قطاع الدواجن بريف حماة تحت ضغط التمويل وغياب التنظيم
عنب بلدي -

يواجه قطاع تربية الدواجن في ريف حماة الشرقي، وتحديدًا في مناطق عقيربات وحمادة عمر والقرى المجاورة، تحديات تهدد استدامة هذا القطاع الحيوي الذي كان يشكل مصدر رزق وحيدًا لكثير من العائلات.

فبعد عودة المربين من مخيمات النزوح، وجدوا مداجنهم مدمرة ومسروقة، وفي ظل غياب البنية التحتية والدعم الحكومي، يجد المربون أنفسهم مضطرين لمواجهة أزمات تبدأ بتكاليف الطاقة الباهظة وتنتهي بآليات تسويق “مجحفة”، وسط سيطرة “مكاتب” تمويلية تلتهم نصف أرباحهم.

تحديات أمام المربين العائدين

قال محمود العبيد، مربي دواجن وأحد العائدين إلى ريف حماة الشرقي من قرية حماده عمر، إن المداجن كانت تمثل مصدر الدخل الوحيد لأسرته قبل الثورة.

وأضاف أنه بعد العودة من المخيمات عقب “التحرير”، قرر استئناف العمل في هذا المجال، إلا أنه واجه صعوبات عديدة، أبرزها حاجة المداجن إلى أعمال ترميم وتأمين مستلزمات أساسية كالشبابيك والأبواب ومضخات المياه، إلى جانب ضرورة توفير الأعلاف والأدوية البيطرية عبر معامل أقرب لتخفيف أعباء النقل.

أما علي بركات العصير، وهو مربي دواجن من قرية دكيلة، فوصف حجم الدمار الذي لحق بمداجنهم قائلًا، “في البداية وجدنا المداجن مسروقة بالكامل ومدمرة تمامًا، لا تتوفر فيها أي مقومات للتربية على الإطلاق”.

واشتكى علي من غلاء المعدات اللازمة لتجهيز المداجن، إضافة إلى ارتفاع أسعار الأدوية البيطرية.

المربي الخاسر الأكبر

وصف علي بركات العصير واقع المربي في ظل غياب الدعم بقوله، “المربي هو الوحيد الخاسر في عملية إنتاج الفروج، فالتاجر رابح، والموزع رابح، والمسلخ رابح. لكن الخسارة تقع دومًا على المربي بسبب غلاء الأعلاف والأدوية، وحتى النشارة باهظة الثمن، وأسعار الصوص مرتفعة”.

وعن التحدي الأكبر المتمثل في التمويل، قال علي إن المربين يضطرون للتعامل مع مكاتب تمويل في مدينة سلمية بسبب عدم امتلاكهم رأس مال كافيًا لتغطية تكاليف دورة الإنتاج التي تمتد لنحو 45 يومًا.

وأضاف أن هذه المكاتب توفر الصيصان والأعلاف والأدوية مقابل أرباح مرتفعة، مشيرًا إلى أن تعدد الجهات التي تقتطع حصصًا من العائد، من المكاتب إلى التجار والمسالخ، يقلّص أرباح المربين بشكل كبير، بحيث لا يتبقى لهم سوى جزء ضئيل، وفي كثير من الأحيان يخرجون من الدورة مثقلين بالديون.

علاقة “تبعية”

وصف المربي علي العلاقة مع مكاتب التمويل بأنها علاقة “تبعية” تجعل المربي أشبه بـ“أسير” لها، موضحًا أن المربي يعمل فعليًا لصالح صاحب المكتب رغم امتلاكه المدجنة وتحمّله عبء العمل.

وأشار إلى أن المكتب يفرض الأسعار ويقتطع الحصة الأكبر من الأرباح، فيما يحصل المربي على ما يتبقى فقط. وأضاف أن المكتب يظل رابحًا حتى في حال خسارة الفوج، إذ تُسجَّل الخسارة كدين يُرحَّل إلى الدورة التالية، وفي حال تكرار الخسائر قد يعمد إلى الاستيلاء على المدجنة وتشغيلها لحسابه الخاص إلى حين استيفاء الدين.

وعن غياب أي جهة حكومية مسؤولة، قال علي، “لا توجد أي جهة حكومية مسؤولة عنا إطلاقًا. كنا سابقًا نعاني لإصدار ترخيص المدجنة. اليوم لا أحد مسؤول عنا وشغلنا ذاتي بالكامل، وحتى إن المكتب مسؤول عن إرسال الشاحنات لنقل الإنتاج وبيعه وخصم مستحقاته”.

واقترح العصير حلًا يتمثل في إنشاء هيئة أو مكتب حكومي مختص بشؤون المداجن، يتولى تنظيم عمليات البيع وتأمين تمويل الأعلاف، إلى جانب تقديم قروض ميسّرة للمربين بعد دراسة أوضاعهم ومنحها وفق قدرتهم على السداد.

