باختلاف مناطق السيطرة.. أسعار المواد الغذائية ترتفع بالحسكة
عنب بلدي -

تشهد أسواق محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا موجة ارتفاعات متتالية في أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، في ظاهرة لم تعد تقتصر على منطقة دون أخرى، بل تشمل مختلف مناطق السيطرة، سواء الخاضعة للحكومة السورية أو “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وسط تراجع القدرة الشرائية للأهالي وتزايد الضغوط المعيشية.

الارتفاع يشمل مناطق “قسد” والحكومة

رصدت عنب بلدي خلال جولة ميدانية في مدينة الحسكة وبلدة الهول تفاوتًا محدودًا في الأسعار بين مناطق سيطرة الحكومة و”قسد”، مع إجماع الأهالي على أن الغلاء طال الجميع، رغم اختلاف الجهات المسيطرة وآليات إدارة الأسواق.

في مدينة الحسكة، الخاضعة لسيطرة “قسد”، قال حسن العلي، وهو موظف في القطاع الخاص، إن ارتفاع الأسعار بات يفوق قدرة العائلات على التكيف، مضيفًا، “راتبي ازداد، لكن الأسعار تتضاعف، لم نعد قادرين على تأمين الاحتياجات الأساسية كما في السابق”.

وأشار إلى أن المواد الغذائية الأساسية، مثل الخضراوات والزيوت، شهدت زيادات كبيرة خلال الفترة الأخيرة، ما اضطره لتقليص نفقات أسرته والحد من شراء بعض الأصناف.

أما في بلدة الهول، الواقعة تحت سيطرة الحكومة السورية، فقالت سعاد الخلف، وهي ربة منزل، إن الوضع لا يختلف كثيرًا عن بقية المناطق، مضيفة، “نسمع دائمًا أن الأسعار تختلف حسب المنطقة، لكن الواقع أن الغلاء واحد، نحن نعاني كما يعاني غيرنا، وربما أكثر بسبب ضعف الدخل”.

وأضافت أن تكاليف المعيشة اليومية، من غذاء ومحروقات، أصبحت عبئًا ثقيلًا على الأسر، مشيرة إلى أنها تضطر أحيانًا للاستغناء عن بعض المواد الأساسية.

تكاليف النقل أبرز الأسباب

من جانبه، قال عبد الكريم السالم، وهو تاجر مواد غذائية في مدينة الحسكة، إن السوق يشهد حالة من عدم الاستقرار، نتيجة عوامل متعددة، أبرزها صعوبات نقل البضائع بين مناطق السيطرة المختلفة.

وقال إن “الشاحنات تمر عبر عدة حواجز، وكل جهة لها إجراءاتها، ما يؤدي إلى تأخير وصول البضائع وارتفاع تكاليف النقل، وهذا ينعكس مباشرة على الأسعار”.

وأضاف أن الشائعات، مثل الأنباء المتداولة حول رفع الرسوم الجمركية في معبر “سيمالكا”، تؤثر أيضًا على السوق، حتى في حال عدم صحتها، إذ يلجأ بعض التجار إلى رفع الأسعار بشكل استباقي.

وكان مدير العلاقات العامة في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك الحدودية السورية، مازن علوش، نفى لعنب بلدي في وقت سابق رفع الرسوم الجمركية على البضائع عبر معبر “سيمالكا” مع كردستان العراق، مؤكدًا أن التعرفة الجمركية لا تزال كما هي، وأن ما يتم تداوله غير دقيق.

خبير اقتصادي: أسباب مركبة وراء الغلاء

يرى الخبير الاقتصادي فوزي صلاح أن ارتفاع الأسعار في محافظة الحسكة يعود إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها ارتفاع سعر صرف الليرة السورية، وارتفاع تكاليف النقل، إضافة إلى حالة الانقسام الجغرافي والإداري في المنطقة.

وقال صلاح، في حديث إلى عنب بلدي، إن غياب التنسيق الاقتصادي بين الجهات المسيطرة، إلى جانب ضعف الرقابة على الأسواق، يفتح المجال أمام التلاعب بالأسعار واحتكار بعض السلع.

كما أشار إلى أن “العامل النفسي يلعب دورًا مهمًا أيضًا، إذ تؤدي الشائعات المتعلقة بالرسوم أو الإغلاقات إلى رفع الأسعار بشكل فوري، حتى قبل حدوث أي تغيير فعلي”.

تأثير التطورات العسكرية على حركة التجارة

ارتفاع الأسعار أعقب تطورات عسكرية شهدتها محافظة الحسكة خلال الفترة الأخيرة، أسهمت في إعادة توزيع مناطق النفوذ بين القوى المختلفة، ما انعكس على حركة نقل البضائع.

وأدت هذه التطورات إلى زيادة تعقيد خطوط الإمداد، حيث باتت الشاحنات تضطر للمرور عبر مسارات أطول، ما يزيد من تكلفة النقل ويؤثر على استقرار السوق.

ويرى الخبير الاقتصادي فوزي صلاح أن “أي توتر أمني أو تغيير في خطوط السيطرة ينعكس مباشرة على الأسعار، لأن السوق في هذه المناطق هشّ ويعتمد بشكل كبير على النقل البري”.

معاناة مشتركة رغم اختلاف الإدارة

رغم اختلاف الجهات التي تدير كل من مدن الحسكة وأريافها، فإن معاناة الأهالي تبدو متشابهة إلى حد كبير، حيث يشكو الجميع من ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.

وقال حسن العلي، الموظف في القطاع الخاص بمدينة الحسكة، إن “المواطن بات هاجسه القدرة على تأمين لقمة عيشه”، بينما قالت سعاد الخلف، ربة منزل من بلدة الهول، إن “الغلاء لا يفرق بين منطقة وأخرى”.

في ظل ذلك، تتزايد الدعوات إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لضبط الأسواق، وتحسين الواقع المعيشي، سواء عبر تشديد الرقابة على الأسعار أو دعم الدخل، في وقت تبدو فيه الحلول بعيدة المنال، مع استمرار الأزمات الاقتصادية والأمنية في المنطقة.

واقع مفتوح على مزيد من التحديات

مع استمرار تقلبات سعر الصرف الذي بلغ 13500 ليرة لكل دولار أمريكي صباح اليوم في الحسكة، وتعقيدات المشهد الأمني والإداري، تبقى أسواق الحسكة عرضة لمزيد من الاضطرابات، في ظل غياب رؤية اقتصادية موحدة أو سياسات فعالة للحد من ارتفاع الأسعار.

وبينما يحاول الأهالي التكيف مع هذا الواقع عبر تقليص استهلاكهم وتغيير أولوياتهم، يبقى القاسم المشترك بينهم هو القلق من مستقبل معيشي يزداد صعوبة يومًا بعد يوم.

Related



إقرأ المزيد