الرقة.. ارتفاع أسعار السماد يهدد محصول القمح
عنب بلدي -

تسبب ارتفاع أسعار السماد مؤخرًا، بأعباءً إضافية على الفلاحين والمزارعين في الرقة، إذ تشكل الزراعة المصدر الرئيسي للدخل بالنسبة لغالبية سكان ريف المحافظة، ويعتمد معظمهم على زراعة القمح والشعير والمحاصيل الموسمية لتأمين معيشتهم السنوية.

المزارع أحمد عليوي (50 عامًا) من ريف الرقة الجنوبي، اضطر إلى تقليص كمية السماد التي كان يخطط لاستخدامها في أرضه المزروعة بالقمح إلى النصف، بعدما فوجئ بارتفاع سعر طن السماد بنحو 100 دولار خلال عدة أيام، ما زاد من أعباء الموسم الزراعي الذي يواجه أساسًا تحديات كبيرة.

عليوي، وهو مستأجر لأراضٍ زراعية في المنطقة، ذكر لعنب بلدي، أن الزراعة أصبحت “عبئًا ثقيلًا لا يستطيع المزارع تحمله”، مشيرًا إلى التكلفة المرتفعة لاستئجار الأرض الزراعية، عدا عن مصاريف الحراثة والأسمدة وبقية المستلزمات.

ويشكو مزارعون في ريف محافظة الرقة، كما في مناطق أخرى من سوريا، من ارتفاع كبير في تكاليف الإنتاج الزراعي خلال الموسم الحالي، وعلى رأسها أسعار الأسمدة والمازوت، ما يهدد بتراجع إنتاج المحاصيل الأساسية، وفي مقدمتها القمح.

قفزة في أسعار الأسمدة

أوضح المزارع عليوي أن أسعار الأسمدة شهدت ارتفاعات غير مسبوقة خلال الأسابيع الأخيرة، إذ وصل سعر طن سماد اليوريا إلى نحو 710 دولارات بحسب النوع، بعد أن كان يتراوح سابقًا بين 500 و580 دولارًا فقط، ما يعني زيادة تصل إلى 200 دولار خلال فترة قصيرة لا تتجاوز شهرًا واحدًا.

وأضاف أن كلفة الحراثة الزراعية ارتفعت أيضًا، إذ وصلت إلى نحو 20 دولارًا للدونم، في وقت لا توجد فيه ضوابط واضحة للأسعار في السوق المحلية، مشيرًا إلى وجود ما وصفه بـ“اتفاق غير معلن بين بعض التجار” لرفع الأسعار، وسط غياب الرقابة الرسمية.

وانتقد المزارع ما اعتبره غيابًا واضحًا للحكومة ووزارة الزراعة عن متابعة أوضاع القطاع الزراعي في المنطقة، رغم مرور نحو شهرين على دخول الجيش السوري إلى المنطقة، قائلاً: “لم نشهد أي زيارة فعلية لمسؤولي الزراعة حتى الآن، وزير الزراعة لم يزر المنطقة رغم أنها زراعية بامتياز، في حين شاهدنا وزراء آخرين يزورونها”.

تأثير “كارثي” على حجم المحصول

قال المزارع محمد الأحمد من منطقة المرتاحة، في ريف الرقة الشمالي ، قال إن الغلاء الحالي في أسعار الأسمدة “سيؤثر بشكل كارثي على الزراعة”، في ظل اعتماد نسبة كبيرة من سكان المنطقة على الزراعة كمصدر دخل أساسي.

وأضاف الأحمد في حديثه لعنب بلدي أن سعر طن السماد تجاوز 700 دولار أميركي في الأسواق المحلية، وهو رقم “يفوق قدرة أي مزارع على التحمل”، مضيفًا: “الحنطة لا يمكن أن تنتج دون سماد، السماد عنصر أساسي للإنتاج، وبدونه لا يمكن ضمان أي محصول”.

وأشار إلى أن كثيرًا من المزارعين باتوا عاجزين عن شراء السماد بهذه الأسعار، الأمر الذي يهدد الموسم الزراعي الحالي بخسائر واسعة.

وتوقع الأحمد تراجعًا كبيرًا في إنتاج القمح خلال الموسم الحالي في حال استمرار نقص السماد.

وبيّن أن إنتاج الدونم الواحد من الحنطة في السنوات الماضية كان يتراوح بين 400 و500 كيلوغرام، إلا أن الإنتاج هذا العام قد ينخفض إلى ما بين 100 و150 كيلوغرامًا فقط للدونم الواحد في حال استمرار نقص الأسمدة.

وتابع: “هذه أرقام مخيفة، وتعني أن الموسم لن يغطي حتى التكاليف الأساسية، أنا شخصيًا كمزارع لن أشتري السماد بهذه الأسعار المرتفعة”.

