تسريبات “صيدنايا” تثير جدلًا بشأن الأدلة وحقوق ذوي الضحايا
عنب بلدي -

أثارت تسجيلات متداولة، قيل إنها من سجن “صيدنايا” قبل سقوط نظام الأسد، جدلًا يتجاوز مضمونها إلى الطريقة التي ظهرت بها إلى العلن.

التسجيلات نُشرت اليوم، الثلاثاء 28 من نيسان، عبر حساب على “فيسبوك”، وبعد نحو ثلاث ساعات فقط من النشر، أقدم صاحب الحساب على حذفها.

وبدلًا من أن تمثل هذه التسجيلات خطوة نحو كشف الانتهاكات، وضعت مسار المحاسبة أمام تحديات تتعلق بسلامة الأدلة الرقمية وإمكانية اعتمادها قضائيًا.

وتبرز مخاوف من أن يتحول هذا النوع من النشر إلى ثغرة قانونية يستفيد منها المتهمون، بما قد يضعف فرص تحقيق العدالة ويزيد من معاناة الضحايا وذويهم.

عرقلة لمسار العدالة

مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، يرى أن تداول هذه التسجيلات يقع ضمن منطقة متشعبة تتقاطع فيها ثلاثة أطر، تتمثل بالقانون الجنائي الدولي، والقانون الإنساني الدولي، وقانون الأدلة الرقمية.

وقال عبد الغني لعنب بلدي، إن تداول هذه المواد بشكل غير منضبط يقع في فراغ تنظيمي واضح، لعدم وجود سلطة مركزية معترف بها دوليًا حاليًا تملك حصرًا صلاحية التصرف بها، مؤكدًا أن الشخص الذي يحتفظ بنسخة من مواد بهذه الطبيعة يواجه إشكاليات قانونية متعددة المستويات.

وأوضح أن الاحتفاظ بأدلة تتعلق بجرائم دولية خارج سيطرة السلطات المختصة قد يُشكّل عرقلة لمسار العدالة، إذا ثبت أن ذلك كان متعمدًا أو أفضى إلى تدمير جزء من سجل الأدلة.

تنص المادة 70(1)(c) من نظام روما الأساسي على مايلي:

تكون للمحكمة اختصاص بنظر الجرائم التالية المرتكبة ضد إدارتها للعدالة عندما ترتكب عمدًا:
(ج) إتلاف الأدلة أو التدخل في جمعها أو التلاعب بها.

سلسلة حيازة الأدلة

المبدأ الجوهري في القانون الدولي هو أن قيمة الدليل لا تقتصر على مضمونه، بل تشمل قابليته للتحقق ومسار حيازته.

وبحسب عبد الغني، فإن “سلسلة الحيازة” هي العمود الفقري لأي دليل رقمي، وهي تعني التوثيق المتسلسل لكل جهة أو شخص مرّت عليه المادة من لحظة التقاطها حتى تقديمها للمحكمة.

وبيّن أن قيام أي شخص بتسريب القرص الصلب، أو الاحتفاظ بنسخة لنفسه والنشر منها، يفكك هذه السلسلة، حيث لا توجد وثيقة تثبت متى التقطت التسجيلات، ولا ما يضمن عدم تحريرها أو تزويرها.

من جانبه، الخبير في القانون الدولي المعتصم كيلاني، قال في حديث إلى عنب بلدي، إن قبول هذه التسجيلات كدليل قانوني مشروط بتوفر عناصر أساسية، أهمها إثبات أصالة التسجيل وعدم التلاعب به.

وأوضح الكيلاني أن “سلسلة الحيازة” عنصر أساسي لضمان المصداقية، وفي حالة المواد المسربة عبر حسابات شخصية، غالبًا ما تكون هذه السلسلة مفقودة، مما يضعف الثقة في سلامة التسجيل حتى لو بدا حقيقيًا.

تنص المادة 69(4) من نظام روما الأساسي على:
يجوز للمحكمة أن تبين ما إذا كان الدليل مقبولًا أو ذا صلة، آخذة في اعتبارها، من بين أمور أخرى، القيمة الإثباتية للدليل وأي مساس قد يسببه ذلك الدليل في إجراء محاكمة عادلة أو في تقييم شهادة شاهد على نحو عادل.

