عنب بلدي - 4/13/2026 10:17:10 PM - GMT (+2 )
شكّل سقوط نظام الأسد بداية رحلة جديدة محفوفة بالمخاطر لإعادة بناء وترميم ما دمرته الحرب خلال 14 عامًا، ومنها تأمين مساكن لملايين المقيمين في المخيمات، والنازحين واللاجئين ممن دُمّرت بيوتهم.
وتسببت الحرب بنزوح ولجوء الملايين من السوريين، وأصبح البحث عن مأوى حلمًا وسط ظروف معيشية صعبة، ومستوى دخل متدنٍ، وأسعار عقارات تحمل أرقامًا “فلكية” تفوق القدرة.
عنب بلدي تناقش في هذا الملف واقع أزمة السكن في سوريا بعد سنوات الحرب، وحجم الدمار الكبير في البنية التحتية والمساكن، في ظل فجوة حادة بين أسعار العقار والبناء أو الترميم، والقدرة المحدودة، ما يجعل امتلاك أو حتى استئجار منزل تحديًا كبيرًا.
كما تبحث مع خبراء التحديات الاقتصادية التي تعوق إعادة الإعمار، مثل التكلفة الهائلة للمشاريع، وغياب التخطيط العمراني والاستثمارات، وركود سوق العقارات وارتفاع الأسعار، إضافة إلى ضعف السياسات الحكومية، وغياب حلول شاملة ومستدامة لضمان عودة آمنة وكريمة للسكان.
كما تناقش أزمة السكن المركبة، التي تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والخدمية والتنظيمية.
كشف تقرير أممي صادر في 26 من كانون الثاني الماضي، عن حجم الدمار الواسع الذي لحق بقطاع الإسكان في سوريا، إذ لا تزال أزمة المأوى والبنية التحتية تشكّل أحد أبرز العوائق أمام الاستقرار والتعافي وعودة آمنة للنازحين، موضحًا أن نحو ثلث المباني السكنية في البلاد متضرر أو مدمر.
وتعاني البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، من اختلالات واسعة النطاق، لا سيما في المناطق التي شهدت نزاعات طويلة الأمد أو دمارًا شديدًا.
وبحسب نتائج التقييم الذي أجرته الأمم المتحدة في تقريرها، أفادت 89% من المجتمعات المشمولة بوجود أضرار في مخزونها السكني، فيما ذكرت نحو نصف هذه المجتمعات أن أكثر من 50% من مساكنها قد تضررت، مع تسجيل أعلى نسب الدمار في محافظات الجنوب والشمال الغربي.
ويظهر تحليل لصور أقمار صناعية أجراه معهد الأمم المتحدة للبحث والتدريب “يونيتار” (UNITAR) دمارًا كبيرًا في المباني داخل 16 مدينة سورية على الأقل، جراء الحرب الطاحنة التي دارت رحاها في المدن والقرى السورية.
وبحسب التحليل الصادر في آب 2025، فإن عدد الأبنية التي دُمرت كليًا أو تعرضت لأضرار متفاوتة بلغ 355,722 مبنى في حلب، و1415 في إدلب، و12,781 في الرقة، و6405 في دير الزور، و10,000 و529 في حماة و13,778 في حمص، و34,136 في الغوطة الشرقية، و5489 في مخيم “اليرموك” والحجر الأسود، و3364 في الزبداني بريف دمشق، و1503 في درعا.
التقرير الأممي الصادر في كانون الثاني الماضي، كشف أن هناك 7.4 مليون شخص لا يزالون نازحين حتى كانون الأول 2025، من بينهم أكثر من 1.5 مليون يعيشون في خيام أو مبانٍ غير مكتملة أو مراكز جماعية مكتظة لم تُصمَّم للإقامة طويلة الأمد.
زلزال شباط 2023، الذي ضرب شمالي وغربي سوريا، أدى إلى تفاقم أزمة السكن، بعدما دمر أكثر من 47,000 منزل إضافي، وشرد عشرات آلاف العائلات.