وأشار إلى أن المشكلة لا تقتصر على ارتفاع أسعار الأسمدة، بل تشمل أيضًا غياب تسعير رسمي واضح لطن القمح من قبل الجهات الحكومية، وهو ما يزيد حالة الغموض لدى المزارعين.

وقال: “لا نعرف كم يجب أن نضع من السماد، ولا نعرف كلفة الإنتاج الحقيقية، ولا نعرف بأي سعر سيتم شراء المحصول في نهاية الموسم، هذا يجعلنا غير قادرين على التخطيط وقد يعرضنا لخسارة كبيرة”.

خسائر كبيرة للمزارعين

رأى مزارعون في ريف محافظة الرقة تحدثوا لعنب بلدي، أن القطاع الزراعي يحتاج إلى إجراءات سريعة وعاجلة لإنقاذ الموسم الحالي، خصوصًا مع اقتراب نهاية موسم القمح الحالي.

وحذروا من أن استمرار ارتفاع أسعار الأسمدة دون تدخل حكومي قد يؤدي إلى خسائر كبيرة للمزارعين، مطالبين بإعادة النظر في تسعيرة المحاصيل الزراعية وتحديد سعر طن القمح بما لا يقل عن 600 دولار أميركي حتى يتمكن المزارعون من تغطية تكاليف الإنتاج.

بينما عبر آخرون عن رأيهم في أن تسعيرة الطن الواحد من القطن يجب أن تتراوح بين 1200 و2000 دولار للطن، معتبرين أن الأسعار الحالية لا تعكس التكاليف الفعلية، خاصة في ظل التغيرات المناخية وتراجع جودة البذور مقارنة بالسنوات الماضية.

أسباب ارتفاع الأسعار

من جانبه، أوضح أحد تجار ومستوردي الأسمدة في محافظة الرقة، مهند الحرويل، أن أسعار الأسمدة، وخاصة سماد اليوريا، شهدت ارتفاعًا مفاجئًا خلال الفترة الأخيرة نتيجة قرار تركيا منع تصدير الأسمدة إلى سوريا.

وقال الحرويل في حديثه لعنب بلدي، إن سعر طن السماد كان يصل إلى الرقة سابقًا بنحو 580 دولارًا، إلا أن توقف المصدر الرئيسي أدى إلى ارتفاع الأسعار بشكل كبير.

وأضاف أن استمرار هذا القرار قد يؤدي إلى نقص حاد في توفر الأسمدة في الأسواق خلال الأيام المقبلة.

وكانت الأسمدة تُستورد سابقًا عبر معبر “سيمالكا” الواقع تحت سيطرة “الإدارة الذاتية”، حيث كانت تكلفة الاستيراد أقل والأسعار أكثر ملاءمة مقارنة بالاستيراد عبر المعابر التركية مثل معبر إعزاز ومعبر باب الهوى.

وأوضح أن التاجر التركي يفرض هامش ربح إضافيًا، إلى جانب الرسوم الجمركية التركية، فضلًا عن الرسوم التي تفرضها الحكومة السورية، والتي تبلغ نحو 20 دولارًا على كل طن من السماد.

وعزا الحرويل قرار إيقاف تصدير الأسمدة إلى سوريا إلى عدة عوامل، أبرزها زيادة الطلب السوري على الأسمدة خلال موسم تسميد القمح، إضافة إلى تراجع شحنات الأسمدة الواصلة إلى ميناء مرسين التركي نتيجة تداعيات الحرب الإسرائيلية–الإيرانية.

خيارات بديلة للاستيراد

التاجر الحرويل، طالب الحكومة السورية بالسماح لتجار الأسمدة والمواد الزراعية باستيراد الأسمدة مباشرة عبر الموانئ السورية، مؤكدًا أن هذه الخطوة من شأنها المساهمة في خفض الأسعار وخلق منافسة بين التجار.

وشدد على أن فتح باب الاستيراد عبر الموانئ سيساعد على استقرار أسعار الأسمدة في السوق المحلية، إضافة إلى توفير عائدات مالية للدولة من الرسوم الجمركية.

وفي ظل استمرار ارتفاع تكاليف الإنتاج وغياب حلول واضحة حتى الآن، يخشى المزارعون في الرقة ومناطق سورية أخرى أن يتحول الموسم الزراعي الحالي إلى واحد من أصعب المواسم في السنوات الأخيرة، مع ما قد يترتب على ذلك من تداعيات على إنتاج القمح والأمن الغذائي في البلاد.

 التملّح ينهك التربة.. مزارعو الرقة يخسرون أراضيهم الخصبة

Related



إقرأ المزيد