على خطوط المواجهة.. لماذا تهدد طهران دمشق؟
عنب بلدي -

مع تصاعد حدّة التوتر الإقليمي في الشرق الأوسط، واتساع رقعة المواجهة المباشرة بين إيران من جهة، وإسرائيل مدعومة من الولايات المتحدة جهة أخرى، تدخل دمشق مجددًا دائرة التهديدات الأمنية، في مشهد يعكس هشاشة التوازنات في المنطقة، وتحولها إلى مساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.

ونقلت وكالة وكالة “فارس” الإيرانية شبه الرسمية، عن مصادر أمنية، أنها رصدت ما وصفته بـ”نشاط غير اعتيادي” لخبراء ومستشارين أجانب داخل العاصمة السورية دمشق، مشيرة إلى استخدام مواقع حيوية ومرافق مدنية، من بينها فنادق بارزة، كمراكز إقامة وتمركز لهذه الكوادر.

وبحسب ما أوردته الوكالة، فإن هذه التحركات تشمل خبراء إسرائيليين وأمريكيين وبريطانيين، يتمركزون في مواقع محددة داخل المدينة، الأمر الذي اعتبرته طهران تهديدًا مباشرًا يتطلب التعامل معه.

وتزامن ذلك مع تحذيرات إيرانية وصفت بـ”الحاسمة”، وُجهت إلى جهات محلية في دمشق، من بينها إدارات الفنادق، أبرزها فندق “فورسيزون” و”شيراتون”، إلى جانب مواقع سيادية، كالقصر الجمهوري.

ولوّحت طهران بإمكانية اعتبار هذه النقاط “أهدافًا مشروعة” في حال استمرار استخدامها لإيواء أو دعم عناصر عسكرية أجنبية.

تأتي هذه التطورات في ظل تصاعد غير مسبوق في حدة المواجهة بين إيران وإسرائيل، والتي أخذت منذ بداية شهر آذار طابعًا أكثر مباشرة، وسط تبادل للضربات والرسائل الأمنية، ما يرفع من احتمالية انزلاق المنطقة إلى مواجهات أوسع، قد تكون الساحة السورية أحد أبرز مسارحها.

دمشق في قلب صراع إقليمي متصاعد

ووسط التصعيد الإقليمي المتسارع، تتقاطع المعطيات الأمنية والسياسية في كلّ من سوريا ولبنان، وسط مخاوف لبنانية متزايدة من تداعيات التطورات الأخيرة، واحتمال انعكاسها على الداخل اللبناني.

وتتركّز هذه المخاوف حول طبيعة الدور السوري في المرحلة الحالية، لا سيما مع تعزيز انتشار الجيش السوري على الحدود، والذي تقول دمشق إنه يأتي في إطار “إجراءات دفاعية” لضبط الأمن ومنع التهريب.

في المقابل، تتحدث تقديرات غير رسمية عن توتر قائم بين الجيش السوري و”حزب الله” على الحدود، دون إعلان واضح عن ذلك.

بالتوازي، تبرز تساؤلات حول مدى التزام دمشق بالخطاب السياسي الجديد الذي أعلن بعد سقوط النظام السابق، والذي يقوم على عدم التدخل في الشأن اللبناني، مقابل التركيز على إعادة بناء الداخل السوري.

ورغم هذا الخطاب، لا تزال المخاوف قائمة من احتمال استغلال أي فراغ أمني أو إعادة ترتيب النفوذ السوري بشكل مختلف.

في هذا السياق، يرى الكاتب السياسي، العقيد خالد المطلق، أن المنطقة تتجه نحو تصعيد أكبر، وقد تكون أمام “معركة واسعة” يجري التحضير لها.

وأشار إلى أن إيران تستشعر هذه التحولات، خصوصًا مع ما يعتبره مؤشرات على تفاهمات دولية غير معلنة تهدف إلى محاصرة نفوذ “حزب الله”.

وبحسب هذا الطرح، فإن الحشود العسكرية السورية على الحدود مع لبنان قد تكون جزءًا من هذه الترتيبات، وربما تمهّد لفتح جبهة ضد الحزب من الأراضي السورية، وهو ما يفسّر، وفق المطلق، التهديدات الإيرانية الأخيرة تجاه دمشق.

وأضاف أن هذه التهديدات لا ترتبط فقط بالحديث عن وجود خبراء أجانب داخل دمشق، بل تعكس قلقًا إيرانيًا من تغيّر محتمل في موازين القوى في المنطقة، ومحاولة استباق أي تحرك قد يستهدف حلفاءها.

