خالد المطلق
هل كُتب على السوريين أن يخرجوا من نفق استبداد مظلم ليدخلوا في دهاليز “سلطات مؤقتة” تكرس الفشل باسم الثورة؟ هذا السؤال لم يعد مجرد تساؤل نظري، بل هو الوجع اليومي الذي يعيشه الشعب السوري بمختلف أطيافه، فبعد سنوات طويلة من الصراع والتضحيات الجسام، كان المنتظر أن تُشرق شمس المؤسسات الوطنية الشفافة، لكن الواقع جاء صادمًا حيث تشابكت المصالح الضيقة مع الفساد الإداري الموروث عن نظام الإجرام الساقط وأدواته التي ما زالت تدير الكثير من هذه المؤسسات وإن كان بشكل غير مباشر لتضع مستقبل البلاد على حافة هاوية جديدة.
إن استشراف المستقبل السوري اليوم يتطلب مواجهة الحقائق القاسية دون تجميل، وتحليل أداء السلطة الانتقالية ليس كقدر محتوم بل كمسار يحتاج إلى تقويم جذري قبل فوات الأوان، وبدلًا من أن تعمل السلطة الانتقالية كرافعة وطنية تعيد الثمن للسوريين عن سنوات حرمانهم، تحولت في كثير من مفاصلها إلى عبء ثقيل يكرس سياسة “إدارة الأزمات” لا حلها، ونتيجة لذلك لم يلمس المواطن تحسنًا حقيقيًا في الخدمات الأساسية، كالتعليم والصحة والكهرباء، بل وجد نفسه أمام منظومة إدارية تنهشها البيروقراطية والفساد، والخطورة تكمن في أن الفساد لم يعد حالات معزولة، بل تحول إلى “ثقافة مؤسساتية” تحمي المنتفعين وتقصي الشرفاء، مما أدى إلى شرخ عميق وفقدان تام للثقة بين الشارع ومن يتصدرون المشهد السياسي.
وفي اللحظة التي تصرخ فيها الجغرافيا السورية طلبًا للعقول والخبرات لإعادة الإعمار وترميم النسيج المجتمعي، نجد أن السلطة تنتهج سياسة “تطفيش” الكفاءات الوطنية، على النقيض من ذلك، يتم الاعتماد على معايير الولاء الشخصي وتولية شخصيات تفتقر للرؤية السياسية أو الخبرة الإدارية، بل ويُفسح المجال للمتطرفين وفلول النظام البائد لتصدّر مناصب حساسة، هذا المسار لا يضعف الدولة فحسب بل يبعث برسالة يائسة للشباب السوري المتعلم بأنه “لا مكان لكم في بناء وطنكم”، مما يعزز من نزيف الأدمغة السورية نحو الخارج ويجعل المؤسسات هياكل هشة تخدم أجندات ضيقة لا مشروعًا وطنيًا جامعًا.
من المعروف أنه لا يمكن بناء استقرار سياسي دون قاعدة اقتصادية متينة، إلا أن الواقع السوري اليوم يشهد انكفاء مخيفًا للمستثمرين، والسبب ليس أمنيًا فحسب، بل هو “فساد الدوائر المقربة” من مراكز القرار، علاوة على ذلك، يتعرض المستثمر المحلي قبل الأجنبي لعمليات ابتزاز ممنهجة وضغوطات لا تستند إلى قانون، مما جعل البيئة السورية “طاردة لرأس المال”، فغياب الأمان القانوني وضياع حقوق المستثمرين في دهاليز الرشى يؤدي إلى شلل اقتصادي تام يرفع معدلات البطالة ويحول دون أي عملية تنمية حقيقية، مما يترك المواطن البسيط وحيدًا في مواجهة الغلاء والفقر.
أعتقد أن أحد أكثر الملفات إيلامًا هو ملف السيادة الوطنية، فبينما تتكرر الانتهاكات والتوغلات الإسرائيلية في العمق السوري، تكتفي السلطة المؤقتة بصمت مريب يثير آلاف التساؤلات، بالإضافة إلى ذلك، تتوارد التقارير حول قنوات اتصال سرية لا تخدم المصلحة السورية بقدر ما تخدم بقاء أشخاص في مناصبهم، وهذه الضبابية في التعامل مع العدوان الخارجي تعكس ضعفًا بنيويًا وتفريطًا في أمانة الدفاع عن الأرض، مما يجعل “القرار السوري المستقل” مجرد شعار للاستهلاك الإعلامي، بينما الواقع يشير إلى ارتهان لإرادات إقليمية ودولية متناقضة.
وعلى الرغم من هذا التوصيف القاتم، لا تزال سوريا تمتلك فرصة للنجاة إذا ما توفرت الإرادة الحقيقية للإصلاح، فبناء “دولة المؤسسات” ليس مستحيلًا، لكنه يتطلب أولًا تفكيك منظومات الفساد وتفعيل دور القضاء المستقل وفتح الأبواب فورًا للكفاءات السورية المهاجرة والمهمشة للمشاركة في القرار، كما يجب على القوى المعارضة والشعبية الضغط من أجل حوار وطني شامل يضع مصلحة سوريا فوق كل اعتبار، ويعيد تعريف “السلطة” كخادم للشعب لا كسيد عليه.
في الختام، إن مستقبل سوريا لا يُصنع في الغرف المغلقة ولا عبر الصفقات السرية، بل يُبنى بسواعد السوريين الذين آمنوا بالتغيير ودفعوا ثمنه من دمائهم وأعمارهم، فبقاء الوضع على ما هو عليه ليس خيارًا بل هو انتحار بطيء للوطن وللقضية العادلة التي ثار من أجلها السوريون، لذا فإن المسؤولية تقع على عاتق كل سوري ليقف في وجه الفشل والفساد ويطالب ببناء دولة مدنية ديمقراطية تضمن العدالة للجميع، والتاريخ لن يرحم من فرطوا في آمال الشعب لكنه سيخلد من صمدوا وبنوا من ركام اليأس بيتًا للحرية، وعلينا أن ندرك أن القوة الحقيقية تكمن في تضامننا ووعينا، وأن سوريا بقدسية ترابها وعظمة شعبها قادرة على تجاوز هذه المحنة إذا ما قررنا أن نكون نحن “أصحاب القرار”.
Related


