عنب بلدي - 4/17/2026 12:35:16 PM - GMT (+2 )
تشهد مدينة الحسكة شمال شرقي سوريا حراكًا اقتصاديًا متزايدًا في “سوق الجمعة”، الواقع جنوب سوق الهال وجنوب غرب القلعة “القشلة” وسط المدينة، والذي بات يُعدّ اليوم أكبر وجهة لبيع المواد المستعملة في المدينة، إلى جانب توفر سلع جديدة، خاصة المواد الغذائية والاستهلاكية الأساسية.
ويفتح السوق أبوابه يوم الجمعة فقط، لكنه خلال هذا اليوم يتحول إلى نقطة جذب رئيسية لآلاف السكان من أحياء الحسكة وريفها، في مشهد يعكس تحوّله إلى مركز اقتصادي واجتماعي نشط، بعد سنوات من التراجع والانحسار في ظل سياسات النظام السابق.
سوق المستعمل.. العمود الفقري للحركة التجاريةرغم تنوع السلع المعروضة في السوق، يؤكد الباعة أن الغالبية العظمى من البضائع هي مواد مستعملة، ما يمنح السوق خصوصيته ويجعله مقصدًا رئيسيًا للباحثين عن أسعار منخفضة.
وقال البائع رياض الحسن، الذي يعمل في بيع الأدوات المنزلية المستعملة منذ سنوات، “سوق الجمعة هو أكبر سوق للمواد المستعملة في الحسكة. الناس تأتي إليه لأنها تجد ما تحتاجه بأسعار أقل بكثير من السوق النظامي، خاصة في ظل ضعف القدرة الشرائية”.
وأضاف أن بسطته تضم أدوات مطبخ، ومدافئ، وبعض الأجهزة الكهربائية المستعملة، مشيرًا إلى أن “الكثير من هذه المواد تكون بحالة جيدة وتخدم لفترة طويلة، وهذا ما يجذب الزبائن”.
ولا يقتصر الأمر على الأدوات المنزلية، بل يمتد ليشمل الألبسة والأحذية والأثاث وقطع التمديدات الصحية، مثل الحنفيات والأنابيب، فضلًا عن معدات وأدوات صناعية، ما يجعل السوق أشبه بمستودع مفتوح لمختلف الاحتياجات.
تنوع السلع.. بين الجديد والمستعملإلى جانب المواد المستعملة، تنتشر في السوق بسطات لبيع السلع الجديدة، خاصة المواد الغذائية والخضار والفواكه والمنظفات.
وقال البائع خالد العبد الله، الذي يبيع المواد الغذائية، “صحيح أن السوق معروف بالمستعمل، لكن هناك أيضًا حركة جيدة على المواد الجديدة، خاصة الأغذية. الناس تشتري حاجاتها الأسبوعية من هنا لأنها تجد أسعارًا مناسبة”.
وأضاف أن وجود هذا التنوع يعزز من جاذبية السوق، إذ يستطيع الزبون شراء احتياجاته المختلفة من مكان واحد، دون الحاجة للتنقل بين الأسواق.
مركز جذب أسبوعي يعيد توزيع الحركة في المدينةيستقطب “سوق الجمعة” سكان المدينة والقرى المحيطة، ما يخلق حالة من النشاط الاقتصادي المكثف في يوم واحد، تمتد آثاره إلى الأسواق المجاورة.
وقال البائع محمود العلي، الذي يعمل في بيع الألبسة المستعملة، “يوم الجمعة هو أهم يوم بالنسبة لنا. الحركة تكون قوية جدًا، والناس تأتي من كل مكان. حتى المحال في سوق الهال تستفيد من هذا الازدحام”.
ويرى العلي أن السوق لا يعمل بمعزل عن محيطه، بل يسهم في تنشيط كامل المنطقة التجارية، خاصة مع تدفق أعداد كبيرة من الزوار.
“الكراج”.. عودة الشريان المفقوديلعب “كراج” النقل الداخلي القريب من السوق دورًا أساسيًا في دعم هذا النشاط، إذ يسهّل وصول السكان من مختلف الأحياء والقرى إليه.
ويستذكر البائعون فترة تراجع السوق خلال السنوات الأخيرة من حكم النظام السابق، حين أُغلق الكراج، ما أدى إلى انخفاض أعداد الزوار بشكل كبير.
