عنب بلدي - 4/25/2026 11:17:21 AM - GMT (+2 )
شكل تقلص الفائض في الموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2025 من نصف مليار دولار إلى ما نسبته 10% لنحو 46 مليون دولار، تباينًا في البيانات المالية السورية، وأثار تساؤلات حول دقة التقديرات الأولية ومنهجية الإعلان عنها، دون معرفة على وجه التحديد أين أنفقت وزارة المالية السورية مبلغ 454 خلال الأشهر الأربعة الأخيرة من 2025.
وزير المالية السوري، محمد يسر برنية، برر هذا التراجع آنذاك، بأن الفائض كان مرتفعًا حتى نهاية الربع الثالث، لكنه انكمش خلال الربع الرابع نتيجة “توسع بعض بنود الإنفاق العام وسداد التزامات متأخرة”، دون أن يحدد ماهيتها، لكنه صرح حينها لعنب بلدي أن البيانات “تغيرت بشكل كبير” وتحتاج إلى تحديث مستمر.
خبيران يقدمان قراءة في فائض 2025 وموازنة 2026ذكر عدد من الخبراء لعنب بلدي، أن الفائض المحاسبي لا يعني بالضرورة تحسنًا اقتصاديًا حقيقيًا، إذا كان ناتجًا عن تقشف مالي أو تأجيل مشاريع إنفاق، وليس عن توسع في الإنتاج والاستثمار ورفع القاعدة الضريبية.
حتى أن صندوق النقد الدولي أشار إلى أن الفائض تحقق أساسًا عبر ضبط الإنفاق، وامتناع وزارة المالية عن التمويل من المصرف المركزي، لا عبر طفرة اقتصادية واسعة.
وحسب البيانات الرسمية، بلغت إيرادات الدولة خلال 2025 نحو 3.493 مليارات دولار، مقابل إنفاق عام بلغ 3.447 مليارات دولار، ما أفضى إلى فائض محدود يمثل 0.15% فقط من الناتج المحلي الإجمالي البالغ 30.6 مليار دولار، مقارنة بعجز نسبته 2.7% في عام 2024.
كما شكّلت الرسوم الجمركية نحو 39% من الإيرادات، في حين استحوذت الرواتب والأجور على 41% من الإنفاق، وهو ما يعكس استمرار اعتماد المالية العامة على الموارد التقليدية والإنفاق الجاري أكثر من الاستثمار الإنتاجي طويل الأجل، وفقًا لما نشره وزير المالية السوري محمد برنية عبر صفحته على فيسبوك.
أما مؤشرات 2026، فتشير إلى توسع مالي كبير، إذ تُقدَّر موازنة الإنفاق العام بنحو 10.516 مليارات دولار، أي أكثر من ثلاثة أضعاف إنفاق 2025، مع تركيز معلن على الإنفاق الاجتماعي والاستثماري، وتمويل مشاريع إعادة الإعمار ومكافحة الفقر.
وفي المقابل، تتوقع وزارة المالية إيرادات بنحو 8.716 مليارات دولار، تشكل إيرادات النفط والغاز نحو 28% منها، ما يعني عودة العجز المقدر بنحو 1.8 مليار دولار تقريبًا، وهو ما يضع الحكومة أمام اختبار صعب بين الحفاظ على الانضباط المالي وتمويل الاحتياجات التنموية المتزايدة في مرحلة ما بعد الحرب.
لغز التقلص الحاد للفائض الماليتشير البيانات المالية الرسمية إلى أن الفائض لم يكن مستقرًا، بل شهد تراجعًا كبيرًا في الربع الأخير:
- نهاية الربع الثالث: وصل الفائض إلى ذروته بنحو 500 مليون دولار.
- نهاية العام: تقلص الفائض إلى 46 مليون دولار (أي تراجع بنحو 10 أضعاف).
ويكشف الخبير الاقتصادي والمالي زكوان قريط، في حديث لعنب بلدي، نقلًا عن مصادر في المالية لم يحددها، أسباب هذا التقلص الحاد:
- سداد الالتزامات المتأخرة: قامت الحكومة بتسديد مبالغ ضخمة لموردين ومقاولين وديون داخلية كانت مستحقة في نهاية العام.
- زيادة الإنفاق الموسمي: ارتفاع تكاليف التدفئة والطاقة والاحتياجات الشتوية التي تضغط عادة على الموازنة في الربع الأخير.
- تسوية العجوزات التراكمية: استخدام جزء من السيولة الفائضة لتغطية فجوات تمويلية في مؤسسات عامة خدمية مثل الكهرباء والصحة.
ولكن الخبير ذاته اعتبر أن موازنة عام 2025، شكلت نقطة تحول جوهرية في تاريخ المالية العامة السورية المعاصر، حيث سجلت لأول مرة منذ عام 1990 فائضًا ماليًا، وإن كان ضئيلًا، منهية عقودًا من العجز الهيكلي الذي تفاقم خلال سنوات الحرب.
وقدم تحليلًا اقتصاديًا عميقًا لبنود الإيرادات والنفقات، وظاهرة الفائض، والتغيرات الدراماتيكية في الربع الأخير من ذلك العام، مشيرًا إلى أن إجمالي الإنفاق العام في موازنة 2025 بلغ نحو 3.447 مليار دولار، بزيادة قدرها 45.7% عن عام موازنة حكومة النظام البائد في 2024.