هل تخشى طهران من سوريا مستقرة؟

بدوره، يقدّم الأكاديمي والباحث عبد الرحمن الحاج تفسيرًا مختلفًا للتهديدات الإيرانية الأخيرة، معتبرًا أنها تتجاوز مسألة وجود خبراء أجانب في دمشق، لتندرج ضمن سياق أوسع يتعلق بمستقبل النفوذ الإيراني في المنطقة.

ويشير الحاج إلى أن ما نشرته وكالة “فارس” حول تحديد مواقع في دمشق كأهداف محتملة، يأتي في إطار تبرير تصعيد محتمل، بذريعة وجود مستشارين عسكريين أجانب، من جنسيات أمريكية وبريطانية وإسرائيلية.

وبحسب الحاج، فإن إيران لا تنظر إلى هذه المسألة بوصفها أمنية فقط، بل استراتيجية أيضًا، إذ إن استقرار سوريا قد يشكّل على المدى البعيد، تهديدًا مباشرًا لنفوذها الإقليمي.

ويرى أن سوريا المستقرة يمكن أن تتحول إلى بديل استراتيجي لخطوط إمداد الطاقة، بما يقلل الاعتماد على مسارات مثل مضيق هرمز، ويحدّ من قدرة طهران على التأثير في أسواق الطاقة.

من سوريا.. براك يستعيد مشروع “البحار الأربعة” بديلًا عن “هرمز”

وأضاف الحاج أن إيران قد تسعى، في هذا الإطار، إلى جرّ سوريا نحو الانخراط في الصراع القائم، أو دفعها إلى مواجهة غير مباشرة عبر الساحة اللبنانية، خاصة في ظل محدودية القدرات الصاروخية السورية بعيدة المدى، ما يجعل أي تصعيد مباشر غير متكافئ.

ويرى الحاج أن أي استهداف إيراني محتمل لسوريا، في حال حدوثه، لن يكون معزولًا عن مصالح أطراف أخرى، بل قد يصبّ في مصلحة إسرائيل، التي تراقب هذه التحولات، وتستفيد من أي إضعاف متبادل بين خصومها في المنطقة.

هل تملك طهران القدرة على التصعيد؟

 يقدّم الباحث المتخصص بالشأن الإيراني ضياء قدور قراءة مغايرة تقلّل من أهمية التهديدات الإيرانية، معتبرًا أنها تندرج ضمن إطار “التصعيد الإعلامي” أكثر من كونها مؤشرات على تحرك عسكري فعلي.

ويرى قدور أن تلويح إيران باستهداف مواقع في دمشق يهدف بالدرجة الأولى إلى رفع معنويات حلفائها في المنطقة، لا سيما في العراق ولبنان، في ظل الضغوط التي تواجهها هذه الأطراف.

ويستند في ذلك إلى تقديرات غربية تشير إلى تراجع القدرات الصاروخية الإيرانية مقارنة بالسابق، ما يحدّ، بحسب رأيه، من قدرتها على خوض تصعيد واسع أو فتح جبهات جديدة.

كما يشير إلى أن طهران تواجه تحديات متزايدة على مستوى نفوذها الإقليمي وعلاقاتها مع دول الجوار، ما ينعكس على طبيعة خطابها السياسي والعسكري في المرحلة الحالية.

وبحسب هذا الطرح، فإن التهديدات الأخيرة تعكس حالة من محاولة إعادة تثبيت الحضور الإقليمي، أكثر من كونها مقدمة لتحرك ميداني مباشر، في ظل ما يصفه بتعقيدات داخلية وخارجية تواجهها إيران.

أين وصلت الحرب؟

تتصاعد مواقف الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل بشأن إنهاء الحرب، وسط مخاوف على إمدادات الطاقة العالمية.

وقدمت واشنطن خطة من 15 نقطة لإيران تتضمن إنهاء تخصيب اليورانيوم وتقليص برنامج الصواريخ.

لكنها لا تزال تلوح بضرب إيران “بقوة غير مسبوقة” مع احتمال إرسال قوات إضافية للمنطقة.

من جانبها، ترفض طهران المقترحات حاليًا وتطالب بوقف دائم للحرب وتعويضات واعتراف بسيادتها على مضيق هرمز.

كما لوحت بإغلاق باب المندب والبحر الأحمر، إذا استمر التصعيد، وسط تشكيك إسرائيلي بموافقة طهران على اتفاق بين الجانبين، مؤكدة استمرار استهداف القدرات العسكرية الإيرانية.

Related



إقرأ المزيد