عاصفة بَرَد تضرب الحسكة.. مزارعون يواجهون خسائر بمحاصيلهم
عنب بلدي -

شهدت أرياف مدن عامودا والدرباسية والقامشلي في محافظة الحسكة، خلال الأيام الماضية، موجة تساقط كثيف لحبات البَرَد (المعروفة محليًا بـ”الحالول”)، ما تسبب بأضرار واسعة في المحاصيل الزراعية، وسط تقديرات أولية تشير إلى خسائر متفاوتة بين متوسطة وكبيرة، بحسب نوع المحصول ومرحلة نموه.

ويعتمد آلاف السكان في هذه المناطق على الزراعة كمصدر دخل رئيس، ما يجعل أي ضرر بالمحاصيل ينعكس مباشرة على الأمن الغذائي والمعيشي للأهالي، خصوصًا في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع القدرة على تعويض الخسائر.

أضرار متفاوتة تطال المحاصيل

طالت الأضرار محاصيل استراتيجية وغذائية متنوعة، شملت القمح والشعير والبصل والفول والكمون، وهي من أبرز الزراعات في المنطقة خلال الموسم الربيعي.

وبحسب ما أفاد به مزارعون عنب بلدي، فإن شدة الأضرار اختلفت تبعًا لعمر النبات وكثافة الهطول، حيث تسببت حبات البَرَد بتكسير أوراق النباتات ورضوض في السيقان، إضافة إلى اقتلاع جزئي لبعض الشتلات، ما يهدد الإنتاجية النهائية للموسم.

ويُعد القمح والشعير من أكثر المحاصيل تأثرًا، نظرًا إلى انتشارهما الواسع في الأراضي الزراعية، فيما تأثر البصل والفول والكمون بدرجات متفاوتة.

تضرر محصول القمح في عامودا

قال المزارع أحمد سعدون من ريف عامودا، إن العاصفة كانت “مفاجئة وعنيفة”، مضيفًا أن حقله المزروع بالقمح تعرّض لأضرار كبيرة.

وأضاف، “الحالول نزل بكثافة، وضرب أوراق القمح بشكل مباشر، في مساحات واسعة من الأرض، ما أدى إلى تكسّرها بالكامل تقريبًا”.

وقدّر أحمد خسارته بأكثر من 50% من إنتاج القمح المتوقع، مشيرًا إلى أنه كان يعوّل على الموسم الحالي لتعويض خسائر العام الماضي.

وتابع، “تكاليف الزراعة مرتفعة من بذار وحراثة ووقود، وإذا استمر الوضع بهذا الشكل، سنكون أمام موسم خاسر بالكامل”.

في الدرباسية.. أضرار بالكمون والفول

في ريف الدرباسية، قال المزارع خالد علي، إن الأضرار طالت محاصيل الكمون والفول بشكل رئيس، لافتًا إلى أن الكمون في مرحلة الإنبات المبكرة تعرض لتأثير أقل نسبيًا مقارنة بالمزروعات الأكثر نموًا.

وقال، “الكمون الذي كان في بداية الإنبات قد يتحمل ويعوض، لكن المساحات التي بدأت بالنمو بشكل واضح تضررت أكثر”.

وأضاف أن الفول تعرّض لضربات مباشرة أدت إلى تمزق الأوراق وانحناء السيقان، ما سيؤثر على إنتاجيته.

وأشار خالد إلى أن المزارعين بدأوا برش مبيدات فطرية، خوفًا من إصابة النباتات بالأمراض نتيجة الجروح التي أحدثها البَرَد، موضحًا، “نخشى من انتشار الفطريات بسبب الرطوبة والكسور، لذلك بدأنا بالعلاج فورًا”.

البصل أقل تضررًا

أما في ريف القامشلي، فقال المزارع محمود قدور، إن محصول البصل كان من بين المحاصيل المتضررة، لكن هناك أملًا بتعافيه.

وأضاف، “أوراق البصل تعرضت للتمزق، لكن من المعروف أن البصل يمكن أن يعوض النمو إذا كانت الجذور سليمة”.

وأشار إلى أن نسبة الضرر تتراوح بين 20 و30% في حقله، معتبرًا أن الخسائر “مقبولة نسبيًا مقارنة بمحاصيل أخرى”.

إجراءات وقائية محدودة

بدأ عدد من المزارعين باتخاذ إجراءات وقائية للحد من تداعيات الأضرار، أبرزها رش مبيدات مضادة للفطريات، بهدف منع انتشار الأمراض الناتجة عن الجروح التي أصابت النباتات.

إلا أن هذه الإجراءات تزيد من التكاليف المالية على المزارعين، الذين يعانون أساسًا من ارتفاع أسعار المستلزمات الزراعية.

