عنب بلدي - 5/3/2026 5:26:08 PM - GMT (+2 )
عنب بلدي – أمير حقوق
في سوريا، التي اعتادت ثقل الأخبار لا خفّة النكات لسنوات طويلة، يظهر “ستاند أب كوميدي” كصوت غير مألوف، يحاول أن يعيد تعريف العلاقة مع الواقع، هنا، لا يُستخدم الضحك للهروب فقط، بل كطريقة لفهم ما يحدث وتفكيكه وربما احتماله.
هذا الفن، الذي يقوم على المواجهة المباشرة مع الجمهور، يضع صاحبه أمام اختبار دائم: كيف تقول شيئًا حقيقيًا دون أن تصطدم بكل شيء؟ وكيف تُضحك الناس في بيئة لا تزال حساسة تجاه السخرية، ومحمّلة بتجارب قاسية؟
فن يتشكل بصعوبةبين الجرأة والحذر، وبين الرغبة في التعبير والخوف من سوء الفهم، يتشكل “ستاند أب كوميدي” في سوريا كمساحة ضيقة، لكنها مليئة بالاحتمالات.
ويأتي الحديث عن هذا الفن ضمن سياق ثقافي واجتماعي مركب، حيث لا تزال هذه التجربة في طور التشكل، فبين محدودية المسارح، والقيود الاجتماعية والسياسية، ونقص البنية التحتية الداعمة، يحاول أن يجد لنفسه مساحة بين الفنون التقليدية.
وفي توصيف مباشر من داخل التجربة، يرى الفنان الكوميدي ملكي ماردينلي، أن “ستاند أب كوميدي” في سوريا لا يزال في طور التأسيس، ليس بسبب غياب المواهب، بل نتيجة غياب البيئة الحاضنة، حيث يعتمد معظم العمل على الجهود الفردية.
ومع ذلك، يشير إلى أن ملامح مشهد حقيقي بدأت تتشكل، مع بروز تجارب تعمل بشكل منظم، مثل تلك التي تلعب دورًا محوريًا في التدريب وتنظيم العروض وصناعة مساحة لهذا الفن.
السخرية على خيط رفيعالسخرية، بطبيعتها، تسير على خيط رفيع بين الجرأة والتجاوز، فهي أداة نقد، لكنها قد تنقلب بسهولة إلى أداة إساءة إذا فقدت بوصلتها الأخلاقية.
وفي السياق السوري، تصبح هذه الحدود أكثر حساسية، نظرًا إلى تنوع الخلفيات الاجتماعية والدينية، وثقل التجربة الجماعية التي عاشها الناس.
وفي هذا السياق، يطرح الصحفي والكاتب السوري ملاذ الزعبي (لديه كتابات ساخرة وخبرة في “ستاند أب كوميدي”)، رؤية تميل إلى إطلاق حرية النكتة من حيث المبدأ، معتبرًا أنها يفترض أن تكون بلا حدود، غير أن الواقع السوري بمحاذيره السياسية والاجتماعية يفرض قيودًا واضحة، في ظل فضاء عام يتسم بالصرامة ولا يتسامح بسهولة مع كسر التقاليد.
في المقابل، يقدم “الكوميديان” ملكي ماردينلي زاوية أكثر ارتباطًا بالممارسة، إذ يرى أن النكتة “لا تملك سقفًا ثابتًا، بل اتجاهًا، والفيصل هنا: هل يضحك الكوميدي مع الناس أم عليهم؟”.
فالسخرية، برأيه، تصبح مؤذية حين تستهدف الفئات المتعبة أو المهمشة، خاصة في مجتمع مثقل بالأعباء مثل سوريا.
لذلك، لا يدعو إلى تخفيف الجرأة، بل إلى توجيهها بوعي، بحيث تفتح النقاش بدلًا من أن تغلقه.
النكتة لا تملك سقفًا ثابتًا، بل اتجاهًا، والسخرية تصبح مؤذية حين تستهدف الفئات المتعبة أو المهمشة.
ملكي ماردينلي
فنان كوميدي سوري
بين المزاح والإيذاءحين تنزلق الكوميديا من النقد الذكي إلى التنميط والإقصاء، فإنها تفقد جوهرها، وتتحول من مساحة للضحك المشترك إلى أداة تقسيم.
في بعض الحالات، تتحول النكتة إلى خطاب كراهية مبطّن، يستهدف فئات معينة تحت غطاء المزاح، وهذا ما حصل مع “الكوميديان” السوري خالد وليد، بسبب انتشار مقطع له، اعتبره رواد وسائل التواصل الاجتماعي إساءة لأهالي مدينة حلب، بسبب تجاوزه الاحترام واستخدام مصطلحات خادشة للحياء، واعتبر بعضهم ذلك “تنميطًا مسيئًا بحق أهالي حلب”، فيما دعا آخرون إلى محاسبته بالقانون على إساءته.
هذا التحول لا يعكس فقط خللًا في المحتوى، بل أيضًا غيابًا في الوعي بدور الكوميديا كقوة ناعمة للتغيير المجتمعي، وليس فقط أداة ترفيهية.
هنا، يرى الصحفي والكاتب السوري ملاذ الزعبي، أن تحميل الكوميديا مسؤولية خطاب الكراهية قد يكون مبالغًا فيه، إذ يميز بين فضاء “ستاند أب” المفتوح ووسائل الإعلام التقليدية، معتبرًا أن المعايير لا يمكن إسقاطها بشكل واحد على المجالين.
كما يشير إلى أن دور “ستاند أب كوميدي” في التغيير الاجتماعي ليس عبر الخطاب المباشر للنكات، بل بما يمثله من فضاء للحرية وخرق المحظورات وتعزيز الفردية وكسر التراتبية وغيرها.
دور “ستاند أب كوميدي” في التغيير الاجتماعي ليس عبر الخطاب المباشر للنكات، بل بما يمثله من فضاء للحرية وخرق المحظورات، وتعزيز الفردية وكسر التراتبية.
ملاذ الزعبي
صحفي وكاتب سوري
أما “الكوميديان” ملكي ماردينلي فيتخذ موقفًا أكثر حذرًا من داخل الممارسة، إذ يرى أن الكوميديا حين تتحول إلى كراهية تفقد قيمتها بالكامل، مؤكدًا أن الضحك لا يجب أن يكون على حساب الفئات الأضعف.
وينبه إلى خطأ شائع يتمثل في ربط القسوة بالجرأة، بينما القوة الحقيقية، برأيه، تكمن في القدرة على الإضحاك دون إلحاق الأذى. لذلك، يدعو صنّاع هذا الفن إلى تطوير أدواتهم والكتابة بوعي وفهم تأثير ما يقدمونه.
كسر المحظورات وتحديات جودة المحتوىلا يمكن النظر إلى “ستاند أب كوميدي” في سوريا بمعزل عن تأثيراته المتشابكة، فمن جهة، يقدم هذا الفن متنفسًا نفسيًا، ويعيد للناس قدرتهم على الضحك في وجه القسوة، كما يسهم في طرح قضايا اجتماعية بطريقة غير مباشرة.
ومن جهة أخرى، قد يؤدي غياب المعايير المهنية إلى انتشار محتوى سطحي أو مسيء، يكرس الانقسامات بدلًا من معالجتها.
في هذا الإطار، شدد الصحفي ملاذ الزعبي على أهمية هذا الفن بوصفه مساحة لكسر القداسة التي قد تحيط بالأفكار أو الشخصيات أو حتى المراحل التاريخية، ما يفتح الباب أمام حرية أوسع في التفكير والتعبير.
بينما يضيء ملكي ماردينلي على البعد اليومي المباشر، معتبرًا أن من أبرز إيجابيات “ستاند أب” أنه يمنح الناس مساحة للتنفس والضحك، ويفتح نقاشات يصعب طرحها بشكل مباشر، إلى جانب خلق جيل أكثر جرأة في التعبير.
في المقابل، لا يغفل عن السلبيات، مثل ضعف بعض المحتوى أو الخلط بين الجرأة وقلة الاحترام، فضلًا عن غياب الأمان الكامل لهذا المجال، ما يجعل ممارسته محفوفة بالمخاطر.
Related
إقرأ المزيد


