لجنة التحقيق “الوطنية” بأحداث السويداء تسلّم تقريرها النهائي.. ماذا تضمن؟
عنب بلدي -

سلّمت اللجنة الوطنية للتحقيق في أحداث السويداء تقريرها النهائي لوزير العدل السوري مظهر الويس، اليوم الثلاثاء، 17 من آذار، وذلك خلال مؤتمر الصحفي عقد في مبنى وزارة الإعلام بدمشق حضرته عنب بلدي.

“التقرير”: 1760 ضحية من جميع الأطراف

قالت لجنة التحقيق الوطنية الخاصة بأحداث السويداء، إن عدد الضحايا من جميع الأطراف بلغ 1760 ضحية، كما بلغ عدد المصابين 2188.

وذكر رئيس اللجنة، القاضي حاتم النعسان خلال مؤتمر صحفي، أن الانتهاكات كانت فردية ولم تكن ممنهجة، وهذا ما أكدته إفادات الناجين للجنة، بحسب قوله.

وبيّن النعسان، أن الإحالة إلى القضاء أثناء عملهم ليست من اختصاصهم، ولكن نظرًا لحساسية الأحداث جرى الاتفاق مع وزير العدل على أن تكون المساءلة فورية قبل صدور التقرير النهائي، وتم توقيف 23 عنصر أمن وجيش ممن تورطوا بارتكاب انتهاكات، وهم الآن يحاكمون محاكمة علنية أمام القضاء.

المتحدث باسم لجنة التحقيق المحامي عمار عز الدين، ذكر أن التقرير مستقل عن تقرير لجنة التحقيق الدولية، ويتألف من 850 صفحة، والهدف الوحيد منه تحقيق العدالة للضحايا من جميع الأطراف.

“اللجنة” ذكرت أن دعم وزير العدل على ساهم في إتمام مهمتها باستقلالية وشفافية، ما أدّى إلى صدور التقرير النهائي الذي عمل على تقصي الحقائق، وجمع المعلومات والأدلة المتعلّقة بانتهاكات حقوق الإنسان المرتبطة بأحداث السويداء، بهدف الوصول إلى الحقيقة، وتقديم تقييم “محايد” للوقائع المتعلّقة بالنزاع.

وأعربت “اللجنة” عن تقديرها لجميع الضحايا والشهود والأفراد والوزارات والمؤسسات الحكومية الذين قدموا معلومات أو تعاونوا مع اللجنة خلال فترة عملها، مؤكدةً أن توثيق هذه الأحداث يمثل خطوة ضرورية في مسار أوسع نحو العدالة والإنصاف وبناء السلام المستدام.

وشددت “اللجنة” على تنفيذ ما ورد في التقرير من توصيات لتحقيق العدالة للضحايا ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، تعزيزًا لمبدأ عدم الإفلات من العقاب وضمانات عدم تكرار هذه الانتهاكات مستقبلًا.

ماذا عن المفقودين؟

وفيما يتعلّق بملف المفقودين، ذكرت “اللجنة”، أنها لم تتمكن من حصر العدد النهائي للمفقودين، نتيجة عدم ورود معلومات كافية من جميع الجهات، ولعدم تمكّن اللجنة من دخول مدينة السويداء، إذ وثقت 60 مفقودًا من عشائر السويداء، و30 مفقودًا من وزارة الدفاع.

أسباب التوتر 

اللجنة حملت مسؤولية التوتر لسياسات وسلوكيات نظام الأسد الذي عمل على تأجيجها طيلة السنوات الفائتة، بما في ذلك تسهيله دخول عناصر تنظيم “الدولة” إلى السويداء، وارتكابهم جرائم بحق أهالي الطائفة الدرزية، على حد ذكرها.

“تورط مختلف الأطراف”

وفق “اللجنة”، خلال الفترة الممتدة من 11 إلى 20 من تموز 2025، تصاعدت موجات العنف بين أبناء المنطقة “من البدو والدروز”، وشملت مصادرة الممتلكات، وحالات خطف وخطف مقابل، واعتداءات وانتهاكات تورطت فيها مختلف الأطراف، “البدو والدروز”.