وسجل التقرير تطورًا ملحوظًا في حركة عودة اللاجئين والنازحين، مشيرًا إلى عودة 1.26 مليون شخص إلى سوريا منذ كانون الأول 2024، إلا أن كثيرين منهم عادوا إلى منازل متضررة أو منهوبة أو غير صالحة للسكن، لا سيما في محافظات دمشق وحلب وإدلب وحمص.
وصنف معظم الأضرار السكنية ضمن الفئات القابلة للإصلاح، حيث قدّر أن نحو 79% من المساكن المتضررة يمكن إعادة تأهيلها، مقابل 21% تحتاج إلى إعادة إعمار كامل، ومع ذلك، تواجه عمليات الترميم عوائق كبيرة، شملت نقص التمويل وارتفاع تكاليف مواد البناء وتضرر البنية التحتية المحيطة، إضافة إلى محدودية الأيدي العاملة المتخصصة.
ولا تزال المساكن المتضررة مأهولة بالسكان على نطاق واسع، بما في ذلك وحدات مصنّفة من قبل الأمم المتحدة على أنها غير آمنة إنشائيًا، وهو ما يعرّض السكان لمخاطر صحية وحمائية متزايدة، من بينها مخلفات الحرب غير المنفجرة وغياب الخصوصية وارتفاع معدلات الجريمة.
وخلص التقرير إلى وجود فجوة واضحة بين وتيرة عودة السكان والواقع الفعلي للمساكن والبنية التحتية، مؤكدًا أن العودة في كثير من الحالات تتم بدافع غياب البدائل وليس توفر ظروف آمنة، ما يبرز الحاجة الملحّة إلى توسيع برامج ترميم المساكن ودعم التعافي المبكر لضمان عودة أكثر أمانًا واستدامة.
قدّر البنك الدولي تكلفة إعادة إعمار سوريا بنسبة وسطية، بنحو 216 مليار دولار، وفق تقرير أصدره في 21 من تشرين الأول 2025.
ويغطي تقييم الأضرار المادية وإعادة الإعمار على مستوى سوريا للأصول المادية من بنى تحتية ومبانٍ الفترة من 2011 حتى 2024، علمًا أن الحرب تسببت بتضرر ما يقرب من ثلث رأس المال الثابت الإجمالي لسوريا قبل الحرب (المباني والمصانع والآلات والمعدات ووسائل النقل مثل الشاحنات والأجهزة والتقنيات المستخدمة في الإنتاج).
وقدّر البنك الأضرار المادية المباشرة التي لحقت بالبنية التحتية والمباني السكنية وغير السكنية بنحو 108 مليارات دولار، وكانت البنية التحتية من بين الفئات الأكثر تضررًا، حيث شكلت 48% من إجمالي الأضرار (52 مليار دولار)، تلتها المباني السكنية (33 مليار دولار)، ثم المباني غير السكنية (23 مليار دولار).
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن إعادة الإعمار تتراوح ما بين 250 و400 مليار دولار.
وزير الاقتصاد السوري، محمد الشعار، أدلى بتصريحات لوكالة “رويترز” في تشرين الأول 2025، أشار فيها أن تكلفة إعادة الإعمار في سوريا قد تتجاوز تريليون دولار، إذا أُعيد بناء البنية التحتية وفق الطرق الحديثة، مشيرًا إلى أن العملية ستستغرق فترة طويلة، بينما سيستغرق بناء المنازل وحده ما بين ستة وسبعة أعوام.
تعيش العقارات في سوريا حالة من الركود التضخمي غير المسبوق في ظل وجود أسعار تفوق دخول أغلبية السوريين بمئات الأضعاف، دون وجود أي تدخل حكومي يُذكر سواء للجم أسعار العقارات أو تقليص الهوة السحيقة بينها وبين الرواتب والأجور في سوريا.
الخبير والمقيم العقاري السوري فواز الشامي، اعتبر أن قلة العرض بالعقارات تمثل أحد أهم أسباب ارتفاع أسعارها، وقال في حديث إلى عنب بلدي، “لا يمكننا تعميم موضوع قلة العرض، فبعض المناطق العرض فيها أكبر بكثير من الطلب”.
الإيجار يلتهم الرواتب والتملك خارج الحساباتقال الموظف المتقاعد وائل العلي، “جاهدت كثيرًا للحصول على منزل عبر حياتي الطويلة دون جدوى. همي الأساسي تأمين إيجار المنزل الذي أقطنه”.
