هولندا.. النيابة تفصّل أدلة التعذيب والاغتصاب الممنهج في قضية رفيق قطريب
عنب بلدي -

بدأت جلسات محاكمة رفيق قطريب (58 عامًا)، المحقق السابق في ميليشيا “قوات الدفاع الوطني” في مدينة سلمية بريف حماة الشرقي، أمام محكمة لاهاي الجزئية، بتوتر أثارته محاولة المتهم مغادرة القاعة، قبل أن تخصص جلسة 22 من نيسان لمرافعات النيابة العامة التي طلبت إنزال عقوبة السجن 30 عامًا بحقه.

ووفق تقرير نشره “المركز السوري للإعلام وحرية التعبير” اليوم، الخميس 30 نيسان، يأتي طلب النيابة في وقت يستند فيه ملف القضية إلى تسعة ضحايا شاركوا في الإجراءات القضائية، بينهم من قدموا مطالبات بالتعويض عن أضرار لحقت بهم في مراكز احتجاز خضعت لسيطرة “الدفاع الوطني” بين عامي 2013 و2014.

تحقيق بدأ بإفادات محامٍ حقوقي

بدأ تحقيق “شيلدون” في تشرين الثاني 2021، بحسب تقرير “المركز السوري للإعلام وحرية التعبير”، بناء على معلومات قدمها محامٍ حقوقي، تضمنت إفادات شهود تشير إلى تورط رجل مقيم في هولندا في جرائم دولية خطيرة في سوريا.

ووصفت هذه الإفادات تعرض معتقلين لسوء معاملة شديد في مراكز الاحتجاز بمدينة سلمية، حيث زُعم أن المتهم عمل محققًا ورئيسًا لقسم التحقيق في “قوات الدفاع الوطني”.

وبناء على شهادات متعددة ومتطابقة، حُددت هوية قطريب، الذي كان قد مُنح حق اللجوء في هولندا، واعتقل في 8 من كانون الأول 2023.

وشهد التحقيق تطورًا لافتًا بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، إذ أبدى الشهود، الذين كانوا يخشون سابقًا من أعمال انتقامية، رغبة أكبر في الإدلاء بشهاداتهم علنًا.

المتهم يطلب المغادرة والمحكمة ترفض

في 21 نيسان، بدأت الجلسة بطلب تقدم به قطريب لمغادرة قاعة المحكمة، بحسب ما نقله “المركز السوري للإعلام وحرية التعبير”، دافعًا بعدم وجود أي صلة تجمعه بالضحايا، وبأنه لا يرغب في الاستماع إلى مرافعة النيابة.

وبدوره، اعترض وكيل النيابة على الطلب، مشيرًا إلى أنه “يدل على عدم احترام الضحايا الحاضرين في القاعة والذين تابعوا إجراءات المحاكمة”، وفق التقرير.

وبعد رفع الجلسة لمداولة وجيزة، رفضت المحكمة الطلب، بحسب المصدر. ومع إقرار القضاة بأنه قد يُسمح للمدعى عليه بالمغادرة في ظروف معينة، خلصوا إلى “عدم تقديم مبررات كافية لذلك”، مشددين على أهمية بقاء المتهم حاضرًا في ظل مشاركة الضحايا.

ولم تلبث الجلسة أن تعطلت بعد ذلك بوقت قصير بسبب مشاكل فنية في البث المباشر.

“لم يكن التعذيب حوادث عرضية”

قدمت النيابة العامة عرضًا تفصيليًا للسياق العام للجرائم، وفقًا لتقرير المركز، دافعة بأن القضية “تشكل جزءًا من هجوم واسع النطاق ومنهجي شنه النظام السوري ضد السكان المدنيين”.

واستندت إلى مصادر موثوقة متعددة، بينها الآلية الدولية المحايدة والمستقلة (IIIM)، ولجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا التابعة للأمم المتحدة، وسوابق قضائية محلية ودولية.

وأكدت النيابة، كما ورد في التقرير، أن الاحتجاجات السلمية في عموم سوريا واجهت، منذ آذار 2011، “عنفًا منسقًا ومتصاعدًا نُظم على أعلى المستويات السياسية والعسكرية، وهدف إلى كبح المعارضة عبر الترهيب والترويع”.

ولم يكن التعذيب والعنف الجنسي، بحسب النيابة، “حوادث عرضية، بل كانا جزءًا لا يتجزأ من هذه السياسة، حيث استخدما لانتزاع المعلومات وكوسيلة لمعاقبة الأفراد والمجتمعات وترهيبهم”.

“قوات الدفاع الوطني” تحت سلطة الدولة

لعبت الميليشيات الموالية للنظام دورًا محوريًا في هذا القمع، وفق ما نقله “المركز السوري للإعلام وحرية التعبير” عن مرافعة النيابة، حيث تطورت إلى كيانات أكثر تنظيمًا، وبرزت “قوات الدفاع الوطني” التي تأسست رسميًا عام 2013.