بعض المحاصيل قادرة على التعويض

المهندس الزراعي عادل صافي، قال إن تأثير البَرَد يختلف بحسب نوع المحصول ومرحلة نموه، مشيرًا إلى أن بعض المحاصيل تمتلك قدرة على التعويض، وإن كانت بنسب متفاوتة.

وأوضح أن الشعير يُعد من المحاصيل الأكثر قدرة على تجاوز الضرر، إذ يمكن أن ينمو مجددًا ويعطي إنتاجًا مقبولًا، رغم أن الإنتاج النهائي غالبًا ما يكون أقل من المعدلات الطبيعية بسبب تضرر البنية الخضرية للنبات.

وأضاف أن القمح أيضًا قادر على تجديد أوراقه وتفرعاته، خاصة أن الموسم لا يزال في مرحلة مبكرة نسبيًا، ما يمنحه فرصة زمنية للتعويض، بشرط توفر الظروف المناخية الملائمة خلال الأسابيع المقبلة.

وفيما يتعلق بالبصل، أكد صافي أنه من المحاصيل التي “لا يُخشى عليها بشكل كبير”، نظرًا لقدرتها على تعويض الأوراق المتضررة، طالما أن البصلة نفسها لم تتضرر بشكل مباشر.

أما بالنسبة للكمون، فأشار إلى أن تأثره يرتبط بشكل وثيق بمرحلة النمو، موضحًا أن النباتات في بداية الإنبات تكون أقل عرضة للضرر لأنها قريبة من سطح التربة، في حين أن النباتات المتقدمة في النمو تكون أكثر هشاشة وعرضة للكسر.

كما لفت إلى أن الفول يتأثر بشكل متوسط، إذ يمكن أن يتعافى جزئيًا، لكن الضرر الذي يلحق بالأوراق والسيقان ينعكس سلبًا على الإنتاجية النهائية.

وشدد صافي على أهمية المعالجات الزراعية اللاحقة، مثل استخدام المبيدات الفطرية، لتفادي تطور إصابات ثانوية قد تزيد من حجم الخسائر، خاصة في ظل توفر بيئة رطبة تساعد على انتشار الأمراض.

تقديرات أولية للخسائر

لا توجد حتى الآن إحصاءات رسمية دقيقة لحجم الخسائر، إلا أن تقديرات المزارعين تشير إلى تفاوت الأضرار بين 20% و60%، تبعًا للمحصول والمنطقة.

ويُرجح أن تكون الخسائر الأكبر في الحقول المكشوفة التي تعرضت مباشرة للعاصفة، بينما كانت الأضرار أقل في المناطق التي شهدت هطولًا أخف.

تحديات إضافية أمام المزارعين

تأتي هذه الخسائر في وقت يعاني فيه القطاع الزراعي في شمال شرقي سوريا من تحديات متعددة، تشمل ارتفاع أسعار الوقود والأسمدة والبذار، إضافة إلى ضعف الدعم العام، ما يضع المزارعين أمام ضغوط مركبة تزيد من صعوبة تجاوز الأضرار.

كما يواجه المزارعون صعوبات في تسويق منتجاتهم، نتيجة تقلبات الأسعار وغياب الاستقرار الاقتصادي، وهو ما يجعل أي تراجع في الإنتاجية ينعكس بشكل مباشر على دخل الأسر الزراعية.

مخاوف من تكرار الظاهرة

أعرب مزارعون لعنب بلدي عن مخاوفهم من تكرار موجات البَرَد خلال الفترة المقبلة، خاصة في ظل التغيرات المناخية المتطرّفة التي تشهدها المنطقة، والتي باتت تُنتج أنماطًا جوية غير مستقرة.

وقال أحدهم، “الطقس لم يعد متوقعًا كما في السابق، وأصبحنا معرضين لخسارة الموسم في أي لحظة”.

بين الأمل والخسارة

رغم حجم الأضرار، يعوّل بعض المزارعين على قدرة بعض المحاصيل على التعويض، خاصة القمح والشعير والبصل، في حال تحسنت الظروف الجوية خلال الفترة المقبلة.

إلا أن ذلك يبقى مرهونًا باستقرار الطقس، واستمرار المعالجات الزراعية المناسبة، ما يضع الموسم الحالي في حالة ترقب بين الخسارة الجزئية وإمكانية الإنقاذ.

إلى ذلك، تكشف موجة “الحالول” الأخيرة حجم المخاطر التي تهدد الإنتاج الزراعي في مناطق الجزيرة السورية، حيث تبقى المحاصيل عرضة لتقلبات مناخية مفاجئة قد تؤثر بشكل كبير على الإنتاج.

وفي ظل غياب أدوات فعالة للتخفيف من آثار هذه الظواهر، يجد المزارعون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع الخسارة، معتمدين على خبراتهم وقدرة الأرض على التعافي، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من موسم يبدو حتى الآن محفوفًا بالمخاطر رغم إنتاجيته العالية هذا العام بسبب كثافة الأمطار الهاطلة.

Related



إقرأ المزيد