يقيم وائل في منطقة صحنايا بريف دمشق، ويدفع 300 دولار شهريًا، بحسب قوله.
وأضاف، “راتبي لا يتعدى 900 ألف ليرة سورية، في حين أن أقل شقة في ريف دمشق قد يتجاوز سعرها 200 إلى 500 مليون ليرة سورية أو أكثر بحسب المنطقة (الدولار يعادل 12350 ليرة سورية).
وأوضح وائل أن الموظف الحالي قد يصل راتبه إلى مليوني ليرة بعد الزيادة الأخيرة، ما يعني أنه سيحتاج إلى مئات أو ألوف الرواتب ليتمكن من شراء منزل، وهو أمر غير واقعي دون دعم خارجي أو مصادر دخل إضافية.
رامي الضاهر، الذي هُجر من حي الحجر الأسود عام 2012، قال لعنب بلدي، إنه يعيش مستأجرًا في منطقة نهر عيشة، وإن تكلفة بناء منزل جديد لا تقل عن 200 مليون ليرة سورية في منطقته، وهو ما يفوق قدرته المالية بكثير، مبديًا استغرابه من غياب الخطط الحكومية لحل مشكلة السكن التي باتت تؤرق ملايين السوريين من النازحين والمهجرين.
“يجب على الدولة اتخاذ إجراءات بمساعدة السكان العاجزين أمام الارتفاع الجنوني لأسعار المنازل”، أضاف رامي، مشيرًا إلى أنه يعمل في إحدى المهن الحرة (طلاء الجدران)، ولكن دخله الشهري لا يتعدى ثلاثة ملايين ليرة سورية (الدولار يساوي 12350 ليرة سورية)، وهو مبلغ غير كافٍ لتأمين متطلبات العائلة المكونة من أربعة أفراد، أما حلم المنزل فأصبح بعيد المنال، وفق تعبيره.
“أبو جميل العمري” وهو موظف سابق، قال لعنب بلدي، “منذ عام 1995، وأنا أحاول شراء منزل في سوريا، لكن الأمر كان صعبًا جدًا بسبب الفرق الكبير بين الرواتب وأسعار العقارات في تلك الفترة”.
وأضاف “أبو جميل”، “كان راتب الموظف يتراوح تقريبًا بين 2000 و5000 ليرة سورية، بينما كانت أسعار الشقق تبدأ من مئات آلاف الليرات، ورغم أن الأسعار كانت أقل بكثير من اليوم، فإنها كانت مرتفعة مقارنة بالدخل، وكان الادخار يحتاج إلى سنوات طويلة”.
فجوة العرض والطلب تشل سوق العقاراتالعديد من أصحاب المكاتب العقارية في دمشق وريفها (الكسوة، أشرفية صحنايا، المزة 86، سيدي مقداد، التضامن)، أحجموا عن الحديث لعنب بلدي بأسمائهم الصريحة، حول بعض الاستفسارات المتعلقة بأسعار العقارات، مبررين ذلك بـ:”حساسية السوق وعدم استقرار الأسعار، والخشية من المساءلة أو التضييق، وغياب الوضوح في التسعير، يضاف إلى ذلك ضعف الثقة بالتغطيات الإعلامية”.
“ط. ع.” صاحب مكتب عقاري في أشرفية صحنايا بريف دمشق، قال لعنب بلدي، إن أسعار العقارات تتنوع بحسب الموقع والمساحة ونوعية البناء والخدمات المتوفرة، حيث تسهم هذه العوامل مجتمعة في ارتفاع السعر أو انخفاضه، وأضاف أنه مقارنة بدخل الموظف فإن أسعار العقارات تفوق الدخل بمئات المرات.
ويعد القرب من الطرق الرئيسة، وتوفر البنية التحتية الجيدة من كهرباء ومياه وصرف صحي وهاتف، من أبرز العوامل التي تدفع الأسعار نحو الارتفاع، وقال صاحب المكتب العقاري، إن سعر المتر المربع من أي عقار سكني غير مكسو (على العظم) سواء في صحنايا أو أشرفية صحنايا يتراوح ما بين 200 دولار كأدنى حد و800 دولار كأعلى حد، وأغلب صفقات البيع تتم بالدولار.