ودفعت النيابة بأن هذه الجماعات “عملت تحت سلطة الدولة، وتولت تنفيذ عمليات الاعتقال والاحتجاز والتحقيق، ومُنحت صلاحيات واسعة شملت السيطرة على مراكز الاحتجاز”.

وتركز القضية على ما شهدته مدينة سلمية التي وُصفت، بحسب تقرير المركز، بأنها “موقع محوري قُمعت فيه الاحتجاجات بعنف، واعتقل فيه مدنيون تعرضوا لسوء المعاملة”.

وشاركت “قوات الدفاع الوطني”، بحسب النيابة، بفاعلية في هذا القمع، بما في ذلك إدارة وتشغيل مواقع احتجاز شهدت ممارسات تعذيب وانتهاكات.

الزي العسكري والسلاح.. والمحقق المعروف

فيما يتعلق بقطريب، قالت النيابة الهولندية إنه “شغل دورًا جوهريًا داخل قوات الدفاع الوطني بصفته محققًا”، استنادًا إلى شهادات متعددة ومتطابقة لشهود عيان، وفق التقرير.

وتشمل هذه الشهادات ضحايا-شهود وصفوا تجاربهم المباشرة مع التحقيق والانتهاكات، وآخرين على دراية بالوضع في سلمية ممن حددوا هويته ضمن هيكلية “الدفاع الوطني”.

ووصف العديد من الشهود المتهم، بحسب ما وثقّه “المركز السوري للإعلام وحرية التعبير”، بأنه “كان مرتبطًا علانيةً بقوات الدفاع الوطني، بما في ذلك ظهوره بالزي العسكري وحمله للسلاح”. وأفادوا بأن دوره كمحقق “كان معروفًا على نطاق واسع داخل المجتمع المحلي”.

كما أشارت شهادات نقلها المركز إلى أن “المعلومات المتعلقة بالمحققين كانت تُجمع وتُتداول بشكل منهجي ضمن شبكات المعارضة، بناءً على الإفادات الواردة من المعتقلين المفرج عنهم”.

وثائق النظام تفضح رواية المتهم

قدمت النيابة أدلة مستندية حُصل عليها عقب سقوط نظام الأسد، وفق تقرير المركز، شملت تقارير أمنية داخلية ومراسلات وسجلات خاصة بـ”قوات الدفاع الوطني”.

وأكدت أنه “لم يُعتمد على الوثائق التي يُحتمل الحصول عليها تحت الإكراه لإثبات صحة أي اعترافات”، لكنها “تظل ذات صلة لإثبات الأدوار والمهام والتسلسل الهرمي وتواريخ الاعتقال وعمليات النقل والأوامر العملياتية”.

وتشير دراسة أمنية داخلية مؤرخة في 2015، بحسب المصدر ذاته، إلى التوصية بعدم إعادة قطريب إلى السلك القضائي، موضحةً أنه “عمل محققًا في قوات الدفاع الوطني وأنه كان قد احتُجز في أعقاب مزاعم تتعلق بانتهاكات جنسية بحق معتقلة”.

وسجلت دراسة أخرى من عام 2019 أن “اسمه ورد في السجل الجنائي لارتباطه بشبهات محاولة اغتصاب نساء أثناء ممارسة دوره كمحقق في مكتب قوات الدفاع الوطني”.

كما أشارت النيابة إلى رسالة كتبها قطريب بخط يده في أيلول 2013، أشار فيها إلى عمله في “قسم المعلومات والتحقيق”، إضافة إلى أمر استدعاء صادر عن “الدفاع الوطني”.

واعتبرت النيابة أن “هذه الوثائق تدحض التبريرات التي ساقها المتهم بأن مشاركته في قوات الدفاع الوطني كانت تقتصر على المهام المكتبية فقط”.

سلطة وألقاب

أكدت النيابة أن دور قطريب “لم يقتصر على مجرد الحضور أثناء جلسات التحقيق، بل كان يمارس سلطة وسيطرة على المعتقلين وعلى المرؤوسين العاملين تحت إمرته”، وفقًا لما ورد في تقرير المركز.

ووصفه الشهود بأنه “الشخص الذي يقرر بقاء المعتقلين في الحجز أو إخلاء سبيلهم، والموجه لمضمون التقارير، ومن يصدر الأوامر أثناء التحقيقات، والمشرف على الآخرين أو الآمر لهم باستخدام العنف”.

كما أفاد العديد من الشهود، بحسب التقرير، بأنه “كان يخاطب بألقاب تشير إلى المكانة والسلطة”.

الصدمة لا تلغي الموثوقية

تناولت النيابة مسألة موثوقية إفادات الشهود، بحسب “المركز السوري للإعلام وحرية التعبير”، مشددة على “ضرورة توخي الحذر نظرًا لمرور فترة زمنية طويلة على الأحداث وطبيعتها الصادمة”.

لكنها أشارت أيضًا إلى أن “الصدمة لا تقوض الموثوقية تلقائيًا، لا سيما عندما تظل العناصر الجوهرية للشهادة متسقة ومدعومة بأدلة أخرى”.

وحصلت الإفادات بحسب النيابة “بطريقة دقيقة وموثوقة من قبل محققين مختصين، وبمساعدة مترجمين ذوي خبرة، مع وضع ضمانات إضافية للمقابلات المتعلقة بالعنف الجنسي”.

وجرى فحص مزاعم وجود تأثير غير لائق من قبل أطراف ثالثة، بما في ذلك المحامي الحقوقي السوري أو منظمته، “إلا أنه لم يُعثر على أي مؤشرات تدعم حدوث مثل هذا التأثير”، وفق التقرير.

ثلاثة مواقع ونمط واحد من الفظائع

تناولت النيابة المزاعم المتعلقة بمواقع الاحتجاز الثلاثة: “معمل السجاد”، و”فيلا الكويتي”، و”تل التوت”، بحسب تقرير المركز.

وحددت “نمطًا متسقًا في هذه المواقع كافة؛ حيث كان يحتجز المعتقلون لدى قوات الدفاع الوطني، ويخضعون لاستجوابات عنيفة، وتعذيب، ومعاملة لا إنسانية، وعنف جنسي”.

وحُددت هوية قطريب “مرارًا وتكرارًا باعتباره الشخص الذي لعب دورًا محوريًا في تلك الاستجوابات”.

تسع ضحايا وخمس عشرة تهمة

تقدم تسعة ضحايا بادعاءات بالحق المدني للمطالبة بتعويضات عن الأضرار التي لحقت بهم، وفقًا للمصدر ذاته. وأكدت النيابة أن هذه المطالبات “ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالأفعال الجرمية الواردة في قرار الاتهام”.

ويواجه قطريب تهمًا تشمل “تسع تهم تتعلق بالتعذيب والمعاملة اللاإنسانية، وست تهم تتعلق بالعنف الجنسي، وتهمة واحدة بالاغتصاب”.

وشددت النيابة، بحسب تقرير “المركز السوري للإعلام وحرية التعبير”، على العواقب الوخيمة التي عانى منها الضحايا، بما في ذلك “الصدمة النفسية، والخوف، وفقدان الثقة، والعزلة الاجتماعية، والآثار الجسدية المستمرة”.

كما أشارت إلى سلوك المتهم خلال إجراءات المحاكمة وموقفه و”الخطر الذي لا يزال يشكله على المجتمع”.

واختتمت النيابة مرافعتها بطلب إدانة المتهم بجميع التهم المنسوبة إليه، والاستجابة لمطالبات الضحايا بالتعويض عن الأضرار، وإنزال أقصى عقوبة ممكنة بحقه وهي السجن لمدة 30 عاماً مع خصم مدة الحبس الاحتياطي، وفق التقرير.

كيف وصل قطريب إلى قفص الاتهام؟

بدأت الشرطة الهولندية، بحسب ما أعلنت عنه النيابة العامة الهولندية، تعقب قطريب فور وصوله إلى هولندا في تموز 2021، بعد ورود معلومات عن وجود محقق سابق في “الدفاع الوطني” يحمل اسمًا مشابهًا ويقيم في البلاد. وفي 8 من كانون الأول 2023، ألقت السلطات القبض عليه في بلدة دروتن، حيث كان يعيش مع عائلته كلاجئ.

تتضمن لائحة الاتهام 24 تهمة جنائية ارتكبت بحق 9 ضحايا، وتستمر جلسات الاستماع حتى أيار 2026، على أن تصدر المحكمة حكمها في 9 من حزيران المقبل.

سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، خلال سير التحقيق، كان له أثر كبير على القضية، إذ سمح للشهود بالإدلاء بشهاداتهم بالاسم، ومكّن الضحايا من العودة إلى سوريا والعودة إلى أماكن سجنهم لتوثيق الأدلة.

وقد عُرضت هذه المقاطع، التي تؤكد صحة الشهادات، في قاعة المحكمة بحسب تقرير النيابة العامة الهولندية.

تعتبر هذه القضية الأولى من نوعها في هولندا التي تنظر في جرائم فظائع ارتكبتها قوات موالية للحكومة السورية في سوريا، والأولى التي توجه فيها النيابة تهم العنف الجنسي كجريمة ضد الإنسانية.

Related



إقرأ المزيد