دمشق.. إعادة إعمار أم إعادة إقصاء
عنب بلدي -

أحمد عسيلي

تم مؤخرًا في دمشق الإعلان عن مشروع سياحي ضخم في قلب المدينة يحمل اسم “ذا بومنت”، وهو مشروع يضم فندقًا فاخرًا، ومرافق ترفيهية، ومركزًا تجاريًا، ومساحات مصممة لاستقبال نمط حياة أقرب إلى مدن الرفاهية منه إلى الواقع السوري الحالي.

هذا الإعلان لا يأتي بوصفه حدثًا استثنائيًا، بل كحلقة جديدة في سلسلة متكررة، فقبل أشهر، تم الإعلان عن حزمة استثمارية ضخمة تضم أكثر من 12 مشروعًا، بقيمة تقارب 14 مليار دولار (كما تم الإعلان عنه طبعًا)، شملت مطارًا و”مترو” ومشاريع عقارية وتجارية كبرى.

هنا يبرز التناقض بشكل صارخ بين صور لمدينة تُبنى وتُعرض على الشاشات، وصورة بلد لا يزال يعيش في هشاشة اقتصادية واجتماعية عميقة.

الإشكالية ليست في فكرة المشاريع أو الحلم بمدن حديثة، فالحلم شرط أساسي لأي إعادة بناء، وندرك جيدًا أنه لا يمكن لمجتمع خرج من العنف أن يتعافى دون أن ينتج صورة عن مستقبله، وأن يتخيل نفسه أيضًا في مكان آخر، لكن السؤال ليس في وجود الحلم، بل في موقعه: هل يشكل امتدادًا للواقع، أم قطيعة معه؟ فحين ينفصل الحلم عن الشروط المعيشية للناس، يفقد وظيفته كأفق ممكن، ويتحول إلى نوع من التعويض، أو إلى صورة تُنتج لتُرى، لا لتُعاش.

فهل يمكن لكم أن تتخيلوا معي مدينة كدمشق، خارجة لتوّها من حرب طويلة، ما زالت محاطة بحزام واسع من البؤس والدمار، وفي وسطها وبعض نقاط محيطها جزر معزولة من أماكن الرفاهية والترف؟

على كل حال، هذا المشهد ليس جديدًا تمامًا على التجربة السورية، فمنذ منتصف الألفية، خصوصًا بعد عام 2005، بدأت موجة “المولات” التجارية بالظهور، ولا سيما في مناطق مثل كفرسوسة، حيث كان يمكن للمرء أن يدخل إلى فضاء مكيف ونظيف ومضاء ومليء بالمطاعم والعلامات التجارية، ثم يخرج منه مباشرة إلى أحياء عشوائية، حيث الفقر كثيف والواقع مختلف جذريًا.

هذا التباين ليس سوريًا فقط، بل سمة عالمية في كل دول التفاوت الطبقي الصارخ، ولي تجربة شخصية مع هذا التناقض في مدينة نيودلهي، ففي أول يوم لي، وبعد عدة ساعات من وصولي، نصحتني صاحبة المنزل الذي كنت أقيم فيه بالذهاب إلى مركز تجاري قريب، هناك، وجدت عالمًا كاملًا من الرفاهية، من مطاعم ومقاهٍ وأسعار لا تختلف كثيرًا عن أوروبا، لكن، ما إن تخرج من هذا الفضاء المغلق، حتى تجد نفسك أمام مشهد آخر مختلف تمامًا، ترى فيه مشردين وفقرًا وحياة يومية لا تشبه بأي شكل ما كنت قد رأيته قبل دقائق، المفارقة أن ثمن فنجان قهوة داخل “المول” كان يكفي لإطعام عدة أشخاص في الخارج.

الخوف هنا ليس من وجود هذه الفضاءات بحد ذاتها، بل من أن تتحول إلى النموذج السائد: جزر معزولة من الرفاهية، محاطة ببحر من الحرمان، وأن تصبح المدينة منقسمة بين واقعين لا يلتقيان، فهذا الانفصال بين الصورة والواقع سيكون له أثره النفسي المدمر للإنسان السوري، فمع تكرار هذه المشاهد، يبدأ بالتشكل شعور خفي بالاغتراب، المدينة التي يعيش فيها الفرد لم تعد تعكس حياته، بل تعرض أمامه نمطًا من العيش لا يمتّ إليه بصلة، ومع الوقت، لا يعود الأمر مجرد فرق اقتصادي، بل يتحول إلى قلق مبهم، ناتج عن التناقض المستمر بين ما يُعرض وما يُعاش، وقد يتطور إلى شكل من الانسحاب أو الاكتئاب، حيث يفقد الفرد إحساسه بأن أي تغيير محتمل يمكن أن يشمله، وفي بعض الحالات، يتحول هذا التفاوت إلى شعور بالإهانة الصامتة، كأن المدينة لا تُقصيه فقط، بل تذكّره باستمرار بأنه ليس جزءًا مما يُبنى فيها.

لا يتعلق الأمر هنا فقط بالفجوة الاقتصادية أو بالتمايز الاجتماعي، بل بعلاقة أعمق بين الإنسان والمكان الذي يعيش فيه، فالمدينة ليست مجرد إطار خارجي، بل تشكل امتدادًا نفسيًا للذات، تحمل ذاكرة الفرد وتمنحه إحساسًا بالاستمرارية والانتماء، الشوارع التي يسير فيها، والمقاهي التي يعرفها، والأسماء التي ألفها، كلها عناصر تشكّل جزءًا من هويته اليومية.

وحين تتغير هذه العناصر بطريقة لا تعود تشبهه، لا يشعر فقط بالغربة عن المكان، بل بنوع من الانفصال عن نفسه، كأن جزءًا من تاريخه الشخصي لم يعد له مكان، أو كأن المدينة التي كانت تؤطّر حياته بدأت تنسحب منه، هنا، لا يكون الاغتراب مجرد شعور عابر، بل يتحول إلى فقدان تدريجي للانتماء، وإلى قلق أعمق يتعلق بموقع الفرد نفسه داخل هذا الفضاء: أين مكاني في مدينة لم تعد تعكسني؟

بهذا المعنى، لا تعود المسألة مرتبطة فقط بما يُبنى، بل بمن يُعاد تعريفه من خلال هذا البناء، فحين تُعاد صياغة المدينة وفق صور لا تخصّ سكانها، لا يفقد الناس أماكنهم فقط، بل يفقدون أيضًا جزءًا من أنفسهم التي كانت تجد في هذه الأماكن امتدادها الطبيعي.

كأن المدينة لم تعد تُبنى لتُعاش، بل لتُشاهد، وستكون مشاهدة مصحوبة بالحسرة وعدم الانتماء.

Related

اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا

إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى



إقرأ المزيد