وتابعت، أن هذه الخلافات استدعت تدخلًا حكوميًا لفض الاشتباك وفرض حالة الأمن، إلا أن القوات الحكومية قوبلت بمواجهات مسلحة وتعرضت لعدة كمائن، إضافة إلى قصف الطيران الإسرائيلي للقوات الحكومية في المنطقة وقيادة الأركان بدمشق، مما تسبب في مزيد من الفوضى والأعمال الانتقامية.

“انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان”

أضافت “اللجنة” أنها خلصت استنادًا إلى الشهادات التي استمعت إليها والمواد الرقمية والوثائق التي راجعتها والمعاينات الميدانية التي أجرتها، إلى أن الأحداث التي شهدتها محافظة السويداء في تموز 2025، أسفرت عن وقوع انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

شملت أفعال القتل الواقع على أكثر من شخص، والقتل القصد، والسلب المسلح للممتلكات، وتخريب البيوت والمحال التجارية وحرقها، والتعذيب والشتم بعبارات طائفية، وإثارة النزعات الطائفية، الواردة في قانون العقوبات السوري العام رقم “148” لعام 1949، ومخالفة الأوامر العسكرية، وفي قانون العقوبات العسكري السوري رقم “61” لعام 1950، وقانون تجريم التعذيب رقم “16” لعام 2022.

وأشارت “اللجنة” إلى أنها تابعت عمليات تبادل المختطفين بين جميع الأطراف، وشملت هذه العمليات تسليم 119 شخصًا من الطائفة الدرزية و25 شخصًا من البدو والعشائر والقوات الحكومية، ولا يزال هناك عدد آخر من المفقودين لم تتمكن من التحقق من مصيرهم أو أماكن احتجازهم، ومن بينهم حمزة العمارين، العامل في الدفاع المدني السوري.

كما وثقت نزوح 27404 أشخاص من بدو السويداء، و34845 شخصًا من دروز السويداء والمسيحيين، وذلك نتيجة للاشتباكات والتهجير المتعمد في بعض الحالات.

وتوزّعت أماكن النزوح، وفق اللجنة، على النحو التالي: 16 مركز إيواء في درعا، و23 مركزًا في السيدة زينب بريف دمشق، بالإضافة إلى مركز واحد في زاكية بريف دمشق، وآخر في جرمانا، وقرى جبل الشيخ.

“مشتبه بهم من عناصر الدفاع والداخلية”

وأكّدت “اللجنة” أنها توصلت إلى قائمة من المشتبه بهم من عناصر وزارتي الدفاع والداخلية، ومن الجماعات المسلحة الدرزية، ومن المدنيين، بما في ذلك البدو والعشائر، وممن توفرت لدى اللَّجنة أسباب معقولة للاشتباه بتورطهم في جرائم وانتهاكات جسيمة.

وقالت إنها لم تتمكن من تحديد هوية العديد من الأشخاص الذين ظهرت صورهم ومقاطع الفيديو الخاصة بهم على وسائل التواصل الاجتماعي، ومنهم ملثمون، لذا رأت إحالة المقاطع والصور المذكورة إلى النائب العام للجمهورية لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة وتوسيع نطاق التحقيق.

إحالة الملف إلى النائب العام للجمهورية

وأحالت “اللجنة” نتائج عملها مرفقة بكامل ملفات التحقيق والأدلة التي جمعتها إلى النائب العام للجمهورية، مشيرة إلى أن طبيعة الانتهاكات الموثقة، وما اقترن ببعضها من أنماط متكررة خلال فترة زمنية محددة وفي مواقع متعددة، تستدعي مواصلة التحقيقات القضائية الوطنية لتحديد جميع المسؤوليات المترتبة على هذه الأفعال.

وعلى الرغم من وجود تعليمات صارمة من وزارتي الدفاع والداخلية لحماية المدنيين والممتلكات والأعيان المدنية، بحسب اللجنة، لاحظت أن الانتشار الواسع للسلاح ووجود مجموعات مسلحة متعددة خارج نطاق السيطرة المؤسسية الكاملة للدولة قد أسهم في زيادة احتمالية وقوع الانتهاكات ضد المدنيين، وعقّد جهود حماية السكان واستعادة الاستقرار.