لكن سوق العقارات يشهد حاليًا حالة من الجمود شبه التام، رغم وجود حركة إنشاءات أبنية سكنية نشطة نسبيًا، مرجعًا ذلك إلى ضعف القدرة الشرائية لدى المواطنين وارتفاع تكاليف البناء، ما أدى إلى فجوة واضحة بين العرض والطلب.
ويعتبر صاحب المكتب أن هذا الجمود لا يقتصر على منطقة معينة، بل يشمل معظم مناطق دمشق وريفها، حيث سجل السوق تراجعًا كبيرًا في حركة البيع والشراء خلال عامي 2025 و2026، رغم استمرار ارتفاع الأسعار بشكل ملحوظ، مشيرًا إلى أن ارتفاع أسعار مواد البناء والتضخم العام في البلاد أسهما في مضاعفة أسعار العقارات والإيجارات.
وفي المقابل، بحسب صاحب المكتب العقاري، فإن سوق الإيجارات يشهد نشاطًا أكبر مقارنة بحركة البيع، نتيجة عودة بعض السكان إلى مناطقهم.
جمود الأسواق وغياب المشاريع الحكوميةيرى الخبير والمقيم العقاري، عضو هيئة الإشراف على التمويل العقاري، الدكتور محمد وردة، أن المشهد العقاري في سوريا تحكمه معادلة معقدة، تبدأ من ارتفاع أسعار الأراضي المنظمة، في ظل شح واضح في المخططات التنظيمية الجديدة، ما يخلق ندرة مصطنعة ترفع القيمة بشكل مستمر.
وقال إن تكاليف البناء لم تعد كما كانت، إذ شهدت أسعار المواد واليد العاملة قفزات كبيرة نتيجة نشاط محدود لكنه كافٍ لرفع الطلب، الأمر الذي انعكس مباشرة على الأسعار النهائية للعقارات.
وفي المقابل، تعاني السوق من نقص حاد في المساكن الجاهزة، خصوصًا مع بقاء مساحات واسعة من المناطق المتضررة خارج الخدمة، ما يخلق فجوة كبيرة بين العرض والطلب
المشهد العقاري في سوريا تحكمه معادلة معقدة، تبدأ من ارتفاع أسعار الأراضي المنظمة، في ظل شح واضح في المخططات التنظيمية الجديدة، ما يخلق ندرة مصطنعة ترفع القيمة بشكل مستمر.
الدكتور محمد وردة
مقيم وخبير عقاري
العقار ملاذ “القلقين”الخبير والمقيم العقاري الدكتور محمد وردة، أكد أن التضخم يلعب دورًا محوريًا في رفع الأسعار، لكنه ارتفاع اسمي في كثير من الأحيان، يعكس تآكل قيمة العملة أكثر مما يعكس نموًا حقيقيًا في السوق، وهذا الواقع يدفع شريحة واسعة من السوريين إلى اللجوء للعقار كملاذ آمن، خاصة في ظل تذبذب أسعار الذهب وغياب بدائل استثمارية موثوقة داخل البلاد.
في الوقت ذاته، وفقًا لوردة، يتزايد الطلب مدفوعًا بعودة بعض السوريين، ورغبة آخرين في تأمين سكن مستقبلي، ما يخلق ضغطًا كبيرًا على سوق محدود العرض، كما أن انهيار أسواق منافسة، مثل سوق السيارات، أسهم في تحويل العقار إلى وجهة شبه وحيدة للاستثمار.
ومن الناحية النظرية، أوضح وردة أن السعر العادل يُبنى على معايير واضحة تشمل تكلفة الأرض والبناء والضرائب، إضافة إلى المقارنة السوقية.
لكن الواقع مختلف تمامًا، حيث تسود حالة من التسعير المزاجي، في ظل غياب الضوابط العلمية والإدارية التي تنظم السوق.
وشدد على أن السوق العقارية في سوريا ليست كتلة واحدة، بل مجموعة أسواق متباينة، تختلف من مدينة إلى أخرى، ومن حي إلى آخر، وفقًا للظروف والخدمات.