ويعكس تخصيص 41% من الموازنة ذاتها للرواتب والأجور، أي الكتلة الأكبر حسب الدكتور قريط، توجه الحكومة لدعم القوة الشرائية للعاملين في القطاع العام رغم الضغوط التضخمية.
بينما مثل تخصيص 59% من الإنفاق الاستثماري والاجتماعي للدعم السلعي والمشاريع التنموية، زيادة في التوجه نحو الاستثمار بالبنية التحتية.
ويشير الخبير الاقتصادي، إلى أن الإيرادات العامة شهدت قفزة نوعية لتصل إلى 3.493 مليار دولار، بزيادة استثنائية بلغت 120.2% مقارنة بعام 2024، ويعزى هذا النمو إلى :
- تحسن الإيرادات الجمركية: شكلت 39% من إجمالي الإيرادات، نتيجة انتعاش حركة التجارة الخارجية وتشديد الرقابة لمكافحة الفساد والتهرب.
- الإصلاح الضريبي: زيادة كفاءة التحصيل الضريبي وتوسيع الوعاء الضريبي ليشمل قطاعات كانت خارج التغطية الفعالة.
- إيرادات الموارد الطبيعية: البدء باستعادة تدريجية لإيرادات النفط والغاز التي يُتوقع أن تشكل ركيزة أكبر في موازنة 2026.
الخبير الاقتصادي قريط، يرى أنه رغم تحقيق الفائض يبقى “فائضًا هشًا” نظرًا لنسبته الضئيلة من الناتج المحلي، وتبرز التحديات في موازنة 2026، التي يُتوقع أن يقفز فيها الإنفاق إلى 10.5 مليار دولار، مما قد يعيد الموازنة إلى مربع العجز التمويلي إذا لم يواكب ذلك نمو مماثل في الإيرادات الإنتاجية.
أما الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور محمد فقيه، فيرى في حديث إلى عنب بلدي، أن من أبرز المؤشرات الإيجابية في المرحلة المالية الحالية توقف الحكومة عن اللجوء إلى التمويل بالعجز عبر مصرف سوريا المركزي، بعد أن قامت وزارة المالية بتسديد كامل السلف التي كانت قد حصلت عليها الحكومة منذ سقوط النظام وحتى شهر آذار الماضي.
وأكد محمد فقيه أن هذه الخطوة تحمل دلالة مهمة على صعيد الانضباط المالي، لأنها تنهي واحدة من أكثر الأدوات التي ساهمت سابقًا في الضغط على النقد المحلي وزيادة الاختلالات النقدية.
ولا يقتصر أثر الامتناع عن الاقتراض المباشر من المصرف المركزي، حسب الدكتور فقيه، على الجانب المحاسبي فقط، بل ينعكس مباشرة على استقرار سعر الصرف والحد من الضغوط التضخمية، خاصة في اقتصاد يعاني من هشاشة نقدية وتراجع الثقة، كما أن الحفاظ على مسافة واضحة بين السياستين المالية والنقدية يمنح المركزي مساحة أوسع لإدارة أدواته بعيداً عن الضغوط الحكومية المرتبطة بتمويل العجز.
من فائض التقشف إلى فائض النموالخبير الاقتصادي قريط يرى أن هناك مجموعة من التوصيات التي يتوجب على كل من وزارة المالية السورية ومصرف سوريا المركزي العمل عليها، تتمثل بـ:
- ضرورة التحول من الفائض المحقق عبر “ضغط الإنفاق” إلى الفائض المحقق عبر “تحفيز النمو”.
- تعزيز الشفافية المالية لضمان توجيه الفائض نحو المشاريع ذات العائد الاستثماري المرتفع.
- مراقبة تقلبات سعر الصرف التي قد تلتهم القيمة الحقيقية للموازنة المقومة بالعملة المحلية.
بينما يعقب الخبير المالي فقيه بأن الحديث عن استقلالية البنك المركزي لا يجب أن يُختزل فقط في مسألة وقف الاقتراض الحكومي، بل يتطلب إطارًا أوسع يشمل :
- وضوح إدارة الاحتياطيات.
- شفافية القرارات النقدية.
- وجود استقلال فعلي في رسم السياسات بعيدًا عن التدخلات التنفيذية.
فهذه العناصر، برأي فقيه، تشكل الأساس الحقيقي لاستقرار الليرة السورية واستعادة ثقة المستثمرين والفاعلين الاقتصاديين في السوق المحلية.
ويختتم بأن زيارة خبراء صندوق النقد الدولي الأخيرة إلى دمشق حملت أهمية خاصة، لأنها فتحت نقاشًا مباشرًا مع كل من وزارة المالية ومصرف سوريا المركزي حول أوضاع المالية العامة، وآليات إدارة الإنفاق، وإصلاح السياسة النقدية.
ويرى أن هذه المشاورات تمثل بداية ضرورية لإعادة بناء الثقة بالمؤسسات الاقتصادية السورية، وتهيئة الأرضية لإصلاحات أعمق تحتاجها المرحلة المقبلة.
Related
إقرأ المزيد