وبحسب اللجنة، تشير الأدلة التي جمعتها إلى تورط أفراد ينتمون إلى جهات مختلفة في ارتكاب الانتهاكات، بمن فيهم أفراد من مجموعات مسلحة غير نظامية وعناصر من تنظيم “داعش”، وأشخاص تصرفوا بشكلٍ فردي أو ضمن مجموعات محلية.

إضافة إلى أدلة تثبت تورط أفراد من القوات الحكومية الأمنية والعسكرية، وأحيلت المعلومات المتعلقة بالمشتبه بتورطهم إلى الجهات القضائية المختصة للنظر فيها وفق الأصول القانونية.

وتابعت “اللجنة” أن قوات الجيش والأمن العام حاولت منع قوات العشائر من الوصول إلى السويداء، لكنها لم تفلح في ذلك لكثرة أعدادهم، وتراخي بعض الأفراد معهم بعد مشاهدة الانتهاكات.

ووثقت اللجنة إفادات عديدة تفيد بمنع الأمن العام للعشائر من الوصول إلى السويداء، وإجبارهم على العودة بعد وصولهم إلى دمشق.

السلطات الحكومية اتخذت إجراءات أولية للتحقيق في الانتهاكات المرتكبة، بما في ذلك تشكيل اللجنة التي أصدرت هذا التقرير، وأيضًا القيام بتوقيف عدد من الأفراد المشتبه بتورطهم وإحالتهم إلى القضاء، واستمرار هذه الإجراءات بشكلٍ شفاف ومستقل يشكل خطوة أساسية لتعزيز المساءلة ومنع الإفلات من العقاب، وفق ما ورد في المؤتمر الصحفي.

حرق ونهب

وذكرت “اللجنة” أن ما لا يقل عن ست وثلاثين قرية في ريف السويداء تعرضت للحرق أو التخريب مع استهداف مواقع دينية من قبل مجموعات مسلحة من القرى المجاورة وبعض المجموعات من خارج المحافظة، بهدف السرقة والنهب والانتقام، الأمر الذي أدى إلى تهجير عدد كبير من سكانها من أبناء المجتمع الدرزي.

كما وثقت “اللجنة” وقوع هجمات انتقامية استهدفت التجمعات السكانية للبدو داخل مدينة السويداء ومحيطها بالحرق والتدمير والنهب من قبل مجموعات مسلحة درزية، ما أدى بدوره إلى نزوح وتهجير قسري طال أغلب الأسر البدوية.

توصيات اللجنة

وأوصت “اللجنة” بإحالة جميع الأفراد سواء من المدنيين أو الحكوميين الذين تتوافر بشأنهم معلومات ترجح على ارتكاب جرائم إلى القضاء المختص، وضمان إجراء محاكمات عادلة وشفافة وفق المعايير الدولية للمحاكمة العادلة.

كما توصي بتعزيز قدرات الجهات القضائية المختصة للتحقيق في الجرائم الخطيرة، بما في ذلك الجرائم المرتكبة ضد المدنيين والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

إضافة إلى ضرورة الإسراع في تنفيذ البرامج الحكومية للقيام بإصلاحات تشريعية ومؤسسية واسعة، لتعزيز استقلال القضاء وقدرته على التعامل مع الجرائم الجسيمة ومحاسبة مرتكبيها.

وتحديد مواقع الدفن الجماعي المحتملة وحمايتها وإجراء التحقيقات الجنائية اللازمة وفق المعايير الدولية، والحفاظ على الأدلة المادية والرقمية المتعلقة بالانتهاكات لضمان إمكانية استخدامها في الإجراءات القضائية المستقبلية.

كما أن معالجة الأسباب العميقة للعنف في محافظة السويداء وفي سوريا عمومًا، تتطلب اتباع نهج شامل يجمع بين المساءلة القانونية، وإصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية، وتعزيز الحوار والمصالحة المجتمعية، ومعالجة التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تسهم في تأجيج النزاعات.

إضافة إلى اتخاذ تدابير عاجلة لتعزيز حماية المدنيين في السويداء، بما في ذلك تعزيز انتشار قوات الأمن النظامية المدربة مهنيًا، واتخاذ إجراءات فعّالة لمنع أعمال الانتقام والعنف بين المجتمعات المحلية.