لذلك، فإن الحديث عن “سعر عادل” يبقى نسبيًا، ويتطلب قراءة دقيقة للسياق المحلي لكل منطقة.
ضعف الدخل وتدني القوة الشرائيةالخبير والمقيم العقاري الدكتور محمد وردة، يرى أن المشكلة لا تكمن في الأسعار بحد ذاتها، بل في ضعف الدخل وتدني القوة الشرائية، ما يجعل العقارات تبدو بعيدة المنال لأغلبية السوريين.
وقال إن الأسعار، بالمقارنة مع دول مجاورة، ليست مرتفعة بالضرورة، لكنها تصبح كذلك عندما تُقاس بالدخل المحلي.
ورغم ذلك، تبقى العقارات مغرية للمستثمرين الذين يمتلكون عملات صعبة، في حين تشكل عبئًا كبيرًا على أصحاب الدخل بالليرة السورية.
غير أن الاستثمار في هذا القطاع لا يخلو من المخاطر، في ظل صعوبات التسييل والتقلبات القانونية والإدارية، ما يجعله خيارًا غير مضمون النتائج.
حتى الآن، لا توجد مؤشرات على انخفاض الأسعار في أي منطقة، إذ يستمر الطلب في التوسع دون أن يقابله عرض كافٍ، بحسب الخبير، مبينًا أن التمويل العقاري لا يزال غائبًا تمامًا، ما يحد من تأثيره على الأسعار حاليًا.
ووصف وردة الواقع الحالي للسوق بأنه “جمود تضخمي”، حيث تتضخم الأسعار دون نشاط حقيقي في التداول، مع ميل واضح للاحتفاظ بالعقار بدل بيعه، وهذا يجعل السوق في حالة “لا استقرار ولا انهيار”، ويبقيه معلقًا بين الحاجة والقلق، في مشهد استثنائي يصعب تصنيفه.
غياب مشاريع التطوير العمرانيالخبير والمقيم العقاري عضو هيئة الإشراف على التمويل العقاري، فواز الشامي، شرح لعنب بلدي الأسباب الرئيسة لارتفاع أسعار العقارات في سوريا خلال السنوات الأخيرة، وهي:
- ضعف قطاع المواصلات مما يجعل الطلب أكبر ضمن المدينة وبالتالي ترتفع أسعار عقاراتها.
- تقصير المحافظة بتنظيم مناطق سكنية جديدة لتلبية الطلب على المساكن (آخر تنظيم سكني تم الانتهاء منه هو تنظيم كفرسوسة في أوائل ثمانينيات القرن الماضي).
- غياب مشاريع التطوير العمراني التي تؤمّن عقارات بسعر منافس، نظرًا إلى الحجم الكبير لتلك المشاريع وموقعها على أطراف المدينة، حيث الأسعار أقل وبالتالي تسهم في تخفيض الأسعار.
- عدم وجود مجالات استثمار أخرى آمنة وشفافة مثل شراء أسهم في شركات مساهمة.
وأشار إلى أن من الطبيعي أن تتأثر أسعار العقار بتكاليف البناء والمواد التي انخفضت بشكل ملموس مؤخرًا، وحول تقييمه للفجوة الحالية بين أسعار العقارات ورواتب الموظفين، يرى الشامي أن “رواتب الموظفين هي المشكلة، وهي غير متناسبة مع تكلفة الحد الأدنى من الحياة اليومية، ولذلك فإن ضمن أولويات الحكومة تحسين الرواتب تدريجيًا بحسب الامكانية المتاحة”.
“لا يوجد تضخم في السوق العقاري السوري، بل هناك جمود”، بحسب الخبير الشامي، موضحًا أن المناطق التي كانت مسرحًا للحرب، شهدت ارتفاعًا بالأسعار (حرستا، داريا…)، ولكن يمكن القول إن أسعار الشقق الصغيرة من 90 إلى 130 مترًا مربعًا شهدت زيادة في الطلب وارتفاعًا بسيطًا في الأسعار.