أزمة العملة.. شراء بالدولار وبيع بالليرة

من جهته، يسلط المربي محمود الحسن من ريف حماة الشرقي الضوء على أزمة سعر الصرف التي تتفاقم بسبب فجوة التصريف، حيث يضطر المربون لشراء مستلزمات الإنتاج من أعلاف وأدوية وفحم بالدولار الأمريكي، بينما يبيعون إنتاجهم بالليرة السورية، واصفًا وضع السوق بأنه “متدهور وصعب جدًّا”.

وأشار محمود إلى فروق الجودة بين المستلزمات المحلية والمستوردة قائلًا، “العلف المحلي سيئ ويحتوي على شوائب كثيرة، مما يجبرنا على شراء العلف التركي. ويبلغ فرق السعر بين طن العلف التركي والمحلي حوالي 70 إلى 80 دولارًا، مما يزيد التكلفة الإجمالية للفوج الواحد بنحو ألفي دولار إضافية”.

أما بالنسبة للرعاية البيطرية، فيضطر المربون، بحسب محمود، إلى استقدام أطباء ومشرفين بشكل أسبوعي لإجراء عمليات التشريح والمتابعة، مع الاستعانة بعمالة خبيرة، مما يزيد العبء المادي.

وطالب المربي محمود بتسهيلات جمركية عند دخول المستلزمات وخروج الإنتاج، وتخصيص شاحنات نقل للمساعدة في تخفيف الأعباء بدلًا من الدعم المباشر بالأعلاف.

معضلة الطاقة

ذباح أحمد الخليف (ممول لعدد من المداجن)، تحدث لعنب بلدي عن التحديات اللوجستية والمالية، وفي مقدمتها أزمة الكهرباء التي لم تتوفر بناحية عقيربات وقراها بعد عام من التحرير فهي تجبرهم على الاعتماد كليًا على الطاقة البديلة.

وقال ذباح، إن تكلفة تركيب منظومة طاقة شمسية للمدجنة الواحدة تبلغ نحو 1500 دولار، لكنها لا تكفي بمفردها، ما يضطر المربين إلى إضافة مولدات ترفع الكلفة الإجمالية للطاقة إلى قرابة 2000 دولار لكل مدجنة.

وأضاف مستشهدًا بتجربته الشخصية أنه جهّز 12 هنغارًا بتكلفة وصلت إلى 24 ألف دولار، وهو مبلغ كان يمكن خفض جزء كبير منه في حال توفر التيار الكهربائي العام.

المسالخ وغياب الشفافية

اشتكى ذباح أحمد الخليف من غياب الشفافية في آليات التسعير عند توريد الدجاج إلى مسالخ دمشق، قائلًا، “يتم إرسال الرزق إلى دمشق دون اتفاق مسبق على السعر، حيث يبيعه التجار أولًا ثم يحددون السعر في اليوم التالي”.

ووصف كبار التجار بأنهم “مافيات” تتنافس فيما بينها على حساب المربي الصغير، مؤكدًا فشل الجهود في ضبط هذه التجاوزات حتى اللحظة.

وعن نقص الكوادر البيطرية، أشار ذباح إلى أن المنطقة تفتقر للخبرات الطبية المحلية، مما يضطر أصحاب المداجن لاستقدام أطباء من خارج المنطقة، كإدلب والرقة، بتكاليف باهظة، مناشدًا بضرورة إنشاء مستوصفات بيطرية حكومية في القرى الرئيسة مثل عقيربات وحمادة عمر مع توفير أطباء متخصصين.

مطالب بقروض ودعم حكومي

يجمع مربو الدواجن في ريف حماة الشرقي على مجموعة من المطالب التي يرونها قادرة على إنقاذ ما تبقى من هذا القطاع الحيوي، وأبرزها:

  • تقديم قروض طويلة الأجل بشروط ميسرة، تمكن المربين من ترميم مداجنهم وتأمين متطلبات الإنتاج.
  • إنشاء هيئة أو مكتب حكومي يختص بشؤون المداجن، يتولى تنظيم عملية التمويل والتسويق وتوفير مستلزمات الإنتاج بأسعار معقولة.
  • تفعيل الرقابة على المسالخ والتجار لحماية المربين الصغار من الاحتكار والاستغلال.
  • إنشاء مستوصفات بيطرية حكومية في القرى الرئيسة وتأمين الكوادر الطبية المتخصصة.
  • العمل على حل أزمة الكهرباء أو تقديم دعم للطاقة البديلة، وتثبيت آلية تسعير تحمي المربين من تقلبات سعر الصرف.

وكان قطاع الدواجن في ريف حماة الشرقي يشكّل سابقًا مصدر دخل رئيسًا لمئات العائلات، لكنه اليوم مهدد بالانهيار الكامل في ظل غياب أي جهة حكومية مسؤولة أو دعم رسمي، وسط مطالب متزايدة بتدخل عاجل لإنقاذ هذا القطاع الحيوي الذي يغذي أسواق المحافظة والمناطق المجاورة.

Related



إقرأ المزيد