تحول سد “سوحا” الذي يبعد نحو كيلومتر واحد غرب قرية سوحا في ريف حماة الشرقي، والذي يفترض أن يكون مشروعًا للتنمية وتخزين مياه الأمطار، إلى بؤرة تلوث بيئي وصحي تهدد سلامة السكان في القرية والقرى المحيطة بها بسبب تسرب مياه الصرف الصحي ومخلفات معامل الألبان والأجبان.
وبين مخاوف السكان من انتشار الأمراض وتلوث مصادر المياه، وتمسّك أصحاب المعامل بمصدر رزقهم، تتفاقم أزمة مركّبة تعكس هشاشة البنية التحتية وغياب الحلول المستدامة.
آثار صحيةمحمود المرعي من سكان قرية سوحا قال لعنب بلدي، إنه رغم إقامة السد على أراضي البلدة وحمله لاسمها، لم يقدم أي نفع يُذكر لأهالي المنطقة سواء في دعم الآبار أو زيادة الحصص المائية، بل اقتصرت فوائده على المناطق الغربية.
وأضاف محمود أن السد تحول إلى مصدر معاناة حقيقية نتيجة تسرب مياه الصرف الصحي إليه، والتي تفاقمت بسبب مخلفات معامل الألبان والأجبان التي تصب في السد”.
ورغم محاولة الجهات المعنية إنشاء “جورة فنية” لعزل هذه مياه المعامل، فإنها تفيض باستمرار وتنفذ إلى مياه السد، مما تسبب في انتشار روائح كريهة، خاصة في المساء، وأدى إلى نشوء مخاوف جدية من تلوث مياه الشرب في القرى المجاورة مثل عكش، وسط غياب تام للحلول الجذرية أو محطات التنقية الموعودة، بحسب محمود.
وأضاف أن الأمراض التنفسية والهضمية بدأت تنتشر، و”مع ارتفاع درجات الحرارة نخشى من انتشار الحشرات والبعوض وما يرافقها من أمراض جلدية مثل الليشمانيا (حبة حلب)”.
معامل الألبان.. شريان اقتصادي للمنطقةفي المقابل، تمثل معامل الألبان والأجبان في المنطقة ركيزة أساسية للاقتصاد المحلي، إذ يعتاش عليها ما بين 500 إلى 600 عائلة في منطقة تعاني أصلًا من البطالة والظروف الاقتصادية الصعبة بحسب قاله محمود الرجا أحد أصحاب هذه المعامل.
وأضاف محمود وهو من سكان قرية سوحا، أن الأثر الاقتصادي الأوسع لهذه المعامل لا يقتصر على توفير فرص العمل المباشرة فحسب، بل هي تغذي قطاعات أخرى كالمحال التجارية ومحطات الوقود والأفران، وبعضها يقوم بتصدير منتجاته إلى دول الجوار.
ورفض محمود المطالب بإغلاق هذه المعامل كحل لأزمة التلوث، معتبرًا أن ذلك “يشبه قطع المياه عن الناس عند تلوث بئر ما، بدلًا من معالجة التلوث نفسه”، محذرًا من أن “إيقاف المعامل سيؤدي إلى مشكلة أكبر تتمثل في حرمان مئات العائلات من رزقها”.
و أشار محمود إلى “أن المشكلة لا تكمن في وجودهم، بل في كيفية إدارة مخلفاتهم. فمصل الجبن والحليب الناتج عن عملية التصنيع يمكن تحويله إلى أسمدة ومواد نافعة لو توفرت الظروف المناسبة، لكن المنطقة تفتقر إلى بنية تحتية مؤهلة للصرف الصحي الصناعي”.
محاولات لم تنجحرئيس بلدية قرية سوحا، حسين الخليف، قال لعنب بلدي، إنه كانت هناك محاولات سابقة لمعالجة المشكلة باءت بالفشل، حيث تم إنشاء “جورة فنية” (حفرة تجميع) لمنع وصول مخلفات المعامل إلى السد، لكنها تفيض باستمرار بسبب ضغط المخلفات الهائل.
وأكد رئيس البلدية أن التحركات الرسمية جارية بالتواصل مع مؤسسة الصرف الصحي ومديرية المنطقة، وهناك وعود بزيارة كشف ميداني من قبل “منظمة ضد الجوع” لمتابعة الموضوع.
وقدّر الخليف تكلفة إنشاء محطة معالجة رئيسة للمخلفات (أحواض تجميع) بما يتراوح بين 80,000 و85,000 دولار، وهي بحاجة إلى تمويل من المنظمات الدولية.
حلول بديلةطرح أصحاب المعامل حلولًا بديلة عن الإغلاق، بحسب محمود الرجا (صاحب معمل ألبان)، تتمثل في إنشاء “جور فنية” جديدة بمواصفات هندسية دقيقة، بحيث تكون بعيدة عن السد وغير نافذة للمياه الجوفية، أو مد قساطل (أنابيب) من المعامل لمسافة تصل إلى نحو 20 كيلومترًا لنقل المخلفات إلى محطة معالجة الصرف الصحي في بلدة التل التوت شرقي سلمية.
من جانبه، أشار رئيس البلدية، حسين الخليف، إلى حل آخر يتمثل بإلزام أصحاب المعامل بإنشاء “محطات معالجة مصغرة” لكل معمل، حيث يمكن أن تتحول المياه المعالجة إلى مياه صالحة لري المحاصيل غير المأكولة مثل الشعير والقمح، وليس للشرب.
أزمة مركبة في انتظار الحلفي سياق متصل، ذكر الخليف أن بلدية سوحا وحمادة عمر تعاني من نقص حاد في الآليات والمعدات اللازمة لمواجهة تفاقم الأزمة، حيث سُرقت الآليات القليلة التي كانت متوفرة في بداية التحرير.
وقال الخليف، إن البلدية بحاجة ماسة إلى آليات (تركتورات) لتمكينها من رش المبيدات الحشرية، خاصة مع تزايد المخاوف من انتشار الحشرات والأمراض في فصل الصيف.
تبقى أزمة سد سوحا مثالًا حيًا على الأزمات المركبة التي تواجهها مناطق عديدة في سوريا، حيث تتشابك الحاجة إلى التنمية الاقتصادية وتوفير فرص العمل، مع تحديات البنية التحتية المدمرة والبيئة المهملة.
وبينما يدفع السكان ثمن هذا التدهور صحيًا، يظل البحث عن حلول جذرية مستدامة هو المخرج الوحيد لإنقاذ المنطقة من كارثة بيئية وصحية محققة.
Related


