إنعاش الإنتاج وهجرة الأرباح.. ماذا يحمل إعلان استثمار معمل دريكيش؟
عنب بلدي -

عادت قضية الاستثمارات الحكومية في سوريا إلى الواجهة مجددًا، عقب إعلان وزارة الصناعة والاقتصاد عن طرح معمل تعبئة مياه نبع دريكيش للاستثمار من قبل القطاع الخاص، في خطوة أثارت جدلًا بين الخبراء الاقتصاديين حول جدواها وتوقيتها.

​ويُعد معمل دريكيش، الواقع في محافظة طرطوس، أحد أعرق المنشآت الصناعية المرتبطة بمورد طبيعي مستدام، حيث تشتهر مياهه بخصائص معدنية جعلتها تاريخيًا في صدارة المنتجات الوطنية المطلوبة محليًا وفي أسواق التصدير.

وبحسب بيانات محافظة طرطوس الصادرة في حزيران 2025، تصل طاقة المعمل الإنتاجية إلى 13 ألف عبوة من حجم لتر ونصف يوميًا، و1500 عبوة على خط النصف لتر، لتلبية حاجة الأسواق المحلية.

​شراكة طويلة الأمد

الشركة العامة للصناعات الغذائية أعلنت، في 27 من نيسان، عن طلب عروض داخلي خارجي بالظرف المختوم للتعاقد مع مستثمر يتولى مهام إعادة تأهيل المنشأة وتطوير خطوط إنتاجها، والتشغيل والاستثمار لمدة 25 عامًا، على أن تُنجز أعمال التأهيل في مدة أقصاها عام واحد.

​ووفقًا لدفاتر الشروط، يمتد المشروع على مساحة إجمالية تصل إلى 392,000 متر مربع تشمل المعمل وحرم النبع، فيما تبلغ مساحة المعمل وحده 32,000 متر مربع.

وحدد الإعلان قيمة التأمينات المؤقتة بـ 500,000 دولار أمريكي، والتأمينات النهائية بـ 10% من قيمة رأس المال المستثمر، مع الالتزام بالحصول على شهادات الجودة العالمية (ISO 22000, 9001, 14001) خلال ثلاث سنوات من بدء التشغيل.

وتؤكد الوزارة أن هذه الخطوة تهدف إلى ضخ رأس مال جديد وتحديث التكنولوجيا المستخدمة التي تعاني من القدم، مع بقاء ملكية المنشأة تابعة للقطاع العام.

​ تأهيل الموارد المتعثرة

​الدكتور علاء بلدية، الخبير الاقتصادي وعضو نقابة الاقتصاديين السوريين، قال لعنب بلدي، إن هذه الخطوة “مهمة اقتصاديًا” كونها تتعلق بأصل إنتاجي مرتبط بمورد دائم.

​وأوضح بلدية وجهة نظره عبر عدة نقاط:

  • ​ليست خصخصة: يعتبرها أقرب إلى “الشراكة مع القطاع الخاص” لأن الملكية تبقى للدولة، والهدف هو التطوير وليس البيع.
  • ​تجاوز عقبات التمويل: يرى أن تحديث خطوط الإنتاج يتطلب سيولة مالية قد يصعب توفيرها حالياً من الموارد العامة.
  • ​الأثر المحلي: تشغيل المعمل بكامل طاقته ينعكس إيجابًا على منطقة دريكيش وطرطوس عبر خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة.

​ومع ذلك، يشدد بلدية على أن مدة الـ 25 عامًا تتطلب “شروطًا عادلة” تحفظ حق الدولة في العائد والرقابة، وضوابط تضمن حماية المورد المائي واستدامته.

​”لن يتحدد النجاح بالإعلان، بل بتفاصيل العقد ومدى الشفافية وحجم الفائدة التي ستعود على الخزينة العامة.”

د. علاء بلدية – خبير اقتصادي

​ مخاوف من ضياع الأرباح السيادية

​في المقابل، طرح الخبير الاقتصادي جورج خزام، عبر صفحته في “فيسبوك”، رؤية نقدية لهذا التوجه، واصفًا إياه بـ “الكارثة المالية” في حال تم التخلي عن المنشأة لصالح مستثمر أجنبي أو وكلاء لمستثمرين خارجيين.

​ويركز خزام في انتقاده على عدة محاور:

  • ​خروج القطع الأجنبي: يرى أن المستثمر الأجنبي سيحول أرباحه بالدولار إلى الخارج، مما يزيد الطلب عليه ويرفع التضخم، بدلاً من بقاء الأرباح داخل الدورة الاقتصادية السورية.
  • ​حل “الشركة المساهمة”: يقترح خزام تحويل المعمل إلى شركة مساهمة يكتتب فيها المواطنون والصناعيون السوريون، لضمان بقاء الأرباح محليًا وتشغيل مدخرات السوريين.
  • ​سهولة الإدارة: يؤكد خزام أن تعبئة المياه لا تحتاج لتكنولوجيا معقدة يعجز عنها القطاع العام، وأن أي مصنع مشروبات غازية محلي قادر على إدارته بكفاءة.
  • غياب الجدوى: يتساءل خزام عن البديل الاستثماري للأموال التي ستحصل عليها الدولة، وهل هي أكثر ربحية من الإيراد السنوي المستمر للمعمل؟
​تحديات الاستثمار في الموارد المائية

​بين القبول والرفض، تقف جملة من التحديات أمام نجاح هذا النوع من العقود، أبرزها:

  • شفافية العقود: كيفية تحديد “بدل الاستثمار” بما يتناسب مع قيمة نبع دريكيش التاريخية.
  • ​المنافسة: حماية المنتج الوطني من منافسة المياه المستوردة أو المعبأة بأساليب غير صحية.
  • الهوية الاقتصادية: الحفاظ على جودة “المياه المعدنية الطبيعية” التي يمثلها نبع دريكيش مقابل المياه المعالجة (المفلترة).

وتوجد في سوريا أربعة معامل حكومية لتعبئة مياه الشرب، منها اثنان في دمشق واثنان في طرطوس، بالإضافة إلى ستة تتبع للقطاع الخاص، أربعة في إدلب، ومعمل في ريف حلب، وآخر في الرقة.

Related

اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا

إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى



إقرأ المزيد