جديدة الفضل في 2013.. ستة أيام من الموت بلا قبور
عنب بلدي -

في تمام الساعة 3:35 دقيقة من عصر يوم 17 من نيسان عام 2013، بدأت قوات النظام السوري السابق حملتها على بلدة جديدة الفضل إحدى تجمعات ريف دمشق التي يغلب عليها سكان الجولان المحتل.

لم تكن هذه البلدة مجرد نقطة جغرافية بل كانت جزءًا من النسيج السوري الذي انتفض نصرة لدرعا بعد الظلم الذي وقع على أطفالها وخرج شبابها في مظاهرات سلمية مطالبين بتغيير الأوضاع.

لكن موقعها القريب من العاصمة دمشق جعلها هدفًا آخر للنظام، ومنذ ما قبل المجزرة كان ما يسمى بـ”الشبيحة” يدخلون البلدة لاعتقال المتظاهرين والتنكيل بهم، كما أن تفجيرات السيارات المفخخة حصدت أرواح الكثير من الضحايا من أبناء البلدة.

قصص من المجزرة

يروي مختار جديدة الفضل ورئيس المجلس المحلي، بين عامي 2013 و2014، تيسير المزعل، تفاصيل المجزرة التي وقعت على سكان بلدة جديدة الفضل.

ويصف المزعل كيف انتشرت الجثث في الشوارع نتيجة القصف المدفعي والقنص والقتل بدم بارد، مضيفًا أن قوات النظام دخلت المركز الصحي والمشفى الميداني وقتلت جميع الجرحى.

كما داهمت المنازل وأعدمت العشرات بداخلها، ولم تكتفِ بذلك بل أقدمت على إحراق الجثث بمادة الفوسفور شديدة الاحتراق، واقتادت الكثير من الشباب وأعدمتهم بدم بارد على أطراف البلدة.

وأوضح أن الدخان بدأ يتصاعد من المنازل المحترقة، لدرجة أن المراقب لواقع البلدة من بعيد، كان يدرك بأن هناك شيئًا فظيعًا يحدث.

المجزرة ترافقت مع قطع الإنترنت والكهرباء لعزل البلدة تمامًا، في ظل عدم توافر كوادر طبية كافية، حيث كان يوجد طبيب واحد وثلاث ممرضين وقابلة واحدة كانت تسعف الجرحى، كما أن غياب المواد الطبية جعل الجريح معرضًا للموت المحقق.

عشرات الجثث في الشوارع لعدة أيام

قال المزعل إن الجثث بقيت مرمية على أطراف البلدة أيامًا حتى بدأت الكلاب تنهش لحمها، وعندما بدأت بالتفسخ، وضعت في سيارات شاحنة ولا يعلم أحد أين دفنت، بهدف إخفاء الجريمة.

وأضاف أن مقبرة الشهداء، للضحايا الذين بقيت جثثهم مع الأهالي، لم تسلم من النبش حيث أُخرجت الجثث من القبور ورحلت في الشاحنات إلى أماكن مجهولة.

وأوضح أن بعض الضحايا الذين سقطوا في المجزرة، كانوا من المهجرين من بعض المناطق المجاورة، كبلدة داريا، حيث أُعدم الرجال منهم وتركوا النساء والأطفال.

ووصف تلك الأيام بالكابوس الذي استمر ستة أيام، عندما طُلب من السكان الخروج من منازلهم.

ما زالت مشاهد المجزرة في الذاكرة لقسوتها، وأشار المزعل إلى أن ذوي الضحايا، مازالوا يذكرون أين قتل أبناؤهم ولكن لا يعرفون لهم قبرًا ليزوروه.

عائلات منكوبة تنتظر العدالة

أحد الناجين من المجزرة، خالد البوشي، قال لعنب بلدي، إن أربعة من أشقائه، قتلوا في اليوم الأول، عندما  دخلت قوات النظام من جهة “الفوج 100 مدفعية” الواقع غرب بلدة جديدة الفضل.

وأضاف أن عددًا من شبان البلدة، تعرضوا للاعتقال بينهم إخوته، منوهًا إلى تكرار اعتقالهم مرتين من قبل عناصر من “الفوج 100 مدفعية” المتمركز بجانبهم، كما جرى التحقيق معهم بتهمة انتسابهم لتنظيمات إرهابية.

وأوضح أن أحد جيرانه أبلغه بعد مرور أربعة أيام بأن إخوته موجودون في أحد المنازل المجاورة، مبيّنًا أنه وجدهم مقتولين هناك بالرصاص والسلاح الأبيض.

وعبّر البوشي عن صدمته من المنظر، مشيرًا إلى أن إخوته كانوا مدنيين ولا ينتمون لأي فصيل مسلح، وهو ما ثبت بعدما داهم عناصر النظام المنزل أكثر من مرة دون أن يعثروا على ما يثبت انتماءهم لأي عمل عسكري.

ونوه إلى أن وجوده في منزل العائلة الثاني مع والده، كان السبب المباشر في نجاته مما حدث لإخوته.

مقابر مجهولة

فهد عيسى الحسين، مختار البلدة السابق، الذي يبلغ من العمر حاليًا 75 عامًا، يروي لعنب بلدي تفاصيل مقتل أربعة أشخاص من عائلته.

وقال إنه رفض طلبًا من الأجهزة الأمنية للنظام بتقديم أسماء من يتعاملون مع الثوار، مشيرًا إلى أنهم كانوا يحملون نية مسبقة للانتقام، عندما داهموا منزله في 20 نيسان 2013.

وأوضح أنهم نهبوا الممتلكات وأجبروا النساء على خلع المصاغ الذهبي، كما اقتادوا ولديه فؤاد وعبد الرحمن وأصهرته خميس كنعان وفادي موسى إلى مكان مجهول.

وأكد الحسين أن من دخل عليهم كانوا “شبيحة” من قرى مجاورة لهم، ويحملون بأيديهم السواطير ومخالب حديد.

وطالب من التقهم عنب بلدي، بتطبيق العدالة ومحاسبة الجناة والمليشيات التي مارست القتل والحرق والنهب، مشيرين إلى أن بعضهم  كان من قرى ومناطق مجاورة لبلدة جديدة الفضل.

حصيلة مفتوحة

بلغت حصيلة لضحايا المجزرة حسب الإحصائيات التي قامت بها لجان محلية في البلدة، 935 شخصًا منهم 85 امرأة و35 طفلًا، وتم إحراق معظم الجثث ونقلها إلى أماكن مجهولة.

بينما قالت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” إن ما لا يقل عن 191 شخصًا تم التعرف على جثثهم، بينهم 174 مدنيًا، من ضمنهم 9 أطفال و8 نساء، إلى جانب تسجيل عمليات إعدام ميداني، وحصار، وقصف، واعتقالات تعسفية واسعة النطاق، كما لا يزال مصير أكثر من 120 مدنيًا مجهولًا ضمن عداد المختفين قسريًا حتى اليوم.

وترجّح الشبكة أن تكون الحصيلة الفعلية أعلى من ذلك، في ظل وجود جثث مجهولة الهوية لم يتمكن الأهالي من التعرف عليها، وذلك نتيجة ظروف الحصار وقطع الاتصالات التي رافقت الأحداث.

وفي حين توثق الشبكة مقتل 191 شخصًا تم التعرف عليهم، تشير شهادات محلية إلى أن العدد الفعلي للضحايا قد يتجاوز 1500 شخص، مع العثور على جثث إضافية لاحقًا داخل المنازل والأقبية، ما يجعل الحصيلة النهائية غير محسومة، بحسب الشبكة.

Related



إقرأ المزيد