وقال رياض الحسن، “عندما أُغلق الكراج، تأثر السوق بشكل مباشر. الناس لم تعد تستطيع الوصول بسهولة، وهذا انعكس على المبيعات”.
وأضاف أن تحويل موقع الكراج إلى مكب للنفايات آنذاك فاقم المشكلة، إذ أدى إلى تدهور البيئة المحيطة، وانتشار الروائح الكريهة والحشرات، ما نفّر المتسوقين.
استعادة النشاط بعد التغيير
مع إعادة الكراج إلى موقعه السابق قرب السوق، بعد سقوط النظام، بدأت الحركة التجارية تستعيد عافيتها تدريجيًا.
ويؤكد الباعة أن السوق يشهد اليوم إقبالًا متزايدًا، مدفوعًا بتحسن حركة النقل، وعودة الزبائن من مختلف المناطق.
وقال خالد العبد الله، “الوضع الآن أفضل بكثير. عودة الكراج أعادت الحياة للسوق، والناس أصبحت تأتي بسهولة، وهذا انعكس على كل الأسواق المجاورة”.
رأي أحد المرتادينمن جهته، قال أحمد الخالد، وهو موظف حكومي من سكان حي النشوة، إنه يحرص على زيارة السوق بشكل أسبوعي، نظرًا لتنوعه وأسعاره.
يعتمد أحمد على السوق بشكل كبير، خاصة في شراء المواد المستعملة. فـ”أحيانًا أجد قطعًا بحالة ممتازة وبسعر مناسب جدًا. كما أشتري المواد الغذائية من هنا لتوفير بعض المال”.
وأشار إلى أن السوق يوفر بدائل مهمة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، لافتًا إلى أن “الكثير من العائلات أصبحت تعتمد عليه لتأمين احتياجاتها الأساسية”.
خبير اقتصادي: سوق الجمعة محرّك للاقتصاد المحلييرى الخبير الاقتصادي سامر العلي أن “سوق الجمعة” يؤدي دورًا مهمًا في تنشيط الاقتصاد المحلي، خاصة في ظل تراجع القدرة الشرائية.
وقال الخبير إن “الأسواق الشعبية، وخاصة تلك التي تعتمد على المواد المستعملة، تلعب دورًا حيويًا في توفير السلع بأسعار منخفضة، ما يساعد شريحة واسعة من السكان على تلبية احتياجاتها”.
السوق يسهم أيضًا في خلق فرص عمل، بحسب الخبير، سواء من خلال البسطات أو الخدمات المرتبطة بها، مثل النقل والتحميل.
“الأهم من ذلك هو تأثير السوق على محيطه، إذ يؤدي تدفق الزوار إلى تنشيط أسواق قريبة، مثل سوق الهال، ما يخلق حالة من الترابط الاقتصادي داخل المدينة”، بحسب الخبير الاقتصادي.
بين التراجع والانتعاشمرّ السوق بمرحلة تراجع واضحة خلال السنوات الأخيرة من حكم النظام السابق، نتيجة إغلاق الكراج وتدهور البنية الخدمية في المنطقة، ما أدى إلى انخفاض الحركة التجارية.
لكن مع التغيرات التي شهدتها المدينة، عاد السوق ليؤدي دوره من جديد، مستفيدًا من إعادة تشغيل المرافق الحيوية، وتحسن نسبي في حركة النقل.
تحديات قائمةعلى الرغم من هذا الانتعاش، لا تزال هناك تحديات تواجه السوق، من بينها تقلب الأسعار، وضعف القدرة الشرائية لدى السكان.
كما يطالب الباعة بضرورة تحسين البنية التحتية، وتنظيم السوق بشكل أفضل، لتفادي الازدحام وضمان سلامة المتسوقين.
يبقى “سوق الجمعة” في الحسكة مثالًا على قدرة الأسواق الشعبية على الصمود، حيث استطاع أن يتحول إلى أكبر مركز لتداول المواد المستعملة في المدينة، إلى جانب دوره في توفير السلع الجديدة.
ومع استمرار تدفق الزوار، وتنوع المعروضات، وتكامل دوره مع الأسواق المجاورة، يبدو أن السوق سيحافظ على مكانته كمحرك اقتصادي رئيسي، يعيد الحياة إلى قلب الحسكة كل يوم جمعة.
Related
إقرأ المزيد


