عنب بلدي - 5/2/2026 12:37:09 PM - GMT (+2 )
محمد غزوان شاهين
منذ بضعة شهور بدأت بمتابعة سلسلة تتحدث عن الخلافة الإسلامية عبر ألف عام، يقدمها الصحفي سيد جبيل، ويستضيف فيها الدكتور في التاريخ والحضارة الإسلامية إبراهيم العسال. ومع متابعة عدة حلقات، وصولًا إلى مرحلة الفتنة الأولى، ثم الفتنة الثانية، مرورًا بالفترة الأموية حتى انهيار الدولة، ولا تزال الحلقات مستمرة حتى اليوم، تذكّرت مصطلحًا برز خلال فترة سقوط النظام، وهو بني أمية.
بدأت بالبحث عن معنى هذا المصطلح، فوجدت أنه استُخدم في سياق الصراع من قبل النظام وحلفائه، ولا سيما ضمن التحالف الإيراني الشيعي، كأداة ذات طابع عقائدي لتوجيه الرأي ضد الطرف المقابل، أي المعارضة السورية، التي كانت في معظمها ذات ميول إسلامية، حيث جرى توصيفهم ببني أمية، بما يحمله هذا الوصف من دلالات سلبية مرتبطة بالصراع التاريخي مع أهل البيت. لكن المفارقة أن الطرف الآخر لم يرفض هذا التوصيف، بل بدأ مع الوقت باستخدامه لوصف نفسه، في تحوّل لافت في دلالة المصطلح.
وزاد انتشار هذا الاستخدام بشكل ملحوظ بعد مرحلة التحرير، حيث اتجه بعض من وُجّهت إليهم هذه التسمية إلى تبنّيها والتعبير عنها بوصفها هوية. ومع ذلك، فإن كثيرًا ممن يعرّفون أنفسهم اليوم بأنهم أمويون لا يمتّون إلى الأمويين بصلة مباشرة، لا على المستوى العقائدي، ولا على مستوى النسب.
لذلك، بات من الضروري الدخول في صلب هذا الموضوع، ليس فقط لفهمه، بل لتحليل مسارات تطوره في الخطاب المعاصر.
أولًا، لا بد من فهم الأموية بمعناها التاريخي، فقد كانت سلطة حاكمة استطاعت بناء دولة قوية، وعملت على تعريب الدواوين، وأنتجت أول عملة عربية في التاريخ، ووسّعت رقعة الدولة الإسلامية شرقًا وغربًا.
كما يمكن وصفها بأنها دولة عربية إسلامية، مع حضور واضح للعامل العربي القبلي في بنيتها، حيث لم يكن البعد الديني دائمًا هو المحدد الأول في إدارة الحكم أو الصراع عليه، بقدر ما كان التركيز على تثبيت السلطة وإدارتها.
ومع ذلك، لا ينفي هذا التوصيف مكانة الأمويين في التاريخ الإسلامي، ولا موقع شخصياتهم، وفي مقدمتهم معاوية بن أبي سفيان، الذي يُعد من الصحابة، ويُنسب إليه أنه كان من كتّاب الوحي وفق ما ترجّحه معظم المصادر.
كما يلفت النظر في تلك المرحلة قدرتهم السياسية وحنكتهم في إدارة الدولة، ابتداء من معاوية، وصولًا إلى هشام بن عبد الملك، الذي يُعد من آخر الخلفاء الأقوياء في الدولة الأموية.
لم يكن التسلط الديني هو العامل الأساسي في الحكم، إذ يظهر أنهم تعاملوا مع السلطة بوصفها شأنًا سياسيًا في المقام الأول.
كما أن من السمات اللافتة قرب الحكام من الناس، حيث لم يكن هناك عزل واضح بينهم وبين المجتمع، بل كانت حياتهم متداخلة بشكل مباشر مع البيئة المحيطة بهم.
حاول النظام البعثي على مدى 60 عامًا استحضار المصطلح الأموي، لا بوصفه توصيفًا تاريخيًا دقيقًا، بل كرمز يُعاد توظيفه لخدمة فكرة أوسع تتعلق بالهوية القومية العربية، فقد جرى ربط دمشق بذلك الإرث، وتقديمها كعاصمة أولى للعرب، في محاولة لتعزيز شعور عام بالفخر والانتماء.
غير أن هذا الاستحضار لم يكن شاملًا، بل اتسم بقدر واضح من الانتقائية، إذ جرى التركيز على عناصر القوة والتوسع وبناء الدولة، في حين تم تهميش ما يحمله ذلك التاريخ من صراعات وتعقيدات سياسية ودينية.
والمفارقة أن المصطلح ذاته، الذي استُخدم يومًا لتعزيز هذا الفخر القومي، عاد في سياق الصراع السوري ليُستخدم كأداة اتهام وإقصاء، قبل أن يتحوّل مرة أخرى، في بعض الحالات، إلى هوية يتبناها من وُجّهت إليهم هذه التسمية.
وهكذا، لم يعد المصطلح يحمل معنى ثابتًا، بل أصبح يتشكل وفق السياق الذي يُستخدم فيه، ويعكس موقع المتحدث أكثر مما يعكس حقيقة تاريخية واضحة.
فهل نحن أمام قراءة للتاريخ، أم أمام صناعة جديدة له تُكتب بلغة الحاضر.
وإذا كان المصطلح قد تعرّض لكل هذا التحوّل في سياقات الصراع، فإن معناه الأعمق لا يزال حاضرًا في وجدان المدينة نفسها.
فالأموية ليست شعارًا عابرًا، ولا توصيفًا يُستخدم وفق تقلب المزاج والمواقف، ولا أداة دعائية لتجميل خطاب سياسي.
فأموية دمشق، في وجدان أهلها، ليست انتماء مغلقًا، بل تعبير عن نمط حضاري تشكّل عبر قرون، نمط يقوم على التعايش، والتسامح، ومدنية الدولة.
لا علاقة لها بالسجالات التي تحاول الانتقاص من دمشق أو تصنيف أهلها، ولا صلة لها بادعاءات التفوق أو الطائفية، بقدر ما هي امتداد لتاريخ مدينة عرفت كيف تحتضن التناقض دون أن تنكسر.
دمشق، التي يستند مسجدها إلى كنيسة من جهة، وإلى حانة من جهة أخرى، لم تكن يومًا مدينة ذات لون واحد، بل فضاء مفتوحًا لتجارب متعددة، وفي هذا السياق، لم يكن غريبًا أن يخرج الشاعر الأخطل، الشاعر المسيحي، من مجلس عبد الملك بن مروان، ليقول:
والنصر ينزل في مواطن لهونا
فنرجع الجد حينًا بعد ما نلعب
بهذا المعنى، تصبح الأموية إحدى طبقات الهوية السورية، مثلها مثل حمدانية حلب، وأيوبية حماة، وآرامية حمص، وآشورية الحسكة.
وكونها أموية لا ينقص من عمق دمشق التاريخي، بل يضيف إليه فصلًا جديدًا من فصولها، ويمنحها بعدًا آخر في سلسلة ممتدة من الحضارات.
إنها ببساطة إحدى الجواهر التي تزيّن التاج الدمشقي.
وإذا أبصرت أرض دمشق يومًا
رأيت بها الجلالة والسنوسا
Related
إقرأ المزيد