نشر يفتح جرح الأهالي

أكد الخبير القانوني المعتصم كيلاني أن المسؤولية القانونية لا تقتصر على البعد الجنائي، بل تمتد إلى حقوق ذوي الضحايا واعتباراتهم الإنسانية، معتبرًا أن نشر هذه المواد دون مراعاة المشاعر قد يُعد شكلًا من أشكال إعادة الإيذاء.

وقال الكيلاني إن الشخص الذي يقوم بتسريب أو الاحتفاظ بهذه المواد قد يواجه مسؤولية مدنية إذا أدى النشر إلى إلحاق ضرر مباشر بالعائلات، كتعريضهم لصدمة نفسية متجددة أو انتهاك خصوصية أحبائهم.

وفي الإطار ذاته، أشار مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، إلى أنه لا يوجد نص دولي يحظر النشر بشكل مطلق، إذ إن حق الوصول للمعلومات محمي بموجب المادة “19” (3) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، لكن القيود تشمل حماية حقوق الآخرين.

تنص المادة “19” من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على:
2. لكل إنسان حق في حرية التعبير، ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين دونما اعتبار للحدود…
3. تستتبع ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الفقرة 2 من هذه المادة واجبات ومسؤوليات خاصة. وعلى ذلك يجوز إخضاعها لبعض القيود شريطة أن تكون محددة بنص القانون وأن تكون ضرورية:
(أ) لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم.
(ب) لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة. 

وحذر عبد الغني من أن نشر محتوى صادم بهذا الشكل دون تحقق كامل يحمل مخاطر حقوقية مباشرة، فإذا ثبت لاحقًا أن المواد مزورة، فإن ذلك يلحق ضررا جسيمًا بمصداقية القضية برمتها، وقد يستخدم من قِبل المتهمين للتشكيك في سائر الأدلة.

وختم الكيلاني بالقول إن النشر العشوائي قد يؤدي إلى فقدان جزء من قيمة هذه المواد كأدلة قانونية، مفضلًا التعامل معها بطريقة مزدوجة تجمع بين التوثيق الحقوقي المهني وتسليم النسخ الأصلية لجهات التحقيق المختصة لضمان قيمتها أمام القضاء.

سرقة وثائق

في 19 من كانون الأول 2024، كشفت “رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا” عن عملية سرقة لوثائق وأجهزة كمبيوتر من سجن “صيدنايا” بعد سقوط نظام الأسد.

وقالت الرابطة في تقرير، إنها تمكنت من تحديد هوية بعض الأفراد المتورطين في سرقة أجهزة الكمبيوتر من سجن “صيدنايا”، من خلال شهادات متقاطعة لسكان محليين وأهالي المختفين، مع توثيق قام به أعضاء من الرابطة كانوا داخل السجن في 8 من كانون الأول، أي بعد بضع ساعات من سقوط الأسد.

ووفق شهود عيان، قامت مجموعة من “الشبيحة” واللصوص الذين كانوا على ارتباط بالنظام المخلوع بالتسلل إلى سجن “صيدنايا” مع بدء توافد الأهالي، وسرقوا أجهزة الكمبيوتر من غرفة المراقبة وبعض الملفات من القلم الأمني في السجن.

وبعد ساعات من سقوط النظام، انتشرت مقاطع مصوّرة من داخل سجن “صيدنايا” لمقاتلين ومدنيين يتجولون بين رفوف حوَت وثائق وتقارير كتبت نهاية حياة عشرات آلاف السوريين، أو أدت إلى اعتقالهم ومعاملتهم بطريقة غير آدمية، ووثقت أيضًا أسماء المسؤولين عن ذلك.

وثائق مرمية على الأرض، وأخرى أخذها أشخاص سواء مدنيون أو عسكريون، ومن الممكن أن يكونوا من أركان النظام السابق، أدت إلى فقدان أو تلف وثائق وتقارير أمنية، ولم يُعرف حجم الفقدان حتى الآن.

استمرت حالة عدم ضبط دخول الأشخاص إلى المعتقلات والعبث بمحتوياتها نحو أربعة أيام، إلى أن أغلقت “إدارة العمليات العسكرية” هذه المعتقلات، وأنهت فرق البحث والإنقاذ وعلى رأسها “الدفاع المدني السوري” عمليات البحث عن سجون أو غرف مخفية داخلها، وهو ما حدث في سجن “صيدنايا”.

Related



إقرأ المزيد