ووضع خطة وطنية شاملة لجمع الأسلحة غير المرخصة وحصر السلاح بيد الدولة، وتفكيك الشبكات الإجرامية المتورطة في أعمال الخطف والاتجار بالمخدرات والأنشطة غير المشروعة الأخرى.

ودعت اللجنة إلى دعم الجهود الحكومية لتعزيز مهنية وحيادية الأجهزة الأمنية، وضمان خضوعها لرقابة قانونية ومؤسسية فعالة، واعتماد آليات واضحة للمساءلة والتحقيق في أي انتهاكات يرتكبها أفرادها.

اتخاذ تدابير قانونية ومؤسساتية فعالة لمنع انتشار خطاب الكراهية والتحريض على العنف، بما في ذلك عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، واتخاذ تدابير تشريعية وتنفيذية وتعليمية لمنع التحريض على العنف أو الفتنة أو إثارة النعرات الطائفية.

إنشاء لجنة متخصصة لمتابعة قضايا الأشخاص المفقودين والمختطفين خلال الأحداث، تقوم بالتوثيق والتواصل مع عائلات الضحايا.

دعم مبادرات الحوار بين المجتمعات المحلية المختلفة في محافظة السويداء، وإطلاق برامج دعم نفسي واجتماعي للضحايا والمتضررين من أعمال العنف.

توفير المساعدات الإنسانية العاجلة للنازحين والمتضررين من الأحداث، ودعم إعادة تأهيل المنازل والبنية التحتية المتضررة، إضافة إلى وضع برامج تعويض تسهم بجبر الضرر للضحايا وفقًا للقوانين الوطنية والمعايير الدولية.

وتوصي “اللجنة” المجتمع الدولي أيضًا بإدانة جرائم العدوان الإسرائيلي المرتكبة بحق الشعب السوري والأراضي السورية، وإنفاذ بنود الميثاق والقرارات الدولية ذات الصلة لضمان عدم التكرار، وأي شكل من أشكال التدخل بالشأن السوري.

كما دعت جميع الأطراف الخارجية إلى احترام سيادة الجمهورية العربية السورية، والامتناع عن أي أعمال عسكرية أو تدخلات قد تؤدي إلى تصعيد التوترات أو تعقيد جهود تحقيق الاستقرار في المنطقة.

كما أن تنفيذ التوصيات الواردة في هذا التقرير يتطلب التزامًا مستمرًا من مؤسسات الدولة، إلى جانب مشاركة فاعلة من المجتمعات المحلية ومنظمات المجتمع المدني، كما يتطلب دعمًا مناسبًا من المجتمع الدولي، بما يسهم في تعزيز الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة وترسيخ مبادئ الحكم الرشيد وسيادة القانون.

ما أحداث السويداء؟

بلغت أزمة السويداء ذروتها في تموز 2025، حين حاول الجيش السوري الدخول إلى المدينة، بدعوى فض اشتباكات اندلعت بين المكون الدرزي، الذي يشكل أغلبية المحافظة، وبين سكان من البدو.

التدخل الحكومي رافقته انتهاكات بحق سكان المدينة، من الطائفة الدرزية، ما أدى إلى اندلاع الاشتباكات بشكل واسع، وأسفر عن دخول إسرائيل على الخط، وهي التي تلوح بشكل مستمر بحماية الدروز في سوريا، بدعوى وجود صلات قرابة، وتطور الأمر فيما بعد إلى ضرب العاصمة دمشق، فضلًا عن استهداف عناصر الجيش الذين دخلوا مركز المدينة.

الضربات الإسرائيلية أدت إلى خروج قوات الحكومة السورية إلى خارج مدينة السويداء، والتمركز في الأرياف الغربية، حيث سيطرت على أكثر من 30 قرية.

بالمقابل، فإن الخروج لم ينهِ الأزمة، بل ازدادت تعقيدًا بعد ارتكاب الفصائل المحلية انتهاكات بحق السكان البدو، بدافع الانتقام، ما أدى إلى خروج “فزعات عشائرية” لنصرة عشائر السويداء البدوية، وبالتالي، استمرت الاشتباكات والانتهاكات من الجانبين.

Related



إقرأ المزيد