مذكرات تفاهم بالملياراترغم القفزات الكبيرة في أسعار العقارات السكنية والتجارية، بقي الموقف الحكومي يراوح مكانه، واكتفت مديريات دوائر المال باتباع الطريقة ذاتها في تقييم وتعديل القيمة الرائجة للعقارات.
وتشكل مديريات المالية ودوائر المال لجانًا فرعية لتحديد القيمة الرائجة لجميع العقارات في المدن والبلدات والقرى، بحسب القانون “15” لعام 2021، ولجانًا رئيسة في المحافظات، ولجنة مركزية بوزارة المالية للإشراف والاعتماد.
وتنحصر مهمة هذه اللجان بـ”اقتراح شرائح سعرية ووسطي قيمة رائجة للمتر المربع الواحد لكل شريحة، بناء على الوصف المالي للعقار (سكني، تجاري، زراعي)، وتحميلها على الخرائط الإلكترونية، في حين تكون أسس التقييم بالاعتماد على الموقع الجغرافي ونوع العقار والوصف الطبوغرافي، ثم تفتح الخرائط دوريًا لتعديل الأسعار لمواكبة القيمة السوقية.
ويرى الخبير والمقيم العقاري الشامي، أن القيمة الرائجة لأي عقار هي قيمة تقديرية تقررها وزارة المالية لأهداف ضريبية، ويتم تحديثها بشكل دوري كل بضعة أشهر، أما السعر الحقيقي فيعتمد على أسعار البيوع الحقيقية التي تتم على أرض الواقع في السوق العقارية.
وهناك تفاوت بين السعر الرائج وسعر السوق، ولكن بشكل عام السعر الرائج أقل من السعر الحقيقي لأي عقار بنسبة تتراوح بين 10 و30%، وقال الخبير الشامي، “للأسف يعتمد التقييم بشكل كبير على الخبرة، نظرًا إلى عدم وجود آليات لمعرفة العقارات المباعة وأسعارها الحقيقية”.
استثمارات عقارية بمليارات الدولاراتغلب على جميع الاستثمارات العقارية التي تم توقيعها منذ سقوط النظام حتى الآن طابع الغموض، والخصخصة، دون معرفة ما إذا كانت تصب بمصلحة تخفيض أسعار العقارات، أو تأمين سكن بديل لمن لا سكن لهم.
وبحسب ما ذكره مركز “كرم شعار للاستشارات”، فإنه تم رصد توقيع 20 مذكرة تفاهم في مرحلة ما بعد الحرب، أغلبيتها في قطاع العقارات والبناء والإنشاءات، وأُعلن عنها بين مؤسسات حكومية سورية وشركات أجنبية، وتم الإفصاح عن قيم 15 منها فقط، بمجموع بلغ 19 مليار دولار أمريكي، في حين لم تُذكر تفاصيل حول المذكرات الخمس الأخرى.
وفي تموز 2025، وُقّعت 47 مذكرة تفاهم واتفاقية أولية بين عدد من المؤسسات الحكومية السورية وشركات سعودية ضمن المنتدى الاستثماري السوري- السعودي في دمشق، بقيمة إجمالية بلغت 6.4 مليار دولار أمريكي.
وشملت الاتفاقيات قطاعات البنية التحتية والتطوير العقاري، التي استحوذت على الحصة الكبرى من إجمالي الاستثمارات، إلى جانب الاتصالات وتقنية المعلومات والصناعة والسياحة والصحة.
جهود الحكومة ومستقبل السكن التعاونيعقب سقوط النظام السابق، شكلت الحكومة السورية الجديدة لجنة لدراسة واقع الجمعيات التعاونية السكنية في مختلف المحافظات السورية، بهدف التحقق من الشكاوى المقدمة من المكتتبين بشأن ملفات الفساد خلال الفترات السابقة.
وأعلن وزير الأشغال العامة والإسكان، مصطفى عبد الرزاق، في 18 من آذار 2025، عن انتهاء أعمال اللجنة، واتخذت عدة إجراءات، من بينها التنسيق مع مصرف سوريا المركزي، لتحرير حسابات الجمعيات السكنية في جميع المصارف، باستثناء بعض الجمعيات التي لا تزال تخضع لدراسة دقيقة، حفاظًا على حقوق المكتتبين.
وفيما يتعلق بتأثير إلغاء الاتحاد العام التعاوني السكني على إنشاء جمعيات سكنية جديدة، أوضح مدير مديرية التعاون السكني في وزارة الأشغال العامة والإسكان، أسامة الشعباني، لعنب بلدي، أن هذا الإلغاء لم يكن له أثر على إحداث جمعيات جديدة.
وأشار الشعباني إلى أن قرار إيقاف إشهار الجمعيات التعاونية كان قد صدر قبل إلغاء الاتحاد العام وضمه إلى وزارة الأشغال العامة والإسكان كإدارة التعاون السكني، مؤكدًا أن الجمعيات القائمة والفعالة لا تزال قادرة على تنفيذ مشاريع سكنية جديدة.
السكن الشبابي.. التكاليف والاكتتابفي إطار جهود الحكومة لتوفير حلول سكنية مناسبة للشباب، تواصل المؤسسة العامة للإسكان العمل على مشروع السكن الشبابي، ورغم التحديات التي فرضتها الظروف الاقتصادية، يسعى المشروع إلى توفير بيئة سكنية ملائمة، وفقًا لما صرح به مدير المؤسسة العامة للإسكان، تمام الدبل، لعنب بلدي.
وقال الدبل، إن مشروع السكن الشبابي يشهد استمرارًا في التنفيذ رغم التحديات التي واجهته خلال السنوات الماضية، ولا سيما ارتفاع تكاليف البناء والظروف الاقتصادية العامة (دون أن يصرح عن قيمتها)، موضحًا أن المؤسسة العامة للإسكان تعمل حاليًا على استكمال المشاريع القائمة وفق أولويات محددة، مع اتخاذ إجراءات لمعالجة أوضاع المكتتبين وتسريع وتيرة الإنجاز.
فيما تتم إعادة تقييم التكاليف التقديرية للمساكن بشكل دوري، بما قد ينعكس على تعديل الأقساط بما يتناسب مع الواقع الاقتصادي، مع مراعاة القدرة على السداد، وفقًا للدبل، مؤكدًا أن المؤسسة ملتزمة بإنهاء هذا المشروع الحيوي وتسليم المساكن للمستحقين ضمن خطة تدريجية مدروسة.
وزارة الإدارة المحلية “مشغولة” عن الردالطلب وفوضى التنظيم في سوق العقاراتتواصلت عنب بلدي مع وزارة الإدارة المحلية والبيئة السورية للاستفسار عن المشاريع الإسكانية التي تم الاتفاق على تنفيذها في الآونة الأخيرة، ولمعرفة ما إذا كان هناك دعم حكومي لجهود الوزارة في هذا المجال وحجم هذا الدعم، وتم توجيه تساؤلات لها عن الأسباب الرئيسة التي تقف وراء بطء عمليات إعادة الإعمار في المناطق المتضررة، وقلة عدد المشاريع السكنية الجديدة.
إلا أن المكتب الإعلامي في وزارة الإدارة المحلية، اشترط بداية حصولنا على إجابات من وزارة الأشغال العامة والإسكان (رغم أن ملف إعادة الإعمار من اختصاص الإدارة المحلية)، ثم اعتذر عن عدم الإجابة عن الأسئلة، مبررًا ذلك بانشغال المكتب بالورشة التشاورية التي أطلقتها الوزارة لإعداد البرنامج الوطني للمشاريع ذات الأولوية في ظل التغيرات المناخية.
أما المكتب الإعلامي في المديرية العامة للمصالح العقارية، فأكد أن المديرية ليس لها أي دور في تحديد الأسعار، إذ إن ذلك من اختصاص وزارة المالية التي تقوم بتحديد “القيمة الرائجة” للعقارات.
وقال إن دور المديرية يقتصر على تحديد الرسوم الخاصة بالخدمات العقارية، مشيرًا إلى أن هذه الرسوم لا تؤثر على سعر العقار.
تشهد السوق العقارية السورية حالة من التعقيد، نتيجة تداخل عدة عوامل اقتصادية وتنظيمية، إلى جانب غياب قوانين واضحة لتنظيم الاستثمار وإعادة الإعمار، الأمر الذي انعكس على مستويات الأسعار وحجم الطلب، وسط تحديات مرتبطة بالتخطيط العمراني وتنظيم الملكيات، بحسب ما قاله المهندس مظهر شربجي لعنب بلدي.
وتتركز أزمة العقارات في سوريا، بحسب شربجي، بمناطق مثل دمشق وحلب، نتيجة رغبة معظم الناس بالعمل والاستقرار فيها، كما تعاني السوق العقارية من مشكلات متراكمة، أبرزها قضايا الإرث ووضع اليد وعدم تصحيح الأوصاف العقارية، إضافة إلى إشكالات فنية تعوق تنظيم الملكيات.
وأشار أن من العوامل المؤثرة أيضًا الحالة الاقتصادية الصعبة، إلى جانب زيادة الطلب نتيجة عودة المغتربين، وما يرافق ذلك من توقعات بارتفاع أو انخفاض الأسعار.
وهناك تخوف واسع لدى المواطنين من ارتفاع غير طبيعي بأسعار العقارات، خصوصًا في المناطق المتضررة، مثل المعضمية وداريا وجوبر، بحسب شربجي، حيث يتركز اهتمام المستثمرين على شعارات إعادة الإعمار وبناء الأبراج، دون وجود قوانين واضحة تنظم آليات الاستثمار.
من ناحية أخرى، لفت شربجي إلى أن هناك فراغًا عقاريًا كبيرًا في محيط دمشق وبقية المحافظات، ما يدل على وجود قصور كبير في التخطيط العمراني على مستوى سوريا، مؤكدًا أن جزءًا من الأسعار الحالية يُعتبر وهميًا وقد يؤدي إلى تضخم مستقبلي، نتيجة غياب رؤية واضحة للتخطيط العمراني والتشريعات الناظمة، والتي لم يصدرها مجلس الشعب (الذي لم يباشر أعماله) حتى الآن.
في حال وجود شركات خارجية، أو شركات محلية بالتعاون مع دولية، مع وجود دعم مالي وخطة واضحة وسيولة كافية، إضافة إلى اقتصاد قوي للدولة، يمكن تحقيق تقدم ملموس على صعيد تأمين سكن لشريحة معيّنة من المواطنين.
مظهر شربجي
مهندس معماري
المشاريع السكنية.. الحاجة الأكثر إلحاحًاتعتبر المشاريع السكنية الحاجة الأكثر إلحاحًا نظرًا إلى حجم الدمار، إلا أن التنفيذ على أرض الواقع لا يزال محدودًا، بينما يتركز النشاط الحالي على اتفاقيات لمشاريع سياحية واقتصادية وصناعية، وفق ما قاله المهندس مظهر شربجي.
وكذلك تبرز تساؤلات حول مدى ملاءمة البنية التحتية لإقامة مشاريع عمرانية ضخمة، وحول ضرورة إشراك السكان المحليين في اتخاذ القرارات، خاصة في المناطق الريفية والزراعية التي لا تتناسب مع نمط الأبراج السكنية، بحسب شربجي.
وأضاف أن من أبرز معوقات العمل على إعادة الإعمار، الوضع المالي للدولة، إذ من المفترض أن تتوفر لديها خزينة قوية، إلى جانب مساعدات ودعم دولي، لكن الواقع يشير إلى أن الموارد المالية غير كافية لتنفيذ المشاريع بشكل فعال.
وفيما يخص الوقت المتوقع لتنفيذ مشاريع سكنية جديدة، ذكر أن المشاريع المحلية بمفردها تواجه صعوبة كبيرة في التنفيذ، أما في حال وجود شركات خارجية، أو شركات محلية بالتعاون مع دولية، مع وجود دعم مالي وخطة واضحة وسيولة كافية، إضافة إلى اقتصاد قوي للدولة، فيمكن تحقيق تقدم ملموس على صعيد تأمين سكن لشريحة معينة من المواطنين.
وأكد أيضًا أهمية توفر الخبرات والكوادر المؤهلة، ووجود بيئة حوكمة تسمح للقطاع الخاص والمشترك والمجتمع المدني والحكومات بالعمل كيد واحدة.
إقرأ المزيد


