في كونها متنفسًا طبيعيًا يضمن الحصول على هواء نقي بعيدًا عن ضجيج المدن والعواصم، ومكانًا للاستجمام والراحة للسكان.

وإذا كان هدف التحسين هو توفير خدمة الدخول المجاني إلى الحديقة والجلوس فيها متى شاء بالطريقة التي تناسبه، فهذا “تحسين محمود، أما إذا كان التحسين من باب الاستثمار، فهذا أمر غير مقبول إطلاقًا”، بحسب الجاموس.

والمساحات الخضراء هي ضرورة نفسية واجتماعية، ويجب على الدولة احترام هذه الخصوصية وضمان حق المواطن في الوصول إليها دون عوائق مادية، تماشيًا مع الأعراف الدولية والإقليمية، وفقًا للخبير الاقتصادي.

حماية هوية الحدائق العامة

أشار مجدي الجاموس إلى أن الرؤية الحقيقية لتطوير هذه المرافق يجب أن تنبثق من احترام البنية المجتمعية للحديقة وضمان عدم تحويلها إلى مشاريع تجارية بحتة.

وكذلك تقديم خدمات مرافقة تلبي احتياجات الزوار دون المساس بهوية المكان العامة، والحفاظ على المساحات المفتوحة كملجأ مجاني ومتاح للجميع

الإدارة التشاركية

طرح فكرة الشراكة بين القطاعين العام والخاص لتطوير الحدائق وطرح استثمارات وتحقيق إيرادات للدولة هو أمر غير مبرر، وقد يؤدي إلى انحراف هذه المرافق عن غايتها الأساسية، بحسب ما ذكر الجاموس.

فيما اقترح نموذجًا بديلًا يركز على:

  • تخصيص مساحات محدودة جدًا داخل الحدائق لتقديم خدمات ضرورية للزوار.
  • ضبط الأسعار لتكون مخفضة وتتناسب مع مجانية الدخول إلى الحديقة.
  • الحفاظ على الغاية النفسية والبيئية للمساحات الخضراء بوصفها ملجًأ آمنًا ومجانيًا للسكان.
تحويل الحدائق للاستثمار

وقال الجاموس إن محافظة دمشق عرضت استثمار 5% فقط من مساحة الحدائق، مبررة ذلك بتحسين الخدمات، واستمرار صيانة الحدائق، ومحاولة تطويرها.، ومع ذلك، يبقى السؤال: من يضمن أن تبقى هذه الاستثمارات ضمن هذه النسبة المحدودة؟.

طرح الحدائق للاستثمار بحد ذاته فكرة غير مستحبة، بحسب الجاموس، ويجب أن تكون الاستثمارات مرتبطة بالحياة المجتمعية، ويشارك فيها المواطنون عبر جمعية محلية تمثل أهالي المنطقة المحيطة بالحديقة.

وأوضح أن كل القرارات التي تتخذ على حساب المواطنين من ذوي الدخل المحدود، تمثل نوعًا من المظلومية بحقهم، وهذا أمر خطير، لأنه قد يؤدي إلى تحول هذه المناطق إلى مشاريع تجارية كبيرة، نتيجة المحسوبيات المتزايدة، وغياب التخطيط الاستراتيجي المؤسسي.

وأضاف يجب العمل للحفاظ على خصوصية الحدائق العامة، وأن تخرج من نطاق الاستثمارات الخاصة أو الحكومية. ويجب على الدولة والمحافظة أن تتحمل المسؤولية في تحسين الحدائق وتطوير بنيتها التحتية وتوفير الخدمات اللازمة فيها..

وبالحديث عن تجارب الدول الأخرى، استعرض الجاموس تجربة السعودية، وخصوصًا في منطقة حائل التي يوجد فيها أكثر من 1000 حديقة مجانية يمكن استخدامها، وهي مجهزة بالكامل.

وهذه التجارب تثبت أهمية الحفاظ على جوهر الحديقة كمتنفس حيوي يعكس الهوية الاجتماعية والبيئية للمنطقة، وفقدان هذه الهوية يشكل تهديدًا مباشرًا لحقوق المواطنين في الاستفادة من هذه المرافق العامة، بحسب الجاموس.

وابدى الخبير الاقتصادي اعتراضه على أي محاولة لطرح هذه المساحات للاستثمار، حتى وإن كان ذلك بشكل جزئي.

عروض تأهيل الحدائق العامة

كانت محافظة دمشق أعلنت عن طلب عروض لتأهيل، وإدارة، وتشغيل، وصيانة، وإشغال عدد من الحدائق، منها حدائق الورود والعدوي الكبير ككتلة واحدة، والإطفاء وابن عساكر ككتلة واحدة، إضافة إلى حدائق شهداء الدحاديل والزاهرة، وذلك ضمن عقود استثمارية تمتد لعشر سنوات.

وتضم مدينة دمشق ما يقارب 177 حديقة مفتوحة موزعة في الأحياء السكنية، تختلف فيما بينها بالمساحة والخدمات المتوفرة، من أبرزها حديقة “تشرين”، وهي الأكبر مساحة، وحديقة “السبكي”، وحديقة “الجاحظ” في أبو رمانة.

نسبة قليلة من هذه الحدائق ما زالت محتفظة بالحد الأدنى من الخدمات، كمساحة قابلة للزيارة.

Related



إقرأ المزيد