تعد التغذية العلاجية من المجالات الحديثة التي حظيت باهتمام واسع في علاج اضطراب طيف التوحد، ليس كعلاج مباشر للحالة، بل كعامل مساعد يحسّن الأعراض والسلوكيات وجودة الحياة.
تشير أبحاث حديثة إلى علاقة وثيقة بين النظام الغذائي وصحة الجهاز الهضمي ووظائف الدماغ لدى الأطفال المصابين بالتوحد، وفق ما أوضحته اختصاصية التغذية العلاجية الدكتورة نور قهوجي في حديث إلى عنب بلدي.
أحد أهم الاكتشافات الحديثة، بحسب قهوجي، هو ارتباط التوحد بمشكلات في الجهاز الهضمي، واختلال توازن البكتيريا النافعة في الأمعاء (الميكروبيوم).
وأظهرت دراسات حديثة أن الأطفال المصابين بالتوحد يعانون بشكل متكرر من الإمساك أو الإسهال أو الانتفاخ، ما يؤثر على سلوكهم وتركيزهم، بالتالي أصبح تعديل النظام الغذائي لتحسين صحة الأمعاء أحد المحاور الأساسية في التغذية العلاجية.
التخلي عن “الغلوتين” و”الكازيين”من أشهر الأنظمة الغذائية المستخدمة، وفقًا للاختصاصية، هو نظام خال من “الغلوتين” و”الكازيين” (Gluten-Free Casein-Free Diet).
يعتمد هذا النظام على إزالة بروتين القمح (الغلوتين) ومنتجات الحليب (الكازيين)، إذ يُعتقد أن بعض الأطفال لا يستطيعون هضم هذه البروتينات بشكل جيد، ما يؤدي إلى تأثيرات سلبية على الدماغ.
وأظهرت تجربة سريرية استمرت لمدة 12 شهرًا، تحسنًا في القدرات الإدراكية والسلوكية لدى الأطفال الذين اتبعوا هذا النظام مع مكملات غذائية.
أهمية المكملات الغذائيةتلعب المكملات الغذائية دورًا مهمًا، وفق قهوجي، خاصة الأحماض الدهنية مثل “أوميغا 3” التي تدعم وظائف الدماغ.
بالإضافة إلى ذلك، وُجد أن بعض الأطفال المصابين بالتوحد يعانون من نقص في فيتامينات مثل “B6″ و”B12” وحمض الفوليك، التي ترتبط بتحسين التركيز والتواصل عند تعويضها.
وذكرت قهوجي أن طفلًا يُعاني من ضعف في التواصل قد يُظهر تحسنًا تدريجيًا بعد إدخال مكملات “أوميغا 3” ضمن إشراف طبي.
مشكلات في السلوك الغذائيتشير أبحاث إلى أن مشكلات الأكل والسلوك الغذائي شائعة جدًا لدى أطفال التوحد، مثل الانتقائية الشديدة في الطعام (تناول أطعمة محددة فقط) أو رفض أنواع معينة بسبب اللون أو القوام.
لذلك، لا تقتصر التغذية العلاجية على نوع الطعام فقط، بحسب قهوجي، بل تشمل أيضًا تدريب الطفل سلوكيًا على تقبّل أطعمة جديدة.
ونصحت اختصاصية التغذية العلاجية باستخدام أسلوب “التدرج”، بإدخال طعام جديد بكميات صغيرة جدًا مع تعزيز إيجابي.
ومن الاتجاهات الحديثة أيضًا استخدام “البروبيوتيك” (البكتيريا النافعة) لتحسين صحة الأمعاء، بحسب قهوجي، إذ أظهرت بعض الدراسات تحسنًا في السلوك وتقليل التهيّج بعد استخدامها، رغم أن النتائج لا تزال قيد البحث وتحتاج إلى مزيد من الأدلة.
ولفتت الاختصاصية إلى أن التغذية العلاجية يجب أن تكون مخصصة لكل طفل، باعتبار أن استجابة الأطفال تختلف إلى حد كبير، فبعضهم يستفيد من الحمية الغذائية، بينما لا يُظهر آخرون نفس النتائج، مما يجعل التقييم الطبي والتغذوي الفردي أمرًا ضروريًا.
وختمت الاختصاصية حديثها لعنب بلدي بالقول، إن التغذية العلاجية تمثّل أداة داعمة مهمة في إدارة التوحد، خاصة عند دمجها مع العلاج السلوكي والتأهيلي.
ومع استمرار الأبحاث، يتوقع علماء تطوير استراتيجيات غذائية أكثر دقة تستهدف تحسين وظائف الدماغ والسلوك لدى أطفال التوحد مستقبلًا